ألف ياء الزمان قربت ثقافة الاطراف من المركز

بقلم: زيد الحلّي
الصحفي كرم نعمة المحرر المشرف على ملحق ألف ياء بصحيفة الزمان اللندنية

مرة قرأت رأيأً لكاتب إنكليزي معروف قال فيه ان الصحيفة اية صحيفة دون وجود صفحات ثقافية فيها تعنى بثقافة قارئها تبقى مجرد نشرات خبرية ومقالات آنية بأمكان القارىء الاستعاضة عنها بإطلاعه على ما تبثه الفضائيات ووكالات الأنباء .
ومع عدم تطابقي الكامل مع هذا الرأى لكني اؤكد ان خصوصية اى صحيفة تتوضح من خلال صفحاتها الثقافية التي تتعامل مع الشأن الأدبي والفني وما يضمه في ثناياه من قصة وشعر ونقد وتشكيل وموسيقى والى غير ذلك من ضروب الثقافة.
وطبعا الى جانب مقال الرأى والتحقيق الصحفي الناضج حيث يشكل أيضاً أحد سمات الصحيفة.
والمتابع للصحافة العربية والمحلية يجد فيها صفحات ثقافية تتباين في رؤاها ومستوياتها لكن السواد المشترك الأعظم فيها هو إعتمادها على "الانتر نت" وما تنشره المواقع المختلفة، أقول ذلك قول متابع يومي للصحف وكرئيس ومدير تحرير سابق لعدد من الصحف اليومية، وهذه الملاحظة ليس بالشيء المعيب سوى ان المعيب فيها هو ان ما ينشر من مواد ينسبه المحرر الى الجريدة التي يعمل فيها غافلا الإشارة الى المصدر المنقول عنه، وهي سرقة أدبية ومعنوية بأمتياز لا يقرّها العرف الصحفي.
وقد عانيت شخصيا من ذلك كثيرا حيث نقلت مقالاتي المنشورة في المواقع صحف ومجلات عديدة ذات توجهات بعيدة عني مما سبب لي إحراجات من الزملاء والمعارف.
وللأمانة لا حظت ان جريدة "الزمان" في طبعاتها الدولية والعربية والمحلية هي خارج سرب حديثنا كونها تمّيزت بوجود 4 صفحات ثقافية يومية على شكل ملف بعنوان "الف ياء" تعتمد على مواد حصرية لها وحتى المترجم فيها هي لمترجمين معروفين بأمانتهم اللغوية والمعرفية.
وهذه الصفحات الاربع لو صدرت على شكل صحيفة نصفية لأصبحت بثمان صفحات، أما لو نُشرت على شكل حجم مجلة مثل المجلات السائدة فأنها ستصبح مجلة بـ 16 صفحة يومية.
ولنذهب الى إفتراض آخر قائلين لو صدرت " الف ياء" اسبوعياً فأنها يعني مجلة "ثقافية عراقية بـ 96 صفحة".
وإذا تجاوزنا عدد الصفحات ودخلنا في المضمون فماذا سنجد:ـ
نجد ان صفحات "الف ياء" تعتمدت في صدر صفحتها الاولى "ص 9" من الجريدة اليومية على مادة من "العيار الثقافي" الثقيل مثل دراسة أدبية او فنية او فلسفية او إجتماعية ذات أفق معرفي واسع دائما ما تحتمل الجدل والجدال والسؤال المتفرع عنه سؤال، كما تنشر الصفحة صنوفا من الذكريات والمذكرات والاعمدة الثابتة الى فترة قريبة لكتاب معرفين، الا انها تخلت أو "تخلو" هم عنها!!
والحال نفسه من الإنتقائية الثقافية حيث نجد في صفحتها الثانية "ص 10" من الجريدة الكثير مما ينمي أذواقنا في قراءة قصة جديدة او قصائد حصرية لشعراء واعدين او معروفين وزوايا تعنى برفوف المكتبات وما صدر من مطبوعات ثقافية جديدة موشّحة بقراءات لمثقفين في مختلف التخصصات.
وعلى صفحتها الثالثة "ص 11" من الجريدة نقرأ مقالات وخواطر وآراء و رؤى تحت مسمى "أضواء" و"خاطرة بين المسافات" وموضوعات ثقافية متنوعة ومتابعات للانشطة الثقافية وحوارات... وأختصّت صفحتها الرابعة "ص12" من الجريدة بالسينما والتشكيل والمسرح الى جانب زاوية "زمان ثقافي" المعتمدة على مجتزءات ولقطات وأخبار تتميز في الطرح الثقافي بمحيطه العالمي والعربي والمحلي ضمن خيمة متابعة المهرجانات والعروض المسرحية والشعرية.
ان "الف ياء" كما نوهت عن نفسها "صفحات تعنى بأبداعات العقل والحس والسمع والبصر" وهو أختزال رائع ووصف صادق لمضامين "الف ياء" الزمان.
