أفكار الكنيسة .. هل هي أفكار الرب يسوع أم القيادات؟

بقلم: مهدي بندق
نهاية الكنيسة أم نهاية الدولة؟

في عام 1971 كنت على الجبهة مع مليون شاب مصري ننتظر أمر القتال، حين فاجأنا الرئيس السادات بتأجيل المعركة بسبب الضباب! وطبعاً لم نفهم.
وفي الجبهة الداخلية توقف عربجي في الطريق دون مبرر، لماذا؟ قال بسبب الضباب، صاح المارة المتعجلون لاستئناف المسيرة: وأين هو الضباب؟! فرد العربجي اسألوا الحمار! أما نحن الجنود الجدد المؤهلين علمياً فرحنا نسأل: حتام حكم الفرد؟ ومتى الإصلاح السياسي؟
قال زميل: ليس قبل الإصلاح الديني، فالدولة المدنية تتأسس فعلياً بولاء المواطن لها قبل الدين والعقيدة.
في نفس العام اعتلى نظير جيد [شاعر وضابط احتياط سابق] كرسي البابوية، فاستبشرنا لمصرنا خيراً بهذا المثقف "العضوي" المستنير. والحق أن مواقف البابا الجديد من هموم الوطن كانت قصيدة رائعة: لا اعتراف بإسرائيل ولا تطبيع معها ولا حج للقدس إلا مع شيخ الأزهر، أضف تكريسه لمبدأ الصفح المسيحي في مواجهة تطرف "الإسلامويين". فلماذا لم يدشن قداسته قاطرة الإصلاح الديني كما كان متوقعاً منه؟
كان علينا أن ندرك أن قطار الإصلاح، دينياً كان أم سياسياً، لا يتحرك من محطة السكون (حتى لو كان سائقه يرغب) بينما القطار غير مزود بعجلات هي ثقافة الناس. فما لم يكن هؤلاء طالبي إصلاح، سايرهم السائق وقوفاً في المحل، وتلك هي الأرثوذكسية (التي يوازيها في الإسلام منظومة الفكر الأشعري والفقه الحنبلي) وهي التي قادت البابا الجديد إلى ما صار إليه، طارحة عنا ما عقدناه من آمال فيه "أن يكون قائداً لحركة إصلاح ديني جسورة" وهذا برهان على أن الظرف الموضوعي غالب مهما تكن قيمة الفرد أو قدراته.
* نهاية الكنيسة أم نهاية الدولة؟
لقد أصدرت الدولة عبر مؤسسة القضاء حكماً يلزم الكنيسة بتسجيل الزواج الثاني للمسيحيين، وهو حكم تقدمي يؤكد الحقوق الأساسية للمواطن المصري بغض النظر عن دينه أو ملته، منها حقه في الزواج وتكوين أسرة، وهو حكم – بالإضافة إلى دستوريته وقانونيته – يتمتع بسمو أخلاقيّ واضح يقي المطلقين شر الوقوع في خطيئة الزنا.
كانت الكنيسة قد اعترضت على صدور حكم محكمة القضاء الإداري (أول درجة) يتضمن هذا المعنى، وكان ذلك حق للكنيسة قانوناً، فمارسته برفع دعوى استئناف أمام المحكمة الإدارية العليا، لكن ما أن صدر الحكم النهائي على غير مشتهاها حتى رفضه البابا جملة وتفصيلا لكونه "متمسكاً بالنص الإنجيلي إلى النهاية"، فأية نهاية قصد إليها قداسة البابا بهذا القول "الشاعري"؟ نهاية الكنيسة أم نهاية الدولة؟
ما من شك في أن كل عاقل لا بد يستبعد احتمال أن يكون البابا ساعياً لتفكيك منظومته الكنسية، فيصبح منطقياً أن يكون المقصود هو تفكيك الدولة، فمن حيث أن الدولة قانون، فلا غرو أن يترتب على قيام شخص أو جماعة بإجبار الدولة على لحس قوانينها أن يتبعه غيره على نفس الدرب، وبالتالي تنهار الدولة، وفي حالتنا لا غرو أن تقوم على أنقاضها دويلة دينية قبطية وأخرى إسلامية يطالب بها "الزملاء" الأصوليون الإسلاميون! وتلك هي النتيجة المحتومة في "نهاية" الصدام بين هؤلاء وأولئك من ناحية، وبين الدولة "الوديعة" – بالأحرى "الملطشة" - من ناحية أخرى.
