تركيا، عودة الابن الضال !

بقلم: جمال محمد تقي

تغربت في سفر البحث عن الذات فتعبت واستدارت،لصيرورة ذاتها الاولى، والذات اي ذات كانت هي خلطة متفاوتة من كيمياء الجغرافية والتاريخ وما تحمله في داخلها من حمض نووي يحمل مفاتيح شيفرتها الجينية .
بعد انهيار خلافة الرجل المريض ـ الدولة العثمانية ـ بفعل عوامل التعرية والتآكل والانحسار، بعد التمدد الذي اضحى تشتتا، وبعد تكلس نظام اقتصادها السياسي، الذي ساهم بتأخر تطور قوى الانتاج وادواتها، وبالتالي علاقاتها، وميلان كفة الفروقات لصالح الامبراطوريات المستحدثة ـ الراسمالية ـ والتي دخلت في اوج تنافسها السياسي على اعادة تقاسم العالم ـ الضغوط والدسائس والمؤامرات والرشى والحماية والاتفاقيات الخ ـ ثم دخلت في مرحلة الحروب اللصوصية فيما بينها، والتي هي في حقيقتها امتداد او نتيجة حتمية لسياستها السابقة ولكن هذه المرة كانت بوسائل عنيفة .
تشبثت القوى الناهضة في تركيا الام بحصون المركز، فهذا المصير لم يكن مفاجئا لتلك القوى التي عرفت مقدما بان حماية امصارها هو حمل لا قدرة لها عليه، بل ان تحرر المركز من تلك الامصار المنهكة والمتمردة اصلا سيتيح قدر اكبر من تمركز وتركز القوة المرتدة للذات التركية بشكلها الحداثوي، وفعلا نهضت تركيا المحررة من امصارها لتقف على قدميها من جديد ولكن هذه المرة كجمهورية علمانية تحاول اللحاق بركب الدول الاوروبية المتقدمة، وكانت المانيا هي مثلها الاعلى في هذا الركب بحكم الاذى المباشر الذي الحقته بها كل من بريطانيا وفرنسا، فالمانيا كانت تواقة لاعادة تقاسم العالم مجددا لان رأسماليتها وجدت نفسها قد غبنت او استبعدت من حصص غنائم الكبار، عقدة المانيا كانت البحث عن مكان مؤثر يطل على المياه الدافئة ـ البحر المتوسط ـ واذا كانت ايطاليا قدمها الغربية فان تركيا قدمها الشرقية، والتي بدونهما لا يمكنها الخوض في تلك المياه، ومن هنا كانت تركيا حليفة للالمان في الحربين العالميتين الاولى والثانية.
تركيا الاتاتوركية بنت نفسها بمقاسات التخلي عن كامل ارثها السابق، وبكل ما حمله من سلبيات وايجابيات، وكانت محكومة بعقدة التجاور مع المد الاحمر، الجارف وقتها ـ سقوط الباب العالي كان قرينا لسقوط قياصرة روسيا على يد البلاشفة الذين فضحوا معاهدة سايكس بيكو ونبهوا الاتراك وكل شعوب الشرق لحقيقة المساعي الانكليزية والفرنسية، والمفارقة ان البلاشفة والالمان كانوا في البداية على ما يرام، وبطبيعة الحال انعكس هذا الحال على علاقة الاتاتوركيين مع البلاشفة ولكن اندماج الالمان فيما بعد بالحلفاء بعد هزيمة هتلر جعل الاتاتوركيين ينداحون خفافا الى نفس المصير حتى اصبحوا بحلف عسكري وسياسي مع الحلفاء ضد محور السوفيات ومعسكرهم الاشتراكي ـ وهي محكومة ايضا بالجفاء مع امصارها العربية، التي انقلبت عليها في اثناء الحرب العالمية الاولى وباعتها بسعر رخيص لمعسكر الحلفاء، ورغم ذلك كان الغرب هو الذي يسير اتباعه في الشرق تحت فزاعة الخطر الشيوعي فكان اتاتورك شريك لنوري السعيد في السعي من اجل اقامة حلف بغداد، المعادي للسوفيات وحركة النهوض التحرري في مصر وغيرها من بلدان شرق المتوسط، بعد اقامة دولة اسرائيل تحالف معها الاتاتوركيين كما تحالف معها شاه ايران وكان التحالف مباركا من الغرب كله، وبعد نجاح وتجذر ثورة مصر وقيام ثورة العراق ازدادت اواصر الحلف الصهيوني الاتاتوركي الشاهنشاهي، لقطع الطريق على الفورة الثورية الطافحة في المنطقة، ولعدم تلاقيها مع العدو السوفياتي !
