نودع رجلا ظلمه اعتداله <br> فضل الله: فقه تحرير الوطن.. والدماغ

بقلم: محمد طعيمة

غالباً ما وقفت مع، وأحياناً ضد، وجه حزب الله المحلي. وغالباُ ما وقفت ضد ما يتعلق من وجهه الإقليمي بمصر، و"لعبه" على أرضها، لكني دائماً ما أعجبت بوجهه العقائدي، جنباً إلى جنب مع تقديسي لوجهه المقاوم. تقديس لا ينطلق فقط من فعله المقاوم، بل أكثر من بنائه التنظيمي والتربوي، لمؤسسة "دماغها" ديني، لكنها مختلفة تماماً عن "مُوظفي" الإسلام، بتنوعاتهم، حيث تواجد المسلمون.
في أول مظاهرة لإخوان مصر لاستغلال حراك 2005، "استظلوا" فيها بعشرات الاشتراكيين الثوريين، ووسط الهتافات الساخنة، "شخط" أحد قياداتهم ناشطة يسارية لتتوقف عن القفز حتى لا تكشف جانباً من بطنها. لست "من جاء في الهايفة وتصدّر"، بل "هم" من يتمحور خطابهم و"رزقهم" السياسي حول التوافه، هذه هي سلعتهم.. وفقط.
في أرشيفي صور وقصص خبرية من قلب أنشطة حزب الله أو متماسة معها، نرى فيها شعاره بخلفيته الدينية، على ظهر فتاة مؤيدة للحزب.. "متحررة في لبسها"، أو "قعدة حميمية" بين حبيبين وسط طوفان بشري من مئات الآلاف يحتشدون لسماع خطاب "النصر الإلهي" لـ"السيد حسن نصرالله".. دون أن تنهرهما عناصر "انضباط" الحزب، أو زجاجات شمبانيا يفتحها حلفاؤهم المسيحيون وسط الآلاف من مؤيدي الحزب، أو عدم التعرض لـ"الحرية الشخصية" لفتيات يعشن ويتحركن في "حارة حريك" قلعة الحزب. قصص، تجزم بتربية "ليبرالية" لكوادر ضُبط دماغها على تقديم نموذج لما تؤمن به.. دون أن تفرضه على الآخرين، وعلى أن رفضها للسياق السلوكي لهؤلاء لا يعني عدم التعايش معهم اجتماعياً أو سياسياً. عناصر، تشربت من فضل الله أن "الإسلام لا يفرض نفسه على الناس، "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.. وبالطرق الحضارية لا بالسيف أو غيره". فوفق تعبير إبراهيم الأمين، المستشار الإعلامي لأمين عام الحزب، "كان السيد يجهد لإقناع الشباب بأنّ الالتزام الديني لا يعني رفض الآخر، ولا يعني العزلة أو الامتناع عن مواجهة الظلم".

****
أول التفاتة لتميز عقائدية الحزب كانت ملتبسة، مع صورة لكوادره تُعيد بناء كنيسة دمرها الصهاينة بجنوب لبنان. الصورة التي تعود لعام 1997.. أو العام التالي، ضاعت مع تدمير أرشيفي عام 2004، لكنها نبهتني لعلاقة "عناصر" تنظيم عقائدي بالآخر دينياً. قلت، ربما هي "التقية" التي نراها جزءًا من التشيع، وقلت ربما لطبيعة الموازييك اللبناني بتنوعه الديني والمذهبي. لكن مع متابعتي لصعود نماذج مُوظفة للإسلام مصرياً وإقليمياً، سنة وشيعة، ومتابعتي للشأن اللبناني، تضاعفت حيرتي. ومع عدوان يونيو 2006، كان جلياً أن هناك ما هو مختلف، ومُتميز، في تجربة حزب الله.
تدريجياً، اكتشفت السبب. سبقني إليه د.حسن نافعة قبل 20 عاماً مع أول لقاء له بآية الله محمد حسين فضل الله، حينها أدرك أنه أمام "طراز مختلف تماما عن النمط التقليدي لرجل الدين (..) سعة اطلاع، وإلمام كامل بأهم اتجاهات ومدارس التفكير الاجتماعية والإنسانية الحديثة، وقدرة غير عادية على التنظير والمناظرة باستخدام مفردات عصرية، وتمكن تام من ناصية لغة تجرى عذبة على لسانه في سهولة ويسر". فضل الله، إذن، هو المدرسة. هو الوجه "الرعوي" لمؤسسة لها قدرة تنظيمية، حيرت كل المنظومات الغربية.