• البحث عن مخرج
يقول بعض مثقفي الأقباط – ومعهم مثقفون مسلمون - من المؤمنين بالدولة المدنية إن البديل للصدام المروع القادم إنما هو قانون أحوال شخصية موحد سقفه ثقافة المواطنة، فما الذي يعيق انتشار ثقافة المواطنة هذه بعد أن أسست لها الدولة بنص واضح لا غش فيه وضمنته أول مادة من مواد دستور البلاد؟
الإجابة: العائق هو الأصولية. ليست أصولية الأخوان والجماعات الإسلامية السلفية فحسب؛ بل وأيضاً أصولية الأقباط المصريين الذين – لأسباب تاريخية ماضية، ولدواع سياسية معاصرة – سلموا أدمغتهم لكنيستهم "الأرثوذكسية" أن تحتاز عقولهم دون إعمال منهم لأي نوع من أنواع النقد فيما تقدمه إليهم قيادات الكنيسة من أفكار، إيماناً منهم أنها أفكار يسوع الرب لا أفكار القيادات.
تعني الأصولية – في سياقها التاريخي – عودة الأمة أو الجماعة إلى ما تعتبره حجر الزاوية في تشكيل وتثبيت هويتها الثقافية، وهي بهذا المعنى إنما تعبر عن نزعة تكاد أن تكون فطرية لدى البشر، يستجيبون لها من دون كبير تمحيص، لما تحققه في النفوس من راحة وطمأنينة، ولما تغرسه في حقول الأهل والعشيرة من بذور طيبة ثمارها الترابط والتعاطف والاستقواء أمام الغير.
ولأن الأصولية ليست عقيدة في حد ذاتها بل نزعة من نوازع النفس البشرية؛ فإنها بما هي كذلك يمكنها أن تتغلغل في أية عقيدة سواء كانت ديناً (كاليهودية والمسيحية والإسلام) أم مذهباً فكرياً (مثلاً الماركسية) أم اتجاهاً سياسياً (مثلاً الناصرية) ومن هنا يأتي توظيفها من جانب القادة الاجتماعيين والسياسيين بغية حشد الجماهير لا سيما في أزمنة التردي والضعف.
أما العقيدة الأرثوذكسية، فتعني التمسك بالطريق القويم (بالعامية المصرية: الدوغري) وكان ظهورها في المسيحية مصاحباً لعواصف الصراع بين كنيسة الإسكندرية وكنيسة روما، ذلك الصراع (الديني السياسي) الذي تفجر في مؤتمرات "نيقية" 325، وأفسوس 449، وخلقدونيا 451، وترتب عليه انفصال الغرب المسيحي باسم الكاثوليكية (ومعناها لغةً التفكير المتحرر واسع الأفق) عن الشرق المسيحي ذي الاتجاه المحافظ (الدوغري) المحدد الخطى والآليات العقلية والوجدانية.
هكذا باتت الأرثوذكسية صفة ملازمة جوهرياً لكنيسة الإسكندرية تدعم بها النزعة الأصولية الدينية القائلة بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس وترفض أي تأويل مجازي أو تاريخي. فعندما يقول سفر التكوين بأن الأرض مسطحة فينبغي أن يؤمن المرء بأنها مسطحة رافضاً كل النظريات العلمية الحديثة. وعندما يقول الكتاب المقدس إن الله خلق العالم في ستة أيام واستراح في اليوم السابع، فينبغي أن يصدق المؤمنون ذلك. وكل ما يقول به الكتاب عن نشأة الكون والإنسان لا بد وأن يؤخذ على حرفيّته حتى ولو تناقض كلياً مع النظريات بل والحقائق الفلكية والفيزيائية والبيولوجية الحديثة.
