بعد تـَوحـُّـد الائتلافيْن: العتب على العلمانية وعلى أياد علاوي؟

بقلم: إبراهيم الزبيدي

لا غرابة أبدا في أن يعلن الائتلاف الوطني وائتلاف دولة القانون مؤخرا ما كنا توقعناه مُسبقا، من قبل الانتخابات الأخيرة وأثناءها وبعدها. فهو كان حدثا واقعا لا محالة، مهما تعددت الذرائع، ومهما طالت المعارك الكلامية الفارغة بين إخوة البيت الشيعي الواحد المسيرين بأوامر المرجعية والولي الفقيه.
ونحن إذ نـُذكـِر قراءنا الكرام بما توقعناه في كتاباتنا من شهور لا نقصد التباهي بشطارتنا في قراءة الكف واستلهام الفلك، بل نهدف إلى كشف جهالة بعض السياسيين المهووسين بالسلطة، والراكضين وراء سرابها البعيد.
فقراءة الواقع السياسي في العراق، وفق حقائق الأرض ومكونات القوى الواقعية الفاعلة الحقيقية على الساحة وتوجهاتها وارتباطاتها، لا تحتاج إلى مهارة فائقة. لكن ذلك النفر من السياسيين غير الواقعيين لا يرون المقدمات والمسببات ولا يستخرجون منها نتائجها إلا وفق ما يتمنون ويحلمون، حتى لو كان مستحيلا وضربا من الخيال.
قلنا مرارا، ومن قبل إعلان توحد الائتلافين بزمن طويل، إن أحزاب الإسلام السياسي العراقي لا تملك إلا أن تستميت في الدفاع عن أمجادها التي هبطت عليها من السماء، وإلا أن تتمسك بمواقعها المكتسبة. وقلنا أيضا، إنها لن تتخلى عن هذه المواقع والمكتسبات إلا بقوة دفع مضادة شعبية ضخمة وهائلة عمادها نقمة الجماهير على رجعية تلك الأحزاب وتخلفها وكثرة أخطائها ومخالفاتها لمنطق العصر ولمنطق التاريخ الذي لا يمكن أن يسير إلى الوراء. وقلنا أيضا إنه ربما تحدث خلافات وصراعات ومشاكسات، داخل الخيمة الطائفية التي تحتضن تلك الأحزاب، إلا أن اتحادها أخيرا أمام تهديد الطائفة الأخرى المخاصمة، أمر حتمي وواقع لا محالة. ومهما حاول البعض تزويق الصراع بين الكتلة العراقية من جهة وبين ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني من جهة أخرى فهو صراع طائفي مكشوف ومفضوح لا يمكن إنكاره والتستر عليه. وتنصيب علاوي الشيعي البعثي السابق رئيسا للكتلة العراقية لا ينفي كونها قائمة الطائفة السنية بامتياز، ولا يحجب كونها القائمة الوحيدة المدعومة من دول عربية سنية مناوئة لإيران ومنافسة لنفوذها المكروه في العراق.
لكن الذي يحيرنا، نحن المواطنين البسطاء ونحن نتابع معارك السياسيين المتخاصمين، هو إصرار الدكتور أياد علاوي على كونه الفائز بأغلبية الأصوات والمقاعد، وعلى تمسكه بحق تشكيل الحكومة، حتى بعد أن وقع الفاس في الراس، وتوحد الائتلافان، وبعد أن أعلن الطرف الثالث الكردي المستفيد من الصفقة عزمَه على الانضمام إلى الكتلة الكبرى الوليدة.
يقول الدكتور أياد علاوي في بيانه المنشور في صحيفة واشنطن بوست والشرق الأوسط:
"وربما يلزم التذكير، في هذا المقام، بأن تحالفنا السياسي 'كتلة العراقية' قد فاز بمعظم أصوات الناخبين ومقاعد البرلمان في استحقاقات مارس الماضي. وقد استجاب العراقيون بمختلف انتماءاتهم ومشاربهم لمنبرنا الداعي إلى مشاركة كافة الجماعات في العملية السياسية، وفي المصالحة الوطنية القائمة على العلمانية وتخطي كافة الاستقطابات والانقسامات السياسية والعرقية والطائفية. كما استجاب العراقيون على نطاق واسع لدعوتنا إلى تغليب ثقافة وممارسة سيادة القانون والنظام وخلق الظروف الملائمة لازدهار الأمة واستقرارها وتعايشها السلمي مع جيرانها. فهذا هو العراق المنشود الذي نأمل في بنائه".
