قراءة تأملية في 'شهب من وادي رام'

بقلم: سعيد سالم
عالم غني بالرموز والإسقاطات والمعاني

منذ عدة سنوات جاءتني سيدة بصحبة صديق بنادي سموحه، هو الفنان محمود عبدالعزيز كبير مصوري الأخبار. قدمها إليّ قائلا إن لديها محاولات في كتابة القصة القصيرة.
طلبت مني على استحياء أن أقرأ بعضا من تلك المحاولات بصفة مبدئية لمعرفة مدى موهبتها وقدراتها الفنية. وبالفعل قرأت محاولاتها الأولى المتواضعة وقدمت لها نصائح عامة وملاحظات أساسية لكتابة القصة القصيرة سبق أن قدمتها ومازلت أقدمها دون مجاملة لكل من يطلب مني رأيا فيما يكتب.
ولست أذكر هل راجعت معها ما كتبت مرة ثانية بعد هذا اللقاء أم لا. كل ما أذكره أنني دفعتها غلى قراءة بعض كتب النقد الأدبي الهامة، وأخيرا قدمت لها نصيحة العمر وهي أن تذهب أسبوعيا إلى ندوة عبدالله هاشم للقصة حتى تتعلم ما تعلمته منها في بداياتي من الاحتكاك بالكتاب والنقاد ومناقشة ما يقرأ فيها والاستماع إلى العديد من الآراء والاتجاهات المتعددة في كتابة القصة حتى تكون على دراية بمستواها الحقيقي، وحتى تستطيع تطويره ورفعه لو تأكدت بعد ذلك من إصرارها وتصميمها على مواصلة هذا الطريق الصعب.
واليوم وأنا أقرأ رواية "شهب من وادي رام" لم أكن اتصور على الاطلاق أن تكون كاتبة هذه الرواية هي بشرى أبوشرار. وبالفعل لم أصدق في البداية أنها هي نفسها تلك السيدة التي قرأت لها أولى محاولاتها القصصية عن شقيقها الشهيد الفلسطيني، ماجد أبوشرار، ذلك أنني وجدت نفسى أمام عمل روائي له بنيان هندسي متقن الصنع، لكل حدث به دلالة، ولكل اسم به مغزى، ولكل شخصية بها رمز لمن يريد ومعنى واقعي محدد لمن يريد.
هناك خطة فنية مدروسة تمت كتابة الرواية بذكاء على ضوئها، سواء على مستوى الحكي الواقعي بكل ما تمتع به من جماليات فنية، أو على مستوى الرمز الشفاف الذي توحي به الإسقاطات السياسية الموازية له دون تعسف أو افتعال.
ورغم إطالة السرد في مواطن عدة، إلا أنني كنت أغفر تلك الإطالة لما تعوضنا عنه الكاتبة من لغة شاعرية وصفية تكاد تنطق بالصوت والصورة بمظاهر الطبيعة، كالقمر والمطر والنار والليل والنهار والرياح والجبال والوديان والأنهار وصوت الناي والفاكهة والأشجار. "هجرو رقيقة المشاعر نقية كثلوج أذابتها حرارة شمس دافئة كقلبها. شفافة كقطع كريستالية. على وجناتها (تقصد وجنتيها) أخذ التفاح له أشكالا. تحمل أنفا رومانيا وفما بحجم حبات الكرز على أسنان تبرق في العيون (العينين) كحبات اللؤلؤ حين تغفو في محارتها، ويد رسام رسمت حاجبيها..." (ص133).
هناك شيء آخر أدهشني أثناء قراءة هذه الرواية الجميلة، هو كم القراءات الهائلة التي أنجزته بشرى خلال تلك السنوات القليلة التي انقضت على محاولاتها الأولى، فمن الواضح أنها قرأت الأديان الثلاثة مثلما قرأت العديد من الأساطير الشعبية والملاحم والأشعار وعصر النهضة الأوروبية وتاريخ الفراعنة حتى تمكنت من كتابة رواية بهذا المستوى الفني الناضج.
