هنيئا لأهل القاهرة أذانهم الموحد

بقلم: مهدي بندق
عسى أن تنكشف الغمة عن بصيرة الأمة

في الخمسينيات علمني الموسيقار السكندري محمود درويش، عزف العود وقراءة النوتة الموسيقية، ومنه عرفت أن فايزة أحمد تغني "أنا قلبي إليك ميال" من مقام الرست، وأن لعبد الوهاب مقطوعة من مقام النهاوند هي "ليالي القاهرة"، وأن فريد يشدو داخل "أغنية" الربيع بموال من مقام "الصبا".
ومن ثمة تعلمتُ كيف أرفع أذان الفجر بمئذنة مسجد حارتنا بحي بحري، ولم يكن للميكروفون وجود في ذلك الوقت، فكان الناس يستحسنون أدائي، وكان مثلي الأعلى بلال مؤذن الرسول.
عدنا من الجهاد الأصغر (الحرب) إلى الجهاد الأكبر، فما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: جهاد النفس. بلال كان يجاهد نفسه ليصعد المئذنة - عذبَ الصوت شجيّ الأداء - خمساً كل يوم، ولأجل هذا اختاره الرسول الكريم مؤذناً.
لكن أناساً كثراً ظهروا في بلادنا بداية من السبعينيات، متأثرين بشكلانية نفطية وافدة، يستخدمون الدين لا يخدمونه، فهم يصرون على "إطلاق" الأذان ولو كانوا من ذوي الأصوات النشاز المنفرة، والأسوأ أن ترى غالبيتهم من الجاهلين، بقواعد اللغة العربية، وكم وددت لو أنني صرخت في المارة: كيف تسكتون على من يهتف قائلاً "الله أكبرا"؟!
ولقد كنت حرياً بأن أفعلها لولا خشية مرتعبة في أعماقي من أن يردوا علىّ قائلين: وأين الخطأ في هذا يا هذا؟ نعم ألم يستقر في ضميرنا الثقافي أن "النصب" في اللغة هو الأجدر بالشيوع انعكاساً للنصب الاقتصادي والسياسي والفني والأدبي المنتشر في حياتنا البائسة الذليلة؟
ما من شك في أن كل المؤذنين بغير استثناء إنما يؤثرون راحة أجسامهم على ثواب مجاهدتها، إذ يستنكفون صعود المآذن العالية. ولماذا الصعود وقد كفاهم مشقته هذا الاختراعُ الغربي البشع "الميكروفون" الذي ينتفض لهديره الرضعُ والمرضى والمسنون؟! فما بالك به لو كان مصحوباً في شارع واحد بميكروفونات تتنافس جميعاً على لقب "بطل الترويع القومي"؟!
والحصاد الأخير لهذا النبت غير الطيب يؤكد أن معظم الناس أصيبوا بخلل في أجهزتهم السمعية، بل وأمسى بعضهم صماً بالفعل، ومن ظل منهم "سميعاً" تقلب بين العصاب النفسي وبين التبلد، فهل كانت هذه غاية نبي الإسلام الذي ما أرسل إلا رحمة ً للعالمين؟
اليوم وبعد قرار وزارة الأوقاف المصرية بتوحيد الأذان تعود لسماء بلادنا الأصواتُ العذبة المثقفة: محمد رفعت، عبدالباسط عبدالصمد، الشعشاعي، النقشبندي .. الخ فهنيئاً لأهل القاهرة بهذه النعمة القادمة مع شهر رمضان الكريم، والعقبى للإسكندرية، وسائر مدن وقرى المحروسة .. وعسى أن تنكشف الغمة عن بصيرة الأمة. مهدي بندق – رئيس تحرير مجلة تحديات ثقافية tahadyat_thakafya@yahoo.com