تدخل السوفيات عسكريا وبشكل مباشر في افغانستان لحماية نظامها من حركة القبائل المدعومة باكستانيا واميركيا تحت راية الاسلام الجهادي، وكان كمينا وسحرا لهز واستنزاف السوفيات في مجالهم الحيوي، هزم السوفيات ونجح الحلف الاميركي الباكستاني المدعوم من كل الدول الاسلامية التابعة بما فيها السعودية ومصر وتركيا الاتاتوركية، كان التورط السوفياتي متناقضا مع مباديء المسوغات الذاتية لتحرر البلدان والذي كانت تبشر به الحركات اليسارية والاشتراكية في العالمين العربي والاسلامي، مما احرجها في الشارع السياسي عربيا واسلاميا، في هذه الاثناء انفجر بركان الثورة الشعبية الايرانية التي البست فيما بعد الجبة الاسلامية، فسقط نظام الشاه ولبست كل ايران لباسا اسلاميا بعمامة شيعية، وراحت تبحث لها عن دور يذكرنا بالزعامة الصفوية، وعربيا خرجت مصر تماما من حلبة الصراع مع اسرائيل، وتدريجيا فرضت اسرائيل نفسها كقوة لا يغلبها غلاب في كل الشرق الاوسط وراحت تبحث لنفسها على جسور للتطبيع مع كل النظام الرسمي العربي ليكون العالم العربي من المحيط الى الخليج مجال حيوي لنفوذها المدعوم اميركيا واوروبيا وبكافة المجالات!
انهار الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتركي وهدم جدار برلين، وراحت اوروبا الغربية تمد الخطى وبثقة اكبر نحو الوحدة والتوسع باتجاه الشرق الاوروبي، ونفس الشيء بالنسبة لحلف الناتو، في هذه الاثناء كانت تركيا تتوقع مكانة تتناسب ودورها في خضم هذه التبدلات المتسارعة، اكتشفت تركيا متاخرة بان الاميركان والاوروبيين لا ينظرون لها الا بكونها تابع لهم، ومن مصلحتها مجاراة ما هم عليه، ومن جانبها راحت اسرائيل تعزز تغلغلها في شبكة المصالح التركية، وعملت على تسخير هذا التغلغل لمضاعفة نفوذها وتهديدها للدول العربية، بل واكثر من هذا راحت تبني لها قوة ضغط في الداخل التركي ـ مراكز قوى عسكرية واقتصادية واعلامية ـ وسخرتها لبذل ما تستطيعه من اجل اعاقة نهضة التيار الاسلامي التركي ونجاح تجربته في الحكم !
من الطبيعي ان تكون اهتمامات وتطلعات الراسمالية الصناعية والتسوقية والانشائية التركية مركزة على الاستثمار جنوبا اي في البلدان العربية، ومن الطبيعي ايضا ان يكون هذا الاهتمام مضاعفا بعد ان صدت بوجهه ابواب الاندماج المتكافيء في اقتصاديات منطقة اليورو، بمعنى ان تفضيل الجانب العربي للتعاون الاستثماري والتجاري مع تركيا يتطلب ارادة سياسية دافعة وتقارب ينافس المتنافسين ويتطلب استقرارا في العلاقات وفي الاوضاع الامنية القائمة، فحل النزاع العربي الاسرائيلي واقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وسلام عادل وشامل مع سوريا ولبنان ووضع حد للعربدة الاسرائيلية سيجعل اموال التسلح تصرف على التنمية التي سيكون للشركات التركية حصة الاسد، اذن من مصلحة تركيا اقامة سلام دائم يقطع على اسرائيل حبل التمدد المهيمن على المنطقة !
تجربة اربكان كانت تمرينا مهما بالرغم من قصر مدة حكمه، فالشارع التركي جرب اغلب اطياف اليمين القومي والليبرالي، ولم يستطيع كل هؤلاء وضع تركيا على الطريق المتسق مع واقعها وتطلعات شعبها وهويتها، فهو اسيوي قبل ان يكون اوروبي، وهو اسلامي قبل ان يكون علماني وهو لا يجد نفسه معززا وقويا الا بعمقه الاسيوي الاسلامي، ثم ان محاولات تغيير جلده قد فشلت !