وبالعودة الى الصفحة الاولى من صفحاتنا الثقافية موضوعة الحديث نجد انها تشير في واجهتها بعناوين بارزة الى مضامين ما ينشر فيها مثل اية مجلة او صحيفة، إنها بمثابة مانشيتات صحفية.
ولأعتقادي ان منهجية تحليل المضمون لأية دراسة هو الفيصل في إعطاء الرأى السديد والعلمي، فقد وضعت أمامي اعداد شهر كامل من جريدة "الزمان" بطبعتها الدولية والعربية وبدأت في دراسة ما نشرته صفحات "الف ياء" من موضوعات مختلفة بهدف الخروج بمحصلة غير منتقاة "عشوائية" للمنشور فيها في مختلف إتجاهات الرأى الثقافي، فصدمّت فرحاً بما توصلت اليه، عشرات من الدراسات المعرفية المتميزة التي من الممكن نشرها ضمن صفحات الدوريات المحكّمة التي تصدر عن كبريات الجامعات وعشرات المتابعات ومثلها من الالتقاطات والترجمات والاخبار، موضوعاتها تحمل اسئلة وتجر أسئلة مما يعطي إنطباعا للقاريء بأن قيادة سفينة "الف ياء" هي بأيدي ربان مهني كفء كفوء.
ومن خلال متابعتي ككاتب في "الف ياء" وكقارئ لموضوعاتها لاحظت انها تميّز في نطاق الابداع والانتاج الفكري بين مفكر ينتج "صناعة" ثقيلة في حقل الفكر أي ينتج لخاصة الخاصة وبين المثقف الذي ينتج لجمهور اوسع وبأشكال سريعة التلقي لعموم القراء، فأعطت مساحة لهذا ولذاك، فأحتفظت في النهاية بعموم القراء وتلك هي صيرورة الذكاء المعتمد في التحرير والاشراف على الصفحات التي يشرف عليها من مكتب "الزمان" في لندن الكاتب كرم نعمة، فاعطت درساً في مهارة مهنية تتعلق بالذوق والوجدان وأشعرت القارئ بأن محرر الصفحات يمتلك إبرة دقيقة جدا في حياكة الافكار لغة وفكرا، وبهذه الابرة ناقشت الصفحات واقع الثقافة العراقية وأزمتها من خلال الدخول اليها للخروج بها الى الضفة الاخرى بدءا بالاعتراف بها ومروراً بتقريب الثقافة الشعبية من ثقافة النخبة وبعدم الخوف من وجود آراء ثقافية متعارضة، ذلك ان صفحات "الف ياء" تؤمن ان قيمة الثقافة تكمن في إحتضانها للمتنوع وأغتنائها به.
ان صفحات "الف ياء" تؤمن كما لمستُ بأن نتاج الحاضر هو تراث المستقبل وليس ما نرثه عن آبائنا وأجدادنا. بل التراث ما سنورثه لأولادنا ايضا، والتراث بالتالي قسمان: قسم ميت يجب بعثه وأحياؤه وقسم حي يجب عدم قتله او تمويته.
وقد مسكت "الف ياء" الحبل من الوسط وأخذت القارىء الى مسار ثقافي متزن فليس في "الصحافة" الهام رباني وإنما هناك جهد وعلاقة جدلية مع النفس والحياة والتأريخ والزمان.
ولا اعتقد ان أحدا لا يدرك ان الصفحات الثقافية لكي تقوم بدورها كاملا يجب ان تتنفس هواء الحرية، لأن التضييق عليها هو ضيق بالفكر ومحاصرتها خنق للعقل وأدركت "الف ياء" انها لم ولن تزدهر إلا في ظل عقلية صحفية ثقافية شاملة ومتفتحة تؤمن بدور الثقافة وخطورتها ولذلك اطلقت العنان لكتابها من أجل قدح العقول وإذكاء الحوار وإغناء الفكر، فالثقافة في تصور "الف ياء" متعة وضرورة وعمل جمالي وأجتماعي يجمع بين العذوبة والفائدة وبين الخاص والعام، وإنها تنشد الخلق لا الرصد الخاوي والكشف لا التسجيل الضبابي واعادة التكوين لا النقل العشوائي.
وهكذا هي "الف ياء" لا تعرف المستحيل ولا تعترف بمقولة "ليس بالامكان ابدع مما كان" وحين تتحرك الكلمة فيها نحو آفاق اوسع يعني انها ترى نور القمر الذي يبسط آلقه على رؤوس الجبال وعلى أطراف الوادي وأسطح منازل المحبين من الشعراء والشاعرات.
ان صفحات "الف ياء" مثل عصفور يزقزق بفرح على غصن فصوته بالتأكيد يختلف عن اصوات العصافير التي تزقزق داخل الأقفاص وهي مثل "الحرية" شمس النفوس المشرقة لكنها ايضا وهنا سر نجاحاتها كونها صفحات لا يسعدها ان تصبح كالثمرة إذا نضجت سقطت وإندثرت، إنها تريد ان تبقى شجرة دائمة العطاء!.
زيد الحلي: كاتب وصحفي عراقي مقيم في دمشق