مبادرة إماراتية لإعادة توطين المها العربية

إستراتيجية إقليمية موحدة من أجل المها

أبوظبي - يلتقي ممثلون عن هيئة البيئة في أبوظبي مع نظرائهم من مختلف أنحاء المنطقة في اجتماع يعقد في مدينة دمشق لإقرار إستراتيجية إقليمية موحدة تهدف إلى إعادة توطين المها العربية وحماية بيئاتها ومواطنها الطبيعية في دول الجزيرة العربية والدول المجاورة.

وتضمّ اللجنة التنسيقية لحماية المها العربي التي يترأسها ماجد المنصوري أمين عام هيئة البيئة في أبوظبي ممثلين عن عدد من دول الانتشار العربية بما فيها البحرين والأردن والمملكة العربية السعودية والكويت وسلطنة عُمان وقطر وسوريا والإمارات العربية المتحدة واليمن، وهي الدول التي التزمت بالعمل على تكثيف وتنسيق الجهود لحماية حيوانات المها العربي التي كانت تعيش في المناطق الممتدة من جنوب سوريا إلى الحدود اليمنية العُمانية مع المملكة العربية السعودية.

وسوف يناقش الاجتماع نتاج ثلاث سنوات من البحث والتخطيط والعمل المشترك، المتمثل في الإستراتيجية الإقليمية المقترحة لحماية المها العربي وإعادة توطينها في مناطقها التاريخية.

وقامت هيئة البيئة باقتراح هذه الاستراتيجية بعد الاجتماع السابق للجنة التنسيقية المنعقد في وادي رم بالأردن عام 2007 الذي قرر بالإجماع وضع نهج جماعي موحد لحماية المها العربي. وبناء على هذا التكليف قامت