المونديال في أعْين العرب

بقلم: محمد أبو عبيد

كي لا يُفهم مقالي على غير مقصده، فبضربة توضيحية استباقية أشير إلى أنني لا أقلل البتة من حجم هذا الحدث الكروي العالمي الذي ربما لا ينافسه أي حدث آخر حيث يستحيل التقليل. ولست في صدد نفث عقد الإحباط في صدور العرب المحبَطين أصلاً، فللعرب الحق، كما الآخرون، في أن يلبثوا شهراً، أو بعض شهر، أمام الشاشات لمتابعة المنازلات الكروية بكل ما تحملها من إثارة وحتى تعطيل لبعض الأعمال . فالمقصد هو قراءة قد تندرج في أطار التحليل "السيكولوجي" للأسباب التي تجعل من العرب مشجعين أشداء لمنتَخبات غير عربية،فيكونون أشدّ في تشجيعهم من مواطني تلك المنتخبات أنفسهم أحيانا، ولعل ذلك جليّ في الشوارع والشرفات وعلى أسطح المنازل في الأصقاع العربية، أو حتى في تطور الأمر إلى مناكفات بين المشجعين العرب إذا التأم شملهم في مكان واحد لممارسة طقوس "المونديال".
ذلك ناجم عن حالة الهزائم التي تضربنا بلا رحمة على صعد شتى، فالعرب المهزومون عسكرياً، وتطوراً وتنموياً ووعياً وحراكاً تضامنياً، هم مهزومون أيضاً رياضياً، إذ يكادون لا يُذكَرون في المحافل الرياضية الدولية إلا ما ندر، تماماً كما هي حالنا مع السينما العالمية . ولا يمكن اعتبار وصول المنتخب الجزائري إلى "مونديال" 2010 بمثابة الإنجاز الكبير مقارنة بأحوال الفرق التي تستحق أن يغني ويطبل لها مواطنوها ستة ليال وسبعة أيام .
إن صورة العرب مع "المونديال" لا يمكن سلخها عن ألبوم كامل يحمل صور الهزائم، فعندما يصبح العربي برازيلياً أكثر من البرازيلي نفسه خلال منازلة فريق ذاك البلد، وتشجيعه الصاخب غير آبهٍ بإمكانية تعرضه لسكتة قلبية، فذلك لا يختلف عن صيرورة بعض العرب أتراكاً أكثر من العثمانيين أنفسهم حين قادوا أسطول الحرية نحو غزة المحاصرة، ولعل السبب في غير عوز لتفسير هذه الحالة السيكولوجية والسلوكية وهو كامن في عجز القيادات العربية على اتخاذ مبادرة لتجهيز الفُلْك المشحون كي تمخر عباب المتوسط صوب غزة، فوجد المحبطون،بصيغة المفعول، في الأتراك ملاذاً يفرغون فيه شحناتهم العاطفية.

وعندما يتخذ العربي من نفسه جزءاً من العبقرية الرياضية الأرجنتينية، وتصبح روحانياته أرجنتينية، فذلك مثل شقيقه الذي يتخذ من الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز قائدا له حين منازلة الرئيس الاعلامية مع إسرائيل، فيصبح شافيز ونجاد توأمين في نظره رغم اختلافهما العقائدي، نظرا لإحباطه من الحالة العربية الراهنة تجاه فظائع إسرائيل. وحين تشجع الفتاة العربية المنتخب الإيطالي ليس لأدائه بقدْر وسامة لاعبيه، فذلك لا ينشق عن افتتانها بمهند التركي أو جورج كلوني العالمي بسبب إحباطها، ربما، من الشاب العربي .
إن حالة الهزائم التي كلنا في همها شرقٌ، هي التي جعلت العربي يتخذ لنفسه "طوطما" غير عربي يشجعه، وهذا "الطوطم" يكون قائداً سياسياً، أو فناناً من كل صنوف الفن، أو لاعباً رياضياً أو منتخباً كرويا بأكمله، فحالة العرب مع "المونديال" هي حالة التعويض عن انعدام القدرة العربية لتصبح "طوطما" يشجعة البرازيلي والأرجنتيني والألماني كما يفعل العربي مع هؤلاء. إنها حالة اليتيم الذي يبحث عن كافله. محمد أبو عبيد mohammad.abuobeid@mbc.net