رسالة ثورة الكهرباء: ارموا مغانمكم خلفكم.. والتفتوا للشعب

بقلم: محمد الياسري

يدرك من يتصدى للعمل السياسي دونما مبالغة أو تجني ان الشعب هو مصدر القوة والالهام وهو المغذي لكل وسائل ديمومة هذا العمل وبدونه " أي الشعب" لا يمكن للدولة بحكامها ووزارئها ان تستمر وان تنهض وتتطور.
والشعب كما هو معروف عبر التاريخ هو مصدر السلطات وهو الارض الخصبة التي من رحمها يولد القادة، والشعب هو من يحدد مسار هذا الحزب او تلك الكتلة يرفعها تارة ويسقطها في مزابل التاريخ تارة اخرى، وهذا الشعب قد يتحمل، يصبر، ينام على الضيم اياماً وليالِ لكنه لا يستكين ولا يرضخ.
وضعت هذه السطور والعراق يعيش خلال الايام الفائتة ما اطلق عليه "ثورة الكهرباء"، ورغم أن الكثير من الخفايا مستورة تحت عباءة تظاهرات المواطنين المطالبة بتحسين انتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية والخدمات، الا ان الحقيقة التي لا احد يمكن اغفالها ان صبر المواطن البسيط قد نفذ من مواعيد امتدت من حقبة النظام الفائت حتى هذه اللحظة وهو يتلظى بنار الحرمان والعدم.
والحقيقة المرّة التي يعرفها أو لا يعرفها البعض أن تحسين الطاقة الكهربائية والخدمات الاخرى غير مرهون بدولة رئيس الوزراء الحالي او السابق أو حتى اللاحق، ولا بوزير مهني له خبرات في مجال عمله رغم كثرة وعوده وضعف ادارته لمفاصل وزارته، ككريم وحيد او اي وزير آخر سيأتي ليتسلم التركة الثقيلة من المشاكل التي تعاني منها الوزارة، وقد يستغرب البعض هذا ويقول انه لولا فشل رئيس الوزراء او الوزير المعني لما بقي الحال عما عليه وهو قد يكون محق بأطلاعه على ظواهر الأمور لكن المخفيات كثيرات ولن تنتهي باستقالة هذا الوزير او محاكمته او طرده.
كان سقف الامنيات والاحلام والتمنيات لدى العراقي بعد سقوط الصنم كبيراً والجميع لديه الأمل بتحقيق هذا السقف وربما فوقه امنيات اخرى، لم لا والجميع ينظر للقادمين والمتصدين للعملية السياسية الجديدة في العراق بمعاونة الامريكان على انهم منقذين وسوف يرسموا افقاً جديداً لأحلام وأدتها الحروب على مدى 35 عاماً، فما الذي حدث؟
كل من ركب قطار السياسة الجديدة والديمقراطية "المزوقة" التفت لنفسه كيف تكبر ثروته، منصبه، سلطاته، أعداد الجند التي تركض خلفه لتحميه من اهله وناسه، جموع الماسحين للظهور والمنافقين، فبدأت موجة الصراع على المناصب والمغانم فضاع الشعب بين الاقدام وكانت دورة الموت له بمسميات مختلفة تنظيم القاعدة، المليشيات المسلحة، بقايا البعث، الشركات الأمنية، وهكذا نسى الشعب سقف مطالبه الرفيعة واكتفى بالتوسل لساسته لحقن دمه وحفظ حياته وحياة عائلته وليفعل الساسة ما يفعلون، وكانت ورقة الضغط الشعبي الكبير على الحكومات العراقية من 2003 ولغاية 2008 هو ايقاف انهار الدم العراقي وبسط الامن وبقية الامور تأتي لاحقاً.
نسى الشعب او بالاحرى جعلوه ينسى سقف امنياته امام امنية الحفاظ على عمره واهله وبيته وهكذا عاش السياسيون بحبوحة تقاسم المغانم، انت لك هذه الوزارة وأنا لي تلك واصبح الوزراء والوكلاء والمدراء والسفراء وحتى القضاة وصولا للجيش والشرطة والوظائف البسيطة يقسم بحصص كل حزب ونفوذه، واصبحت ساحة البرلمان (أمام المواطن البسيط) ليست الا للنزاع والصراخ وتعطيل مصالح الناس، وخارج قبة البرلمان تجمعهم الولائم والعزائم، وأصبحت مقرات بعض الأحزاب مرتعاً لكثير من أزلام النظام السابق وأضحى شعراء صدام ناطقين اعلاميين لبعض السياسيين ومستشارين اعلاميين في الوزارات ومن يمتلك الكفاءة والقدرة والشهادة الحقيقية (ليست شهادة سوق مريدي المزورة) خارج اسوار بناء البلد.
حقيقة لا اريد أن أطيل بحقائق يعرفها الناس على اختلاف مشاربهم لكنني اسهبت هذه الامور لأوكد ان من يتصدى للمشهد السياسي في العراق الان سيعمل اليوم للاستفادة من عفوية مظاهرات العراقيين وسيجيرها البعض على انها نشاط من انشطته ويعمل على التصيد في الماء العكر لأن المهم هو اسقاط بعضهم البعض وليس خدمة الشعب.
وسنرى خلال الفترة المقبلة استقرار معين للكهرباء لكن ستولد أزمة جديدة يذهب الشعب ضحيتها بحيث أن الذي تظاهر مطالباً اليوم بالكهرباء سيقول غداً "لا نريد كهرباء ولا أي شيء بس خلصونا"، لانه للاسف اذا الشعب استقر ونال نصف سقف امنياته من خدمات وأمن ومستوى معيشي جيد لن يسكت عن هؤلاء الساسة ويحاسبهم الحساب العسير، لهذه يلعب هؤلاء الساسة (بعلم او بدون علم) لعبة صدام التي قضى سنوات يطبقها على العراقيين وهي سياسة الالهاء، حرب، جيش القدس، يوم الزحف، يوم النداء، الاستفتاء وهكذا حتى ولى غير مأسوف عليه.
نصيحتي لساستنا الجدد وفيهم الكثيرون ممن ضحى وسيضحي خدمة للعراقي البسيط، عليكم أن تدركوا جيداً أن تظاهرات الكهرباء لم تكن الا الخطوة الأولى والصغيرة في الدرب الطويل الذي بدأ العراقيون يتلمسوه، حيث أن حياتهم وأمنهم واستقرارهم ورفاهيتهم هي بالنسبة لهم أهم من كل رجالات الدولة، فلم لا تبدأوا صفحة جديدة ترموا المحاصصات والمغانم والكراسي خلف ظهوركم وتجعلوا العراقيين نصب عيونكم لانكم بدونهم لن تستمروا طويلاً.
ارفعوا شعار وطبقوه فعلاً: العراقيون أولاً وخدمتهم شرف وواجب، ثم التفتوا لانفسكم بعدما يشبع ويهنأ هذا الشعب المظلوم. محمد الياسري mo_yasiree@yahoo.com