جاءت احداث 11 سيبتمبر وردات الفعل الاميركي عليها، خاصة فيما يتعلق الامر باحتلال افغانستان ومن ثم العراق وكل تداعياتها، التي اوصلت مكانة اميركا ومصداقيتها الى الحضيض، لتنبه الاتجاه القومي ذا النزعة الاسلامية اولا وكل وطنيي الاتراك ثانيا الى حقيقة مفادها ان مشروع الشرق الاوسط الكبير يعني فيما يعنيه اعادة رسم الخرائط السياسية لدول المنطقة وتفتيت دولها الكبرى لصالح التغلغل الاميركي الغربي الصهيوني الذي يسير الهوين حتى يتمدد الى الشرق الاقصى بعد ان يكون قد احكم تحكمه بمصادر وسوق الطاقة التي يعج بها الشرق الاوسط ذاته، وهذا المشروع مثلما يشمل العراق فانه يشمل تركيا وايران ومصر والسودان، والدعم الاسرائيلي لحركات الانفصال الكردية شمال العراق التي اصبحت قاعدة تغذي اقرانهم انفصاليي تركيا ـ حزب العمال الكردستاني ـ يؤكد هذا الاتجاه وهناك مؤشرات على تغلغل موسادي مقنع يمارس تأثيره على طبيعة نشاطات حزب العمال الكردستاني ومنها اكتشاف مصادر تمويل مشبوهة ـ مال وسلاح ـ ووجود مخطط لعمليات نوعية ذات طابع مخابراتي ينخرط بها عناصر من تنظيمات الحزب المذكور ويستدل منها على الاصابع الخفية التي تتستر بالنشاط المافيوي متعدد الجنسيات في مجال تجارة السلاح والمخدرات وتجنيد الاتباع، وهدفها اضعاف الجبهة الداخلية التركية، وجعلها بموقع لا يسمح لها باي عمل استراتيجي لحسابها الخاص يؤثر على الاوضاع القائمة التي تخدم بالاساس النهج الاسرائيلي، فالمبادرة التركية لاحتواء ازمة الملف النووي الايراني لا تخدم التوجهين الاميركي والصهيوني وكذا الحال بالنسبة للتقارب المتسارع بين سوريا وتركيا والموقف وكذا بالنسبة للموقف من حماس وحزب الله، ومن الواضح ان الموقف التركي العائد لذاته اصبح عامل ضغط على الدول العربية التابعة بحيث جعلتها المواقف التركية الاخيرة مضطرة للتشدد ولو من باب رفع العتب تجاه المطالب الاميركية والاسرائيلية وهذا ما وما يضاعف القلق الذي تسببه المواقف التركية المستجدة للسياسات الاميركية الاسرائيلية في المنطقة !
يجيء تكاثر الاصوات الاميركية الداعية للفصل بين المصالح الاسرائيلية الخاصة والمصالح الاميركية نتيجة للاذى الميداني الهائل الذي يسببه الدفاع الاميركي الاعمى عن المصالح الاسرائيلية بالوجود الاميركي في المنطقة وما يعنيه من تكلفة مادية وبشرية، وهذا ما اعلن عنه اكثر من قائد عسكري اميركي في منطقة الشرق الاوسط وحتى الشرق الاقصى والادنى، ثم ان خطاب اوباما التصالحي والمناقض للخطاب التصادمي والاستباقي لسلفه بوش، يؤكد حصول نوع من الانفراجات المؤدية حتما للبحث عن حلول جديدة للانسدادات الخانقة اقتصاديا وسياسيا وبالتالي استراتيجيا !
ان موقف تركيا الحازم ازاء الجريمة الاسرائيلية على قافلة الحرية هو تتويج للتألق التركي المنصف في هذا الشرق المضطرب، والذي اقل ما يقال عنه، انه موقف طبيعي في ظروف غير طبيعية .
عندما ترى اردوغان في دافوس وهو يعري زيف شمعون بيرس او تستمع اليه وهو يحذر شعب اسرائيل من الهاوية التي تأخذه اليها سياسات حكوماته المستهترة، ومن ثم تتمعن بتوجيهاته لمواجهة القرصنة الاسرائيلية ستجده فعليا بانه لن يدير ظهره كما يفعل الاخرون لغزة وفلسطين كلها، واذ تستمع اليه وهو يقول ان حماس ليست منظمة ارهابية كما يدعون بل انها حركة مقاومة شرعية تستحق كل الدعم والاسناد، فانك ومن دون شعور لابد ان تصفق له وتهتف بصوت عال مرحبا بعودة الابن الضال ! جمال محمد تقي