قصة حديقة الحيوان: الوحدة والألم في إيقاع مسرحي

دمشق
فراغ..صمت..اختناق

منذ لحظة دخولنا إلى خشبة القاعة المتعددة الاستعمالات في دار الأسد للثقافة والفنون، ورؤيتنا للديكور البسيط القائم على هذه الخشبة، تتبادر إلى أذهاننا مفردات كثيرة مثل الوحدة، الألم، الفراغ، الصمت، الاختناق.. والعرض الذي قدّم يحكي عنها جميعها ويجسدها عبر شخصيتين معزولتين "فادي وصلاح" ضمن فضاءٍ واسع.

إنه عرض "قصة حديقة الحيوان" المأخوذ عن مسرحية الكاتب الأمريكي إدوارد ألبي، والذي قام بإعدادها الدراماتورجي وائل قدور وعبد الله الكفري، ليهاجر النص عبره من نيويورك عام 1959 إلى دمشق الآن وهنا.

ففادي الذي أدى دوره المخرج رأفت الزاقوت يعبر عن شريحة المتألمين من العزلة الاجتماعية التي باتت سائدة نوعاً ما، ولكن بمعنى انشغال الفرد بهمومه فقط دون النظر إلى الآخر أو إلى الجماعة.. وهذا الوضع أفرزته طبيعة الحياة الاقتصادية حيث السعي الدائم والمهلك وراء كسب الرزق وتأمين حياة معيشية تليق بإنسان متطلباته محصورة ضمن الحدود الدنيا.

وأما شخصية صلاح التي أداها الممثل زهير العمر فقد بدت من خلال جلوسه على مقعد الحديقة وحيداً صامتاً مرتدياً ملابس رتيبة، شخصيةً مملة قانعة بكل ما حولها وراضخة بكل تفاصيلها للواقع الممل والمأساوي.

ومن البداية عندما بدأ فادي بفتح حديثٍ مع صلاح حول الأماكن والاتجاهات في مدينة دمشق شعر الجمهور بحالة الضياع والتشتت والبعد الروحي والاجتماعي عند الشخصيتين وبالتالي عند المدينة ككل.. وما يلبث أن ينتهي صلاح من إجاباته المتوترة والحائرة والخجلة حتى يفاجئه فادي بكلامه عن الأمر العجيب الذي فعله في "حديقة الحيوان" والذي سيذاع لاحقاً في الصحف وشاشات التلفاز مما شد انتباه صلاح والمشاهدين أيضاً وأجبرهم على الاستماع إلى ذكريات فادي المؤلمة والمريرة والبعيدة كل البعد عن قصة حديقة الحيوان التي ما كانت إلا سبباً أو حجة لفتح حديث بين غريبين يحملان هموم مختلفة ومتفاقمة في الوقت نفسه.

ولكن هل يمكن لأي شخص أن يتوقع أن حواراً بين شخصين غريبين في حديقة عامة قد يؤدي إلى قتل أحدهما على يد الآخر؟ هذا هو السؤال الشائك الذي يطرحه النص ليقدم الإجابة عنه بطريقة مشتتة، تكمن مهمة المشاهد في لملمتها..

ويقول مخرج العرض رأفت الزاقوت "حالة فادي حالة خاصة جداً ويمكن أن تتواجد في المجتمع السوري وخصوصاً في الطبقة الوسطى. أهمية هذه الشخصية وجود أجزاء منها في كل منا. إذ لدينا تلك النزعة المتمثلة برفض الشيء القائم بأساسه. أعتقد أن حضور شخصية فادي في المجتمع السوري هو أمر راهن حيث أن المدينة وتسارعها وانقطاع العلاقات الإنسانية العميقة والدافئة تطحن الإنسان من الداخل وتحوله إلى مجرد شكل مفرغ من كل شيء".

ويضيف "في حالة فادي ليس هناك حب، لقد فقد شعوره بالحياة واستبدله بشعور الغضب والقرف مما يحدث حوله، وهنا حاول أن يثور على الحياة وعلى وجوده فيها، ومن هنا تتجلى الصرخة في هذا النص الاستثنائي".

ويتحدث نص العرض عن شخصيات سورية معاصرة بهمومها وحياتها، وهي تقريباً من الطبقة الوسطى أو ما دونها، وهي إنسانية لدرجة الاعتناء بأدق التفاصيل، لكنها موضوعة ضمن ظروف لا إنسانية تدفع مع مرور الوقت الإنسان نحو العشوائية والأنانية أيضاً. وبالتالي فعل أي شيء تتطلبه غريزة البقاء أو حتى أية غريزة أخرى..

ولا يحاول العرض بثّ أو نشر الاكتئاب في نفوس مشاهديه، لكنه يحاول تحذيرهم من مرحلة قادمة وخطيرة جداً بالنسبة للمجتمع كله، وهي تشبه إلى حدٍ كبير المرحلة التي جاءت بعد كتابة إدوارد ألبي للنص في ذلك الوقت.

ويؤكد الدراماتورج عبد الله الكفري أن النص معد عن شخصيات تنتمي إلى المجتمع السوري و"هو يحاكي النص الأصلي ليستشرف مرحلة جديدة مقبلين عليها. قد يبدو من غير المعقول أن يقتل أحد شخص ما من أجل مقعد. إلا أن الأمر لا يتعلق بالمقعد فقط".

ويضيف "إنه يتعلق بأفراد يميلون غلى الأنانية والكسل، ومن المفروض أن يكون لديهم اختلاف وتمايز، لكن هذا الاختلاف يصبح عبء عليهم فيتخلصوا منه ليعيشوا حياة راكدة يمكن تلخيصها كالتالي: أدرس.أتخرج.أعمل. أتزوج. أنجب أولاد. وفي الساعة الرابعة بعد الظهر من يوم الجمعة أذهب للقراءة في الحديقة العامة".