هوية الإعلام العربي في خطر، ابحث عن البرامج المستوردة!

دمشق
عصر الدبلجة والاستنساخ

باتت ظاهرة البرامج والمسلسلات المستوردة تغزو الفضائيات العربية وتلقى إقبالا كبيرا من قبل الجمهور العربي، وهو ما يعتبره البعض "كارثة" تحل على الإعلام العربية محذرين من أن تردي محتوى الأخير سيفتح الباب على مصراعيه أمام المنتجات المستوردة سواء بنسخة الأصلية (المدبلجة) أو المقلدة.

وربما لا يغيب عن نظر المشاهد العربي بعض البرامج المستنسخة مثل "من سيربح المليون" و"سوبر ستار" و"ستار أكاديمي"، فضلا عن الدراما التركية والمكسيكية المدبلجة وغيرها.

وإن كان البعض يجد في بعض 'المنتجات الإعلامية' السابقة مكسبا للإعلام العربي، فإن الآخرين يرون أن أغلبها يشكل خطرا كبيرا على محتوى الإعلام العربي وهويته التي باتت ملتبسة على البعض في عصر "الدبلجة" و"الاستنساخ".

ويتساءل رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري أسامة الشيخ عن خصوصية محتوى الإعلام العربي المحلي، والصعوبات والتحديات التي تواجهه و"ماذا عن المحلية؟ وهل هي محلية اللغة أم الجغرافيا؟ أم الهموم الإنسانية والثقافية المشتركة"؟
ويضيف لصحيفة "الخليج" الإماراتية "ليست مع قَصر المحلية على من ينطق بالعربية فقط، سواء بالترجمة أو الدوبلاج"، مشيراً إلى أن المنتجين العرب يواجهون تحدياً ومشكلة كبيرة، في ظل العولمة الآتية بمفاهيم وثقافات وتقنيات وإبهار واحترافية.

ويضيف "إذا لم نواكب كل ذلك بما هو عربي قادر على المنافسة والاستمرار على الساحة الإعلامية، فنحن بذلك نسلم الوجدان العربي لمن لا يحمل ثقافة المنطقة العربية".

ويشير الشيخ إلى أن مرحلة الكم انتهت، و"لا يصح أن نكون فخورين بوجود 600 قناة فضائية على الأقمار العربية، لأن المحتوى العربي ضعيف ومتكرر ومتخلف وسلطوي، ويفتح مجالاً للمحتوى القادم من الخارج".

ويشدد رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري على ضرورة الانتقال إلى مرحلة الجودة، التي لن تأتي إلا بالكوادر المتدربة والواعية لطبيعة وخصوصية المتلقي من المنطقة العربية.

ويرى أن ضعف الإعلام العربي راجع لضعف التسويق الذي يؤدي إلى ما وصفه بالتشرذم والإنتاج الضعيف والاختيارات غير الصحيحة.

ويؤكد الشيخ أن سبل الخلاص من تلك الهيمنة الإعلانية على المحتوى الإعلامي العربي يتمثل بـ"الإنتاج المشترك، ليس بصيغ توافقية حكومية ولكن بصيغ تلاقي المصالح والإيرادات".

ويشير إلى أن مصر بدأت بالفعل في تلك التجربة "حيث تم الاتفاق على إنتاج وتسويق مشترك لعدد من الأعمال مع بعض الشبكات التلفزيونية العربية، إضافة إلى أن هناك أعمالاً روائية درامية عربية تشترك فيها بريطانيا لروائيين عرب".

ويعيد التلفزيون المصري تزامناً مع الاحتفال بمرور 50 عاماً على إنشائه إطلاق 6 قنوات مصرية فضائية إقليمية تهتم بخصوصية كل إقليم على حدة حفاظاً على الفكر الإقليمي لكل منطقة.

ويؤكد الشيخ أن التلفزيون المصري يستعد لإطلاق فضائية تحمل اسم "التلفزيون العربي" لمدة عام تحكي تاريخ مصر منذ عام 1960 حتى الآن، مشيرا إلى استمرار العمل على توثيق التراث الدرامي المصري "الذي بلغ حتى الآن مليون شريط".

ويرى الباحث الإعلامي السعودي الدكتور سيف الإسلام بن سعود بن عبد العزيز أن المحتوى الإعلامي العربي يعاني الكثير من المشكلات الإنتاجية التي تضطره إلى الانحراف عن مساره وعدم مناقشة قضايا تهم الشارع العربي، و"تدفعه للاستسهال واستيراد محتوى أجنبي يروج لقيم غربية عن ثقافتنا، ويهدر الكثير من الطاقات والأفكار والعقول العربية".