البداية كانت عام 1966، مع عودة رجل الدين الشاب محمد حسين فضل الله من النجف العراقية، إلى مسقط رأسه لبنان، ليؤسس "حوزة".. (المعهد الشرعي الإسلامي)، التي ستعرف فيما بعد بـ"حوزة النبعة"، مُقدماً رؤية دينية موازية، وربما مختلفة، لحوزتي قُم والنجف. انطلقت الحوزة الوليدة من تكامل قاعدتي العمل المؤسسي والإسلام الحركي. فلم تنشغل مؤسساتها الخيرية بالجانب الدعوي فقط، بل ركزت أكثر على تطوير قدرات من ترعاهم، وعلى تحسين شروط حياتهم، أياً كان مذهبهم. هكذا كانت: 9 مؤسسات للأيتام تدير شبكة فروع رعت حتى وفاته مائة ألف يتيم. 16 ثانوية متخصصة، 4 مؤسسات تأهيل.. وإعادة تأهيل، مهنية. دار مسنين، ومؤسسة للمعوقين، تأهيلا وتوظيفاً.. سعتها 500 سرير. مراكز طبية.. أبرزها مستشفى بهمن. مراكز ثقافية متنوعة الاهتمامات، ومكتبة "عامة" ضخمة.

****
مؤسسات لم تكن لتنجح وتتطور لولا القاعدة الثانية: الإسلام الحركي، الذي يتعامل مع "الأشياء كما هي في الواقع لا كما تشتهيها أنفسنا"، عملاً بالحديث الشريف: "اللهم أرني الأشياء كما هي..". حرص الراحل على بث الروح النقدية في تلاميذه بالحوزة والحياة عامة، والمقاومة خاصة، ورباهم على البحث الدائم عن سبل تجديد آليات العمل الإسلامي. مؤسساً لتيار، عابر للمذهبية وللظاهرة الأصولية ذاتها، يمزج الرؤية الإصلاحية والمقاومة وبين الطروحات الفكرية التجديدية والانفتاحية، كما كتب الباحث قاسم قصير في الأخبار اللبنانية، عشية رحيله، بعنوان "ما بعد التأسيس: تحدّيات المرجعيّة". إسلام مُنفتح على الآخر.. مُطلق الآخر.
"القرآن لا يفهمه إلا الحركيّون الذين عاشوا معنى الحركيّة في الإسلام". هكذا اختصر فضل الله، عقوداً من مأزق المواءمة بين الدين والعلم، بين فقه الواقع والنص المقدس. مشدداً على أهمية "أن نؤصِّل الفهم الديني عبر التعمق في النص الديني، وفي امتداده، ليكون النص للحياة كلّها، لا أن نحبسه في زنزانة خلفياتنا الضيقة". فهو، وفق حسين حمزة في الأخبار اللبنانية، "مرجعية تضع في حسبانها مصلحة الإنسان أولاً، وتحاول تكييف الشرط الديني مع الشرط الحياتي، ويدرك أن مشكلة الحوزات العلمية هي في عزلتها عن الواقع، فالدارس فيها يبدأ بالكتاب وينتهي بالكتاب. يتبحَّر في النصوص، مقابل جهلٍ وغربة كاملين عن الواقع الموضوعي الذي على أساسه ستُشتقُ الأحكام التطبيقية". أو كما قال أحد مشيعيه لفضائية الجزيرة: جعل الدين لخدمة الإنسان، لا العكس.
