'تكية المولوية' المحاصرة ببحر من الزبالة القاهرية

بقلم: د. حمدي الجابري
ترميم الحجر لا يمكن أن ينجح بدون وعي البشر

تشكل الآثار أحد أهم معالم مصر السياحية التي تدر دخلا للخزانة العامة ربما يزيد عن قناة السويس، كما أنها أحد أسباب احترام العالم لهذا البلد العريق وشعبه العظيم الذي أنجز كل هذا العمران في وقت كان الإنسان الأوروبى لا يزال بدائيا يعيش على الأشجار، كما قال لي وللوفد المرافق رئيس مدينة نمساوية منذ سنوات، وهو ما جعلنا نشعر بالفخر لأننا أحفاد هؤلاء الأجداد العظام. ولكن بعض الأحفاد لا يدرك قيمة الثروة التي تركها لهم الأجداد فعاثوا فيها فسادا.
والغريب أن تقف الدولة عاجزة عن حماية الآثار من عبث الأحفاد وجهل بعضهم فتحترق المسافر خانة وتصبح مثلا أجزاء من القلعة وباب العزب خرابات، ولا يهتم من يحتل الآثار من أصحاب المصانع والتجار بإزالة مخلفاته، فتتحول إلى مقالب زبالة، ومنها "تكية المولوية" التي ذكر علي باشا مبارك في كتابه "الخطط التوفيقية" أنها بشارع السيوفية بين حدرة البقر والبندقدارية ويعمل بها حضرة كل جمعة، ويجتمع فيها جملة من حريم الأمراء والأعيان، وإيرادها سنويا سبعون ألفا ومائتان وسبعة وستون قرشا وثلاثون نصف فضة، منه مرتب الرزمامجة وايجار أطيان، أي أنها كانت مكانا محترما يقصده "حريم الأمراء والأعيان"، وله إيراد ويصرف على تلاميذه من الدراويش المعروفين بالمولوية.
وفور تولي فاروق حسني وزارة الثقافة المصرية، وكنت وقتها رئيسا للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، أخذني سنة 1987 لزيارة تكية المولوية التي كان يحلم أن تعود كما كانت مركزا ثقافيا عامرا بالموسيقى والرقص الصوفي، ويومها التف حول الوزير الشاب بعض أهل الحي والأطفال الذين لم تمنعهم رقة حالهم من الترحيب بالوزير الأنيق الذي أوقف حراسه عن إبعادهم باشارة من يده، وأصبح اللقاء حميميا شرح خلاله الوزير لهم أهمية المكان وضرورة الحفاظ عليه بعد ترميمه، مؤكدا أنه كنز يمكن أن يدر ذهبا يستفيدون منه. وبالفعل ذلّل الوزير العقبات التي كانت تواجه بعثة الترميم الإيطالية برئاسة فانوفوني منذ عشر سنوات، وأكد لي الدكتور حجاجي إبراهيم أن الزيارة كان لها فعل السحر، ورغم ذلك انتهى العمل سنة 2002 أي بعد أكثر من عشر سنوات أخرى بكثير!
ومنذ عدة أسابيع، طلب صديقي الدكتور يوسف الرشيد العميد الأسبق لمعهد الموسيقى الكويتي زيارة المكان الوحيد الباقي من العصور الوسطى للموسيقى والرقص الصوفي "تكية المولوية"، ولم نستطع الوصول إلى التكية بالقلعة من وسط البلد بسبب زحام شارع محمد علي أو من السيدة زينب بسبب فوضى الشارع فالمكان محاصر تماما، لذلك قمنا بزيارة السيدة نفيسة ومشينا إلى التكية، فهي في نهاية الشارع بعد الصليبة، وكانت فرصة عظيمة لأشرح لضيفي الكنوز الأثرية على الصفين رغم أنها مهملة تماما مثل الشارع وسكانه الذين سقطوا من حسابات محافظة القاهرة، وبعد أن وصلنا إلى التكية بصعوبة بالغة خفف من عذاباتنا أن التكية نفسها، بعد ترميمها الذي لم يكتمل، قد أصبحت بالفعل تحفة تشهد بعظمة الأجداد، رغم وجودها وسط بحر من "الزبالة" في الشوارع، ورغم أنها محاطة بنهر من مياه المجاري وفرن لم ينجح أحد في تحرير الأثر منه، وورش نجارة تملأ مخلفاتها المكان، بينما أهل المكان والأطفال قد ازدادوا فقرا وعريا يصطف معظمهم أمام "كشك عيش" في انتظار الحصول على بعض الأرغفة!
الحقيقة الأكيدة هي أن ترميم الحجر لا يمكن أن ينجح بدون وعي البشر، والبشر هنا هم أهل الحي ولن يتحقق لهم أي وعي بقيمة الأثر ما دامت محافظة القاهرة نفسها قد تركته فريسة للزبالة ومياه المجاري والفوضى لأن القيادات نفسها ينقصها الوعي الأثري، بجانب سوء الحظ الملازم للأثر الثابت الذي لا يمكن نقله في رحلة إلى أميركا وأوروبا يستفيد منها ماديا وإعلاميا كثير من المسئولين والمرافقين.
ويبقى الأمل ليكتمل ويتحقق حلم فاروق حسني أن تهتم "جملة من حريم الأمراء والأعيان"، وما أكثرهن في زماننا، ويقررن عقد اجتماع أسبوعي لهن في "تكية المولوية" نسميه في زماننا هذا حفلا إسبوعيا للموسيقى والرقص الصوفي، أو نضع "التكية" في جدول زيارة أوباما أو أي رئيس عربي أو أجنبي، ووقتها سيجد محافظ القاهرة والدكتور زاهي حواس ألف سبب وسبب للإهتمام بـ "تكية المولوية" الكائنة بشارع السيوفية فيتم إنقاذها وحي الخليفة كله وأهلنا هناك وأيضا حلم الوزير، من كل أشكال الفقر والتخلف والمرض .. الأثري! د. حمدي الجابري