هاهو الفرعون سنوسرت يدعو سنوحي إلى العودة لموطنه وجذوره وأصوله قائلا له: "تذكر اليوم الذي ستدفن فيه ويشيعك الناس حيث تدهن بالزيت قبل بزوغ الفجر وتلف بالقماش فتباركك الآلهة ويشيعك شعبك ويكون كفنك من الذهب المزين، ويوضع جثمانك على نعش تجره الثيران وتتقدمه جوقة المقرئين، ويرقص الناس رقصة الأقزام على مدخل قبرك وتُتلى الصلوات، وسوف تبنى أعمدة رقودك بالحجارة بين قبور العائلة المالكة. يجب ألا يكون رقودك على أرض غريبة حيث يلفون جثمانك داخل جلود الغنم."
عالم غني بالرموز والإسقاطات والمعاني والدلالات تشف عنه أحداث تلك الرواية. وأنا على استعداد لأن أملأ روحي وضميري تعاطفا مع القضية المثارة على هذا النحو، وليس أبدا بخطب زعمائنا العرب واجتماعاتهم القممية التي لم تسفر يوما عن شيء ذي جدوى.
وحيث أن كتابتي انطباعية غير ملتزمة بمنهج نقدي أو خلافه، فإنني أذكر ما يخطر ببالي على الفور قبل أن أنساه، ولذلك أحب أن أشير الآن إلى اختفاء أربع صفحات من الرواية (ص 135 ـ ص 139)، وإلى أنني توقفت مترددا أمام ص 103 ومسألة غسحاق، فالمسلمون يؤمنون بالبرهان التاريخي القاطع، أن القربان كان إسماعيل ولم يكن إسحاق.
من المؤكد أن هناك شيئا لم تستطع الكاتبة توضيحه للقارىء بهذا الشأن ما لم يكن قد خانني الفهم، وهو أمر وارد بالطبع على الأقل بحكم السن، وبناء على ذلك فإنني لست أخفي حيرتي أمام طبيعة ديانة أسماء الشهب الأربعة، فالأسماء تصلح أن تكون مسلمة مثلما تصلح أن تكون مسيحية، ولا أستبعد أمام المكر الفني المهيمن على أجواء الرواية من بدايتها وحتى نهايتها أن تكون الكاتبة قد فعلت ذلك عن عمد، والله أعلم بالنوايا.
ورغم ذلك فأنا أتصور أن "هجرو" تحمل رمز الهجرة، و"عائد" يحمل رمز العودة، و"هريدية" قد تحمل رمز إسرائيل وقد لا تحمله، دون أن يؤثر ذلك على مضمون العمل حتى لو لم يتفق الجميع على رموزه، و"سهيل" قد يحمل رمز كل حاكم عربي متساهل في حق شعبه، متخاذل أمام أعدائه سلبي في كل مواقفه تجاه الظلم والافتراء والعدوان، والذي للأسف لم ينتبه إلى تشتت أهله وتمزق حياتهم ولا يعود إليه وعيه إلا بعد فوت الأوان، و"مرمرة" رمز المقاومة الفعالة بالعلم والمعرفة- فالتفوق العلمي لإسرائيل على العرب تفوق رهيب -. ورفاق عائد من الثوار هم رمز الأمل في استعادة الأرض السليبة تحقيقا لحلمه: "من كان كنعانيا يوما فسيظل إلى الأبد ولن يحكمنا الغرباء الموسويون".
هذه رواية تثير التعاطف القوي مع القضية الفلسطينية دون صراخ أو خطابة، وإنما هي تتسلل إلى قلوبنا وعقولنا في انسيابية برفق وجمال ونعومة، وهذا هو دور الفن الحقيقي: أن ينير عقولنا بمضمون هام، وأن يمتع وجداننا ويحرك مشاعرنا نحو الحق والخير والجمال. سعيد سالم ـ روائي مصري