في آخر مؤلفاته "الاجتهاد بين أسر الماضي وآفاق المستقبل"، يشدد آية الله العظمى على أنه "ليس هناك سبيل لفصل فهم القرآن عن حركة الإنسان، وأن المجتهد أو المفسر يخضع للمؤثرات التي تحيط به". هكذا، ربى مُريديه على "محاورة العالم بعين عقلهم"، وذكّرهم بأن "الأحياء وحدهم الذين يقرأون إشكاليات المتحول بمناهج الاستنباط والاستقراء والتأويل". وقدم، كما تقول الأكاديمية المتخصصة في الظاهرة الأصولية ريتا فرج، "نتاجاً فقهياً اتخذ منحىً تراكمياً، قرأ عبره الواقع بتغيره، منطلقاً من إن "الدين ثابت، لكن المعرفة الدينية متغيرة".

****
المعرفة المتغيرة وحركية النص، وروحية العارفين، دفعته لتحدي التفسيرات التقليدية، وهز ثوابت الموروث الشيعي خاصة.. والإسلامي عامة. فكان، وفق وصف عباس ناصر في تقرير مُكثف للجزيرة، يؤمن بأنه: "ليس كل ما يُصور على أنه مقدس.. مقدساً". من إنكاره لـ "مُقدس".. "ولاية الفقيه"، الذي لا يرى له سنداً شرعياً، وعدم معارضته لصور الديمقراطية الحديثة و"ولاية الأمة".. كما أكد للباحث هيثم مزاحم في كتابه "تطوّر المرجعية الدينية لدى الشيعة الاثني عشرية"، إلى تحريمه لممارسات ارتبطت بذكرى عاشوراء، كضرب الجسد بالسكاكين والسلاسل، واصفاً إياها بـ"مظهر تخلف"، رداً على من حاولوا إحراجه بأن الخوميني دافع عنها لأنها "حافظت على وجود الشيعة".
هكذا سعت حوزة النبعة لإسلام يُطور الحياة ويحفظ الكرامة. أساسها الفكري، أن التشيع "منهج سياسي" في مواجهة الحاكم الظالم وليس مذهباً دينياً. دائماً ما أنكر الراحل الخلاف المذهبي، وتساءل: على ماذا نختلف، فالغيبيات مُتفق عليها، بعكس خلافات الطوائف المسيحية حول طبيعة الذات الإلهية. لم يفرق بين أبوحنيفة والشافعي وجعفر الصادق، كلهم مراجع مجتهدون.. عظام، لكنهم ليسوا عناوين لمذاهب دينية. رفض القول، كما بعض الشيعة، بتحريف القرآن، وحرم سب أو تكفير الصحابة الثلاثة أبوبكر وعمر وعثمان، أو زوجات الرسول، بينهن عائشة. وكذّب رواية "تاريخية" ظلت لقرون عماد عداء بعض الشيعة للخليفة عمر بن الخطاب، تتهمه باقتحام منزل الإمام علي والتهديد بإحراقه، وكسر ضلع السيدة فاطمة، واصفاً هذه الرواية بأنها "ضعيفة وليست موثوقة". كان مؤمناً، وداعياً، بالوحدة الإسلامية، وبأن "الشيعة والسنّة جدولان من نبع واحد، فرّقتهما السياسة، وستجمعهما لاحقاً عباءة أمة واحدة". لهذا كان طبيعياً أن يصلي الجمعة خلفه مئات السُنة الفلسطينيين من مخيم برج البراجنة، وأن يترك هو، بمرجعيته الدينية، خطبة وإمامة صلاة الجمعة المشتركة بين السُنة والشيعة لد. فتحي يكن، رئيس جبهة العمل الإسلامي، جناح إخواني لبناني تحالف مع حزب الله، بينما وقفت أغلبية البناوية، الجماعة الإسلامية، في خندق الحريري وجعجع. كان طبيعياً أن تحتشد لوداعه عمائم بيضاء وسوداء، سُنة ودروزاً وشيعة. كان إسلامه منفتحاً على الأخر... مُطلق الآخر.