• سرير بروكروست
صنع هذا الشخص سريراً لضيوفه، لكنه كان يمط الضيف القصير ليطابق سريره سابق التجهيز، بينما كان يحز رأس الطويل أو يبتر قدميه ليكون على المقاس.
ونحن نستطيع مناقشة البابا الليل بطوله حول قضايا النص تمسكاً بحرفيته أو توسعاً في تأويله، بإمكاننا المحاجاة بقول يسوع "خلق السبت للإنسان ولم يخلق الإنسان للسبت" كما بمقدورنا أن نسأل قداسته عما إذا كان خيراً للناس أن تحبس الحياة بمتغيراتها، والدولة بمواثيقها وأحكامها في سجن الماضوية ...الخ.
وبالمقابل سيكون هو قادراً على الرد، فالدين عنده هو الأبقى، وهو أعظم من الدولة بما لا يقاس! وهو المنتصر عليها في كل معركة من معارك الحياة! والدليل أنه أجبر الدولة على أن تتنازل له عن جزء من سلطانها بمنح "كنيسته" حق إدارة الأوقاف القبطية باستقلال عن الأجهزة الحكومية (وزارة الأوقاف). كما أجبرها مرة أخرى على التراجع أمام ما أسماه البابا حق "احتجاز مواطنات" لديه على غير رغبتهن (وفاء قسطنطين وماري عبدالله) ثم أجبرها ثالثا على الصمت إزاء ما فرضه البابا من حق الحديث باسم طائفة من "المواطنين" في مضمار السياسة.
بيد أن المسألة، وكما تبدت في تصريح قداسته الأخير الناجز القاطع "لن أنفذ حكم القانون" قد تعدت اليوم الجزئيات إلى الكليات، بما يشي بأن الكنيسة القبطية ربما صارت تتطلع إلى أهداف سياسية عليا، أهداف مستمدة من أطروحة المفكر الراحل صمويل هنتنجتون الشهيرة بـ "صراع الحضارات" والتي تنبأ فيها بأن القرن الحادي والعشرين إنما سيكون ميدانا لصدام ثقافي عالمي. ففي حين انسحب الصراع الطبقي، ولو إلى حين، عن مقدمة المسرح بسقوط الاتحاد السوفيتي وانحسار الفكر الماركسي جراء تحويل النظرية من مرشد للعمل إلى عقيدة جامدة (أرثوذكسية)؛ فإن البشر- يقول صمويل - مقدمون على مرحلة يتآزرون أو يتحاربون فيها بدوافع ثقافية, وفى القلب منها الدين, إثباتاً للهوية وتأكيداً للذات المحددة بأسيجة الموروث والمألوف. ولقد بدا ذلك واضحا في حروب البوسنة, والشيشان, وفي الحروب الأهلية التي وقعت في السودان بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي علاوة على دارفور, فضلا عن الاقتتال الدموي بين السنة والشيعة في العراق، ثم في لبنان على نطاق خجول متردد.
ولكن هل تعي الكنيسة القبطية المصرية أن أطروحة هنتنجتون رغم ذلك كله قابلة للنقد؟ وأن أفضل نقد لها هو ما تقدمه حقائق التاريخ والجغرافيا – خاصة في بلد مثل مصر ذات الوحدة الهيدروليكية غير القابلة للتقسيم – وأنها كأطروحة محض "استعمارية" مغرضة تسقط فور قيام الدولة المعنية بدحضها وتكذيبها بالأفعال قبل الأقوال؟
ومن جانب آخر هل تعي الدولة المصرية أن المدخل إلى "علم الزوال" قرين الاستهانة بالخطر أيا كان حجمه؟ لو صح للدولة هذا الوعي، لأسرعت من الآن إلى آلياتها العملية تشحذها وتقويها وتشهرها في وجه من يطلبون تفكيكها وتقسيمها. مهدي بندق
رئيس تحرير مجلة تحديات ثقافية ـ الإسكندرية