تشويه عام للدماغ في مصر

بقلم: محمد طعيمة

هي.. هي.. نفس الدماغ، ذات الشتائم، مع فروق التنوع الديني، فـ"حليف عبدة الصليب" أصبح "ابن الشيطان".
مع مقالات مثل "تهجير الدماغ" و"فتن القرضاوي.. ومواطنة عمر"، شتمني شركاء الدين ومدحني شركاء الوطن. كنت أُوصف بـ"مسلم مُتنور وإنسان مُتحضر"، مع المقال السابق "دولة البابا شنودة"، انقلبت الآية.
دماغ واحدة، "فولة اتقسمت نصين". هنا يشوهها الوهابيون وإخوانهم، وهنا يشوهها القساوسة ونماذج مثل ممدوح نخلة، الذي يتمترس خلف "أحقية المسيحي في الاحتكام لشريعته.. كما حق المسلم في تعدد الزوجات". مُتعمداً، مع القساوسة، تجهيل أن الخلاف هو بين تفسيرين كنسيين لذات القضية، ليوحوا للقبطي بأن شريعته مُهددة. ومع التجهيل، يهتف المسيحي بالكاتدرائية "لا أحكام ولا قوانين.. مش حنخالف الإنجيل". كأن المواجهة بين شريعتين، هكذا فعل الناشط عادل جرجس محرضاً الكنيسة على "طرد" من "يخرج بره" ويلجأ للقضاء. أصبح قضاء الدولة.. "بره"، مُلغماً الأوراق بالحديث عن "عقد اجتماعي للطائفة"، من يخرج عنه "يُحرم كنسياً". "بره" ثانية رأيناها مع تشبيه الأنبا مرقس للكنيسة بسفارة أمريكا، ليس للقضاء سلطة عليهما. و"بره" ثالثة مع تحذير رئيس المجلس الإكليريكي بالإنابة، الدولة من "إن أقباط المهجر قوة لها اتصالات بالخارج". ليذكرونا بـ"برات" قديمة، منها تأكيد مرشد إخوان البنا أن المسلم الماليزي أقرب إليه من القبطي. أليست أواني مُستطرقة؟
صلي على النبي.. مجّد سيدك. قمة العبث في دولة تتفتت، تدعمه سطحية مهنية وصفها أستاذنا أحمد بهاء الدين بـ"الجهل النشيط". فلم أصادف لقاء صحفي يفضح خلط الأوراق المقدسة ويرد المشكلة لجذورها، أفدحها "سذاجة" تامر أمين في "مصر النهارده" وعمرو أديب في "القاهرة اليوم". لم يمد زميل، ممن يشكلون الرأي العام، يده ليمسك بوقائع تاريخية تؤكد أن الصراع هو بين رؤى التنوير والانغلاق.. داخل المسيحية. لم يقرأ زميل قانون المجلس الملي ولا لائحة 1938 ولا عن ظروف تقنينها، التي لم يكن مصادفة أنها ذات ظروف تقنين أكثر رحابة لأحوال المسلمين الشخصية عام 1937، منها اللجوء للمذهب الشيعي لأنه، في قضية ما، أكثر تيسيراً. كانت دماغ عام تتفتح، قبل الثورة وبعدها، حتى ردة عهد السادات وتفكك عصر مبارك.
مع رفض المجمع المقدس الخضوع لقدسية القضاء، تحلل البابا شنودة "رسمياً" من عقد تأسيس الدولة، لاعباً بـ"الاضطهاد الديني". رغم "تيقنه" من أن الأمر لا علاقة له باضطهاد.. موجود بمجالات أخرى. تاريخياً، كما تصارعت الرؤى التقدمية الإسلامية والتقليدية، تجادل العلمانيون والكهنوت. حين توفي البابا ديمتريوس عام 1872، ظل كرسي مار مرقس شاغراً نحو عامين، لرفض الرهبان تحمل مسئوليته. ولتفادي تكرار فراغ إدارة شئون الطائفة، اقترح أعيان القبط "مأسستها" عبر هيئة ترعى أحوالها، وأيضاً.. ليتفرغ الكهنة للصوم والصلاة. أُنتخب "المجلس الملي العام" يناير 1874، وأقر الخديو تشكيله برئاسة البابا كيرلس الخامس، الذي سرعان ما تصادم مع المجلس حول فساد الكهنة في إدارة الأوقاف وعوائد الأديرة. حل كيرلس المجلس، لكنه دعا لانتخابات ثانية تحت ضغوط القبط، وصدر الأمر العالي بتشكيله الجديد مارس 1883، ليترسخ قانوناً كمشرف على "خصوصيات" الأقباط. وضع المجلس لائحة اختصاصاته، منها قيامه بدور "المحاكم الملية". مع تجدد الخلاف حول الأوقاف، طلب نواب القبط نفي البابا ومساعده الأنبا يؤانس، فنفاهما الخديو، حتى ردهما المجلس بعد عام "تهدئة للخواطر". هكذا، وفق دراسة للمستشار لبيب حليم عن دور المجلس حتى عام 1942، كانت معركة البطريركية هي أن "إدارة المال سلطة قديمة لها"، لكنها سلمت، دائماً، بأنه محكمة أحوال شخصية للطائفة، ومُشرع لها.. يُقنن البرلمان ما يقره.
وضع المجلس لائحة 1938. صاغها قساوسة ورجال قانون أقباط، مُضيفين لعلة الزنا ثمانية أسباب للطلاق، درءًا لكوارث اجتماعية معروفة. قنن البرلمان اللائحة، وطبقتها المحاكم الملية ونفذ الباباوات المتعاقبون أحكامها، ثم القضاء الوطني بعد توحيده عام 1955، حتى بدأت تشوهات الطائفية عام 1971، ومنها رفض شنودة الالتزام باللائحة.
على هُدى المحاكم الملية، سارت الإدارية العُليا. فالمشكلة ليست كما قال البابا: "فاحكم بينهم بما يدينون"، بل دماغ تنحاز، فيما يدينون، للتضييق على الناس. تُحرم التماثيل وتُكفر باقي الطوائف، وتصادر كتب ينتمي مؤلفوها لنفس الدير الذي ترهبنت فيه. وكما أقبل الأقباط على الكتب فور مصادرتها حتى نفدت، سيغير من يتماس منهم مع معاناة الزواج الثاني موقفه من لائحة 38، وأيضاً حين يتحررون من هوية مُتصادمة.. استفزتها هوية "المسلم الماليزي".
نتنفس ذات التضليل، مسلمين ومسيحيين، أقباط مهجر ومهاجرين للخليج، أعضاء مجلس ملي ونواباً بأحزاب مدنية. الفارق أن ما يطالب به مُوظفو الإسلام، لا يصبح قانوناً لمجرد تمترسهم خلفه. استرد شنودة الأوقاف، وسيكمل دولته بحق التشريع، وبـ"صكوك غُفران" الطلاق. يُرخص لمن يشاء بالزواج ويحرم من يشاء، والوقائع مرصودة.
مع لا نظام رخو، سيطر موظفو الدين على الطائفتين، لنرى في الأفق صراعاً يتستر بالمُقدس.. ومعه الدماء. محمد طعيمة m.taima.4@gmail.com