****
في وداعه، بدا الحضور النسائي ملفتاً، محجبات وسافرات، من كل الأعمار. فهو لهن، كما وصفته الشابة منى حيدر للزميلة راجانا حمية، "المدافع الأول عن حقوقنا".. "عامل المرأة كالرجل، أول من نظر إليها كفكر وعقل، لا سلعة، ومن علمنا أن نكون كذلك". فتاواه هنا هي الأكثر صدمة لعموم المسلمين، وتفضح من تعايشوا على توظيف إسلام حوّل المرأة إلى عورة وخصمها من حياتنا.. ويُلهينا بمعارك السلوك الشخصي. فهو يؤكد: لا ولاية لأحد على المرأة إذا كانت بالغةً رشيدةً مستقلّة، وأن قوامة الرجل لا تعني سيادته عليها. حرّم ضرب الرجل لزوجته، وأباح لها مبادلته العنف دفاعاً عن النفس. وأجاز لها حرمانه من بعض حقوقه، كالجنس، إن منعها بعض حقوقها. مات رافضاً قهر المرأة "جسدياً أو اجتماعياً أو نفسياً أو تربويا".
فضلاً عن الفتاوى العامة، كان بمثابة أب روحي لقطاعات كاملة من الجنسين، شباباً وكهولاً. تروي الزميلة مهى زراقط في الأخبار اللبنانية واقعتين لهما دلالتهما. الأولى لصديقة كتبت له عن تجربة عاطفية فاشلة، فطلب هو لقاءها. بادرها قائلاً: "أنتِ شابة والمستقبل أمامكِ، الإنسان يتعلّم من الخطأ، والأهمّ ألاّ تستصعبي الأمر". شعرت أنه يحدّثها كوالد "هكذا كنت أراه، لم يخذلني وعاملني كابنته".
القصة الثانية ستصدم ملايين، عن شابّ متديّن، من دون تزمّت كمعظم مُقلّدي فضل الله. أحبّ فتاة أقامت علاقات جنسية من دون زواج، كان مقتنعاً بقراره لكنه أراد تشجيعاً من شخص يثق به، فلجأ لمرجعيته. حكي: "قال لي تزوّجها، ليس لأنك تحبّها فحسب، بل لأنها بدأت حياتها معك بالصدق، وكان يمكنها أن تكذب. عليك أن تحترم هذه الخطوة، وبموقفك هذا تحميها من الاستمرار في طريق لم تعد تريده لنفسها". إجابة صدمت الشاب، رغم أنه كان واثقاً بأنه سيخرج راضياً من مقابلته. ما صدمه أكثر قوله له: "آن لنا أن نخرج من الموروثات، ومن ربط الرجولة المرتبط بنقاط دم يراها الرجل ليلة زفافه. وكأنّ كبرياء الرجل الشرقي لا تتحقّق إلا بهذا الانتصار. هذه أمور نفسية علينا تخطّيها".
بالطبع كان فضل الله يحرم العلاقات الجنسية خارج الزواج، لكنها روح إسلام يفتح أبواب الرحمة حتى لمن يخرج عنه سلوكياً، ما دام صادقاً في توبته، أو.. من "كان منكم بلا خطيئة.. فليرجمها بحجر". روح ستجدها في أشياء تبدو صغيرة، لكن لها دلالتها، كرفضه، قبل عشرين عاماً، منع دخول الأطفال بشورت وفانلة كرة القدم للمسجد.. وترحيبه بهم رغم رفض رجال دين آخرين. أو أشياء "كبيرة"، تقوم الدنيا من أجلها، كما حدث قبل عامين، حين أعلن عن مسلسل كويتي يصور رجل دين شيعي بصورة سلبية، فلم يعترض، وتساءل: ألسنا بشراً.. نخطئ ونصيب.

***
"جيل بأكمله محسوب على الرجل"، يؤكد إبراهيم الأمين. وتحت عنوان "أبو مقاومة حزب الله" يُعيدنا الزميل حسين عليق إلى نهاية السبعينيات، كانت مجموعات إسلامية ناشطة تتمحور حول فضل الله. ومسجد الإمام الرضا، مصلاّه، محط رحال مجموعات أسّست لاحقاً "حزب الله". الآلاف يحتشدون لسماع خطبه المُحفزة على المشاركة في مقاومة الاجتياح الصهيوني عام 1982، ثم في انتفاضة إسقاط اتفاق 17 مايو للصلح مع إسرائيل. معظم من انضووا في صفوف الحزب كانوا من مريديه وتلامذته، أبرزهم نصرالله ونعيم قاسم وعماد مُغنية. صلّوا بإمامته، وحضروا دروسه الدينية، وتأثروا بآرائه السياسية. حين تأسس الحزب لم يكن بينهم أيّ رابط تنظيمي، لكنه كان كأبيهم.
بداية التسعينيات، اتجه الحزب أكثر فأكثر صوب المأسسة، تماماً كما مؤسسات فضل الله الخدمية. عام 1994، توفي المرجع الشيعي محمد علي الآراكي، فتصدّى فضل الله للمرجعية الدينية. حصل افتراق بينه وبين قطاع من جمهور الحزب، بسبب آرائه الدينية. وأصدر نصرالله قراراً بمنع المحازبين من التعرض له بالنقد، ولم ينقطع قادة الحزب عن دروسه أو صلاة الجمعة خلفه. ويوماً بعد آخر، عادت العلاقة بين الطرفين لتستقرّ عند ما قاله الأمين العام لحزب الله: "بيننا وبين سماحته وحدة رؤية ووحدة خطّ ووحدة أهداف". لم يترك فضل الله "أبناءه" يوماً. منحهم بركته في حركتهم المقاومة، وفي الداخل اللبناني.
مع تنويرية إسلام فضل الله، أصبح الإيمان، وفق طلال سلمان رئيس تحرير السفير، "لازمة للتحرر والتحرير. التحرر من الخرافة والبدعة، وتحرير الأرض والإرادة من أي قاهر بالقوة أو بالخديعة أو بشق صفوف المؤمنين بتقسيمهم مذاهب وشيعاً وعناصر". هو وحده الإسلام الذي يُفجر طاقات الأمة، وتخشاه أنظمة الغرب.

***
تنويرياً، لم يبن فضل الله على فراغ، فمن قبله كان آيات الله.. الإيرانيان شريعتي ومطهري، والعراقيان الأخوان الصدر، بمحاولتهما تجسير العلاقة بين التشيع والعروبة، وبين الإسلام عامة والعدالة الاجتماعية. لكن التشيع اللبناني شهد نقلات فارقة في النصف الأخير من القرن الماضي، مع موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين.. وفضل الله.
بينهم، كان فضل الله، وفق تعبير عباس ناصر "رجلا ظلمه اعتداله". لكنه حظي بدعم حزب له شعبيته الطاغية، رغم تكفير مرجعيات إيرانية وعراقية له، ورغم الاختلاف بينه وبين رؤوس الحزب.. حتى على "ثابت" شيعي كمرجعية الفقيه. قدم الحزب وحوزة النبعة نموذجاً لقبول الآخر، انعكس على كوادرهما المتداخلين، فكان طبيعياً أن يتقبلوا الآخر، وألا ينشغل "دماغهم" بالتوافه التي يريد الوهابيون وإخوانهم، شيعة وسنة، شغل المسلمين بها. ليتفرغ "الدماغ" لبناء مؤسسات تنقل شيعة لبنان من الطائفة الأفقر والأكثر تخلفاً اجتماعياً، إلى الطائفة الأقوى في دولة بناؤها طائفي. دماغ اقتنعت بما قاله لها فضل الله من أن الصراع مع إسرائيل "ليس يهوديا إسلاميا، لكن قضية سيطرة شعب على آخر"، وأن هزيمتها لن تتحقق بالدعاء فقط، بل بالتفوق عليها حضارياً وتكنولوجياً. فتبتكر عناصر الحزب شبكة اتصالات يعجز الغرب عن اختراقها.. بينما يخترقون هم شبكة اتصالات الصهاينة. دماغ تطور صواريخ تهدم أسطورة الدبابة الإسرائيلية ميركافا.. فتوقف دول عديدة صفقات شرائها. تبدع في أدائها الإعلامي، وفي إقامة بنية تحتية لقناة المنار، لتستمر في البث رغم تدمير مقرها الرئيسي، وتعجز كل تكنولوجيا الغرب عن تحديد مكانها. دماغ تفخر عناصرها المقاومة و"الملتزمة دينياً" بـ"بشريتها"، ليؤكد "مقاتل" على الحدود في ذروة عدوان يونيو 2006، لوكالة الأنباء الفرنسية أنه يدافع عن دينه وعن وطنه.. وعن منزل حبيبته. محمد طعيمة