ويقول:
" كما تبدي قائمة 'العراقية' قلقاً إزاء الخطر الذي تمثله تدخلات بعض الأطراف في طهران في شؤون بلادنا، وخاصة أنها دعت الكتل الانتخابية الخاسرة في الانتخابات الأخيرة بهدف التوصل معها إلى صفقة لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وستستبعد هذه الخطوة تلقائيّاً الجماعات الشيعية والسنية غير الطائفية، وكذلك غير المسلمين، من أي تمثيل مستحق لها في الحكومة المقبلة، إلى جانب تهديد هذه الصفقة بدفع العراق مجدداً وعميقاً إلى دائرة النفوذ الإقليمي".
بصراحة هذا الكلام مردود على صاحبه. وذلك لسببين، الأول هو أن الكتلة العراقية لم تفز بمعظم الأصوات والمقاعد. والمقعدان اللذان زادت بهما على ائتلاف المالكي لا يجعلها المؤهلة ولا القادرة على تشكيل حكومة في برلمان أغلبية نوابه من أحزاب الإسلام السياسي المنافسة، ومن نواب حليفتها الكتلة الكردستانية التي لن تتحالف إلا مع الأقوى والأقدر على نفعها.
أما السبب الثاني فهو أن توحد الائتلافين، ضمن قواعد العملية السياسية التي زرعها بريمر وأعوانه، قانوني وديمقراطي دون شك. فمن حق أيٍ كان أن يتحالف أو يتحد مع أي كان. وليس في إمكان أحد، لا علاوي ولا المطلق ولا الهاشمي ولا النجيفي أن يَعيبوا ذلك ويعتبروه تجمعا طائفيا تم بتدخلات طهران. لأن تجمع العراقية ذاته طائفي مئة في المئة ومدعوم، بل موحى به من عواصم أخرى عديدة، وليس من عاصمة واحدة. وعلى مَن بيتـُه من زجاج ألا يرمي غيره بحجر.
إن اغلب الأصوات التي حصلت عليها كتلة العراقية جاءت من مناطق سنية، ومُنحت لقادة أحزاب سنية دون ريب. ولو كان الدكتور أياد علاوي، كما يسمي نفسه، علمانيا حقيقيا لهبطت عليه أصوات الملايين من العلمانيين والديمقراطيين، وخاصة من محافظات الجنوب التي تغص بهم أكثر من أية محافظات أخرى عراقية، ولحصدت كتلته أكثر من نصف مقاعد البرلمان الجديد ولأصبح من حقه القانوني والدستوري أن يحتكر، بقوة قانون بريمر ودستوره، حق تشكيل الحكومة، دون الحاجة إلى أصدقائه السياسيين الأكراد، ولكان َدفع بأحزاب طهران إلى سلة المهملات.
وبصراحة أكثر، إن علمانية أياد علاوي الملطخة بالمحاصصة الطائفية، من أيام مؤتمرات فينا ولندن ونيويورك، والملوثة بعلاقته المفضوحة بأجهزة مخابرات أجنبية عديدة غير علمانية وغير ديمقراطية، والتي اعترف بها أكثر من مرة من على شاشة فضائية العربية، أضرت بحركة الديمقراطيين العراقيين، وسحبت البساط من تحت أقدامهم، وأصابتهم بالكسل، وحملتهم على مقاطعة الانتخابات الأخيرة.
من حق أي شخص آخر، غير أياد علاوي، أن يشكو من الطائفية، وأن يحذرنا من خراب جديد يحل بالوطن والمواطنين إذا ما تسلط هؤلاء المتوحدون تحت خيمة الولي الفقيه على الحكم، ومنعوا العراق، من الآن ولغاية الانتخابات القادمة في العام 2014، من رؤية نور الله.
والحقيقة التي يجب أن تقال، بعيدا عن المزاعم والادعاءات المنافقة، هي أن كل الذين يتصارعون اليوم على الكراسي لم ولن يضعوا الله بين أعينهم، ولم ولن يحسبوا للوطن والمواطن أي حساب.
فمن قبل أن يسقط النظام الصدامي في التاسع من نيسان/أبريل 2003 بأكثر من عشر سنين كنا قد أدركنا أننا خسرنا معركة البديل الديمقراطي العادل والعاقل الذي كنا نريد له أن يخلف نظام الحزب الواحد والعقيدة الواحدة والطائفة الواحدة والقومية الواحدة، وغسلنا أيدينا من عراق السبعة الكبار من رفاقنا المعارضين الذين تمكنوا من القفز إلى ظهر السفينة، فاغتصبوا دفة قيادتها، مستغلين ظروف الاحتلال، ومنتهزين حاجة الأمريكان إلى وكلاء ضعاف نفوس، وجياع مال وسلطة، معزولين ومقطوعين عن نبض جماهير شعبهم، ومشغولين عنه فقط بمصالحهم ومكاسبهم الشخصية والعشائرية والحزبية والعرقية والطائفية، ومعتمدين على قوة الدفع الخارجي الأميركي والإيراني والتركي والعربي، وعلى سلطة المال الحرام، والسلطة المغتصبة ودستور الدولة الفاشلة. إبراهيم الزبيدي