بغداد... ذكرى الإمام والجسر أيضاً!

بقلم: رشيد الخيّون

على مدار السَّنة هناك وفيات وولادات مقدسات، والميل عادة إلى الاحتفاء بالوفاة أكثر منه بالولادة، بل إن تاريخنا أرخ بالوفاة لا بالولادة، فهي أكثر دقة على ما يبدو، لذا تراني قد أُرهق القارئ بذكر الوفيات، بحسبي أن الإشارة إلى الشخصية لا تكتمل من دون تحديد زمنها، إلى جانب ذلك تحيط بالوفيات حوادث، منها الحرب أو الاغتيال، فالقلة من ذوي السُّيوف (السُّلطة) في التاريخ العراقي ماتوا حتف أنوفهم.
وفيما يخص الشَّيعة الإمامية، فهم لا يرون الأئمة الاثني عشر إلا شهداء كافة، وهذا ما رواه المجلسي (ت 1699): "ما منَّا إلا مقتول شهيد" (بحار الأنوار). ومن هذا الكتاب ثبت في عقول العوام ما يستحيي من ذكره علماء المذهب، فغثه أكثر من سمينه، وهو من أهم فقهاء الفترة الصفوية. من بين المقتولين، حسب الروايات الرائجة، السيدة فاطمة الزهراء (ت 11 هـ)، وهي ليس متَّفق على تاريخ لوفاتها (أو قتلها)، ولما حاول المرجع اللبناني السيد محمد حسين فضل الله (ت 2010)، أن يزيل هذه الشُّبهة التي دخلت إلى التاريخ الشيعي وجذبت عواطف البسطاء، شُنت عليه حملة شعواء، والسَّبب أنه حاول تسفيه حكاية سيخسرها الكثيرون، فمنها المعاش ومنها الجمهور!
لا أدري كيف لم يلتفت المسؤولون، الذين يريدون بناء عراق مزدهر، إلى ما جاء في برنامج القناة "العراقية"، على اعتبار أنها القناة النَّاطقة باسم العراق والحكومة. حينها ظهر رجل يعتمر العِمامة البيضاء وقص قصة استشهاد الزَّهراء وسقوط جنينها المحسن. هذا المعمم حكى القصة وكأنه كان يقرأ من "بحار الأنوار" المذكور. إنه الماضي الذي يطاردنا، ويقتلنا أكثر ما قتل من أسلافنا.
لذا وضعت عنوان مقالتي "ذكرى الإمام وذكرى الجسر أيضاً"، فالحدث كان الأربعاء (25 رجب 1426 هـ)، وهو يعود الأربعاء اليوم، غرق أكثر من 1300 إنسان، أطبق عليهم ماء دجلة في لحظة واحدة. حينها لم يتحمل أحد المسؤولية بينما علت الأصوات عشيةً بالإعلان عن المناسبة تحشيداً للانتخابات، وكانوا يُريدونها زيارة مليونية، مثلما أصبح مصطلح الصلاة المليونية واسع الانتشار، ولا أرى في المليون، بعد زيادة عدد سكان الأرض، بالعدد الكبير، مثلما هو بالمال أيضاً، حتى غدا صاحب المليون ليس غنياً!
غرق الألف والثلاثمائة ولم يستقل وزير، ولم يتحمل رئيس تيار نتائج دعايته الانتخابية، وحينها اكتفت رئاسة الوزراء باعتبار الغرقى "شهداء الشعائر"، وعزت نيابة رئاسة الجمهورية المهدي المنتظر! وبدلاً من أن يأسف رئيس الوزراء آنذاك لما حدث، حولها إلى انتصار له، وهو اكتشاف عثمان الأعظمي، ذلك الشاب السُّني الذي أنقذ شخصاً أو شخصين فخارت قواه وغرق، وبالتالي فإن وزارته وراء تضحية عثمان (حديث لـ"الشرق الأوسط")!
ليس لدَّي تعليق على استغفال العقل العراقي؛ أن تُحَول المأساة إلى انتصار، وكم تُذكرنا تلك الانتصارات بالرقص فوق جثث الضحايا، ومحاولة تزييف المشاعر واللعب على الآلام. وقد مرت علينا أكاذيب من أم المعارك إلى أم الحواسم.
كنت قد كتبت عن الإمام الكاظم، وتُراث الكاظمية، وما خرَّجتْ من عمالقة الأدب والعلم والفن، وهي الجامعة بين وقار التَّدين وتقدم الحياة. وكم شهدتْ من مناسبات تحث على الوئام، كونها تُقابل تاريخياً الأعظمية، والاثنان مشرفتان على دجلة، وبينهما جسر، جسر الأئمة نسبة إلى الإمامين.
كان المشهد الكاظمي مقبرة لآل العباس، وأول دفين فيه هو جعفر بن المنصور (ت 150 هـ)، والد السيدة زبيدة (ت 216 هـ)، وهي وولدها الأمين (قُتل 198 هـ) دفنا في التَّربة نفسها. ومن الزَّمن العباسي المتأخر، تحول اسم المكان إلى موسى بن جعفر من اعتراض عباسي، عَمره الخلفاء العباسيون، وأن الوزير السلجوقي، الشافعي والأشعري، نظام المُلك (اغتيل 485 هـ)، طاف على المراقد كافة وعمرَ فيها وأبرزها الكاظمي.
ومثلما كان الخلاف والصراع بين أبناء العباس من الخلفاء والأمراء، كان أيضاً بين أبناء الإمام علي (اغتيل 40 هـ)، وأحدها دفع بموسى الكاظم (ت 183 هـ) إلى السَّجن، بعد أن كان ذا حظوة عند الرَّشيد (ت 196 هـ). ونأتي برواية لعلها تخفف الغضب على الرَّشيد، وبالتالي لا يُعمم هذا على شارع الرَّشيد ويستمر إهماله أو يُفكر البعض بتبديل اسمه، بينما زهو بغداد كان في عصره وولده المأمون (ت 218 هـ). ولعل الرِّواية تخفف أيضاً من إحضار المناسبة التي غرق بها ما يزيد على 1300 إنسان بعد اثني عشر قرناً ونصف القرن من حدوثها.
أتى أبو الفرج الأصفهاني (ت 356 هـ) على سبب سجن الإمام، بأن ابن أخيه إسماعيل أتى إلى بغداد وقابل الرشيد، وأبلغه أن الأموال تجبى إلى عمَّه موسى من المشرق والمغرب (مقاتل الطالبيين). قال: "يا أمير المؤمنين خليفتان في الأرض؛ موسى بن جعفر بالمدينة يجبى له الخراج، وأنت بالعراق يجبى لك الخراج..." (النوبختي، فرق الشيعة، حاشية السيد محمد صادق بحر العلوم). إلا أن المسعودي (ت 346 هـ)، يأتي بخبر إطلاق سراحه بأمر الخليفة، لما قال لرَّئيس شرطته: "أمض السَّاعة حتى تُطلق موسى بن جعفر، وأعطه ثلاثين ألف درهم، وقل له: إن أحببت المقام قِبلنا فلك عندي ما تحب، وإن أحببت الانصراف إلى المدينة فالإذن في ذلك إليك" (مروج الذَّهب).
لستُ مشككاً بمحنة الإمام، ولا معترضاً على الاحتفال بمناسبته، لكني أحاول جعل الاحتفالات بلا نبش للضغائن، وهذا أقرب إلى روح الإمام وآبائه وأولاده، فالذين تقدموا بالرِّوايات المخففة للاحتقان كلهم من مؤرخي الشِّيعة ومثقفيهم، وقد تناولوا الحدث بهذا الاختلاف، فهل يصح أن نبعث مناسبات لم تكن من أصالة المذهب أو ثوابته، وغرفت من كتب شبيهة بــ"بحار الأنوار"، وفيها ما فيها من الكراهية الطائفية على أساس الماضي، وتبعث بهذه القوة، بالإعلان عنها قبل أسابيع، وتسخر لها وسائل الإعلام، وتُعطل الدَّوائر.
أقول: ليس في هذا ما ينفع العراق، ولا يزيد من قدر الإمام موسى بن جعفر. وسمعت من مدراء مدارس ومدرسين أن كثرة المناسبات أثّرت سلباً على مستوى التعليم، من الابتدائية وحتى الجامعة، ناهيك عن تعطيل المصالح الأُخر، فإذا أردتم بناء دولة حاضنة للجميع فهذا ليس طريقاً. رحم الله الإمام، ورحم غرقى الجسر، وعفا الله عمَّن تسبب في الكارثة، وما زال يتسبب في تجهيل النَّاس. رشيد الخيون