الهدر في البدائل الكهربائية

بقلم: عبيدة النعيمي

كثيرة هي البدائل التي اقتحمت حياتنا واستنزفت ميزانية العائلة العراقية، ولو دخلنا موسوعة غينيس للارقام القياسية لربما كنا الشعب رقم واحد في استخدام "البديل" مكان "الاصيل"، ولعل ما يخطر في بالك هو الكهرباء قبل كل شيء، فهناك اليوم مؤسسة متكاملة في هذا المجال يمكن ان نطلق عليها تسمية "الكهرباء البديلة" على وزن "الطب البديل"، وهذه المؤسسة تبدأ من "التجار" الذين اغرقوا السوق بالمولدات ذات الحجوم والقدرات المتنوعة، اضافة الى الادوات الاحتياطية لها، التي اعطت زخما جديدا في سوح العمل من خلال ورش التصليح المتخصصة بمولدات المنزل، فيما فتحت المولدات الكبيرة آفاق عمل للعاطلين، توزعت بين التجهيز بالوقود، ومد شبكات التوليد الاهلي، الى جانب الوظيفة الاساسية لعامل متخصص في تشغيل واطفاء المولدة.
بدائل اخرى، انبثقت من أزمة الكهرباء، ربما تقدم خدمة متواضعة مقارنة بالمولدات بشقيها "المؤقت"، الذي يقاس بساعات محددة قد لا تتجاوز الثماني ساعات في اليوم، و"الذهبي" الذي يستمر لمدة 23 ساعة تقريبا، هذه البدائل المتواضعة، هي الاخرى وفرت فرص عمل انتاجية واخرى "تصريف"، ومن بين هذه البدائل المروحة اليدوية "المهفة"، و"اللالة" و"الفانوس"، وقد واجه المنتوج المحلي المتواضع هذا منافسة المستورد، اذ ادركت شركات الدول المنتجة اهمية السوق العراقية لهذه البدائل، وربما طورت بعضها الآخر بما ينسجم مع "الازمة"، فأخذت محالنا التجارية تعرض مراوح "شحن" ومصابيح "لايتات" او "تورج" تختزن الطاقة.
ويبقى الابداع محصورا في قاموس البدائل العراقية، حيث ظهرت معامل او شركات متخصصة بصناعة "العاكسات" وهي نوع آخر للحصول على "الكهرباء البديلة"، وما دامت هناك "عاكسة" فلا بد أن تكون بجوارها ورشة للتصليح.
وبرغم ان البدائل تشكل حلا لازمة او ازمات تحيط بالمواطن، الا انها تعد من وسائل الهدر في الاقتصاد الوطني، اذ تستنفر الطاقات البشرية في مجالات محددة، تضعف من قدراتها، وتصيب المجتمع بحالة قصور ازاء الهدف الاساس وهو تعزيز ركائز البنى الاقتصادية.
كذلك، تستنزف العملة الصعبة، اذ يشكل المستورد الحيز الاكبر من تلك البدائل، وبالتالي تصبح حسابات الربح والخسارة، مرهونة بحالة العجز التي تصيب ميزان المدفوعات من جراء تسرب العملة الصعبة الى الخارج، وتسجيل ما يعرف بالمديونية بفعل ارتفاع مستوى الاستيرادات مقارنة بالصادرات.
ومن هنا، فنحن بحاجة الى الشروع ببناء المشاريع الضخمة والعملاقة التي من خلالها نحقق حالة الاشباع الفعلية من الاحتياجات الاساسية، سواء أكانت كهرباء ام ماء صالح للشرب، أم وقودا، أم خدمات أخرى، وبذلك نوقف الهدر ازاء البدائل التي نوفرها على مدار السنة غير مكترثين بآثارها السلبية في المجتمع والاقتصاد الوطني.
فعندما نسمح بحالة العبث في ايجاد البدائل، ونعطي مثلا الفرصة لانشاء عدد لا حصر له من المعامل لانتاج الماء المعقم، فاننا سنضع انفسنا أمام مسؤولية قانونية ازاء المنتج س او ص، الى جانب المشاكل، التي ستثيرها المنافسة غير المنضبطة،ناهيك عن قيمة كل معمل من هذه المعامل، التي وجدت فرصتها بعد ان تضاءلت فرصة الدولة بمؤسساتها المعينة في توفير الماء الصالح للشرب، وبالتالي كانت هذه العملية بمحصلتها النهائية مرهقة للاقتصاد الوطني بفرعيه العام والخاص.
اذاً، مسؤولية الحكومة المقبلة كبيرة، تدخل في جانب مهم منها، معالجة "البدائل" التي عمت وتوسعت بشكل مخل، ربما هدأت من حالة التذمر الشعبي ، واستوعبت قليلا بعض الطلبات المشروعة، لكنها اصابت القطاع العام بحالة الوهن نتيجة اتكائه عليها من دون التفكير بجدية نحو بناء البنى التحتية المحطمة او المتضررة حقا أو المفتعلة بحسب بعض المشككين الذين يربطون حالة القصور الحكومي، دائما، باسباب سياسية .. والحكيم تكفيه الاشارة. عبيدة النعيمي