ويضيف "التلفزيون المحلي أمام مشكلة، تتمثل في كيفية الاستمرار في الإرسال لساعات طويلة في بث محتوى جيد يلمس هموم الناس".

وعن سبل مواجهة تحدي ضعف الدعم الحكومي للمحتوى المحلي يقول بن عبد العزيز "يجب أن تدمج شركات غير قادرة على الإنتاج، حتى تتمكن من الوقوف ضد هذا الغول الإعلامي القادم من الخارج غير العابئ بقيم وثقافة عروبتنا. كما يجب وضع خطط مستقبلية لإنشاء شركات قابضة، تتمكن من مناقشة محتوى الإعلام العربي وقضاياه بمنظور قومي".

ويقول أديب خير صاحب لشركة "سامة" للإنتاج الفني في سوريا إن المحتوى الإعلامي العربي "عمل ترفيهي ممتع يطرح موضوعات إنسانية واجتماعية يصدقها العقل".

ويشير إلى أن الدراما التلفزيونية "جزء فني لا بد أن تحوي أهدافاً ترغب في توصيلها للمشاهد، وهو ما يضعنا كإعلاميين أمام مسؤولية كبرى لتحديد ما نقدمه للناس، لكن في الوقت نفسه يجب أن يأخذ المحتوى العربي للإعلام أحدث التقنيات وتكنولوجيا الإنتاج، حتى يمكنه مسايرة المحتوى المستورد في الشكل، ومن ثم وضع الرسالة في قالب ممتع وجذاب يجذب المتلقي لمتابعته".

ويؤكد أديب على الحاجة إلى محتوى إعلامي عربي متغير ارتقائياً يطلب التغيير ويمارسه "كما أننا بحاجة إلى دراما تلفزيونية تقارب عقل المشاهد ومداركه"، لافتاً إلى أن توقف الدراما العربية عن التطور فتح الباب أمام الدراما الأجنبية المدبلجة.

وينفي أن يكون للأعمال الدرامية المستوردة أي أثر على نظيرتها المحلية (إنتاجياً وثقافياً)، أو أنها تروج لمفاهيم غريبة عن المنطقة العربية.

ويضيف "المحتوى المحلي محمي ولا يمكن لأحد طمسه، فلو تخيلنا أن هناك ثلاثة أشخاص ينتمون إلى أكثر من بلد، فتعبيرهم عن الألم واحد رغم أن طريقة العلاج قد تختلف، وهو ما يعطي المنتج حلولاً في تناول القضية ذاتها بأكثر من زاوية".

ويقول محمد حارب مخرج ومؤلف مسلسل "فريج" الكرتوني إن المحتوى العربي أصبح تحت رحمة المعلنين والرعاة، مشيراً إلى أن المنتجين والمبدعين العرب قدموا أعمالاً جيدة لم تجد فرصها الإنتاجية لترى النور.

ويؤكد أن مسلسل "فريج" رغم حداثة عهده، إلا أنه يضاهي المسلسلات الأجنبية الكرتونية في التقنيات والإخراج.

ويضيف مؤلف ومخرج أول مسلسل كرتوني إماراتي ثلاثي الأبعاد أن تجربة "فريج" أثبتت أن ما يريد الناس مشاهدته مختلف تماماً عن ما يصر المعلنون على بثه عبر الشاشة.

ويقول عبد المحسن البناي المدير التنفيذي لمؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون الخليجي إن الشراكة العربية قد يكون لها تأثيرها على إنتاج محتوى إعلامي عربي جيد بعيداً عن هيمنة الرعاة والمعلنين.

ويشير إلى أن مؤسسة الإنتاج الخليجي المشترك بدأت ببرنامج "افتح ياسمسم" لتعريف الأطفال بأهمية اللغة العربية، ثم برنامج "سلامتك" الذي كان تحت إشراف وزراء الصحة بمجلس التعاون الخليجي وبرنامج "قف" بدعم من وزراء الداخلية العرب.

ويشير البناي إلى أن ميزة الشراكة العربية تكمن في تقليل التكلفة وتسهيل الدعم اللوجيستي وتوفير أماكن التصوير ونقل المعدات وغيرها "كما تمكن الشراكة الدول فيما بينها من إزالة الإجراءات البيروقراطية للتسويق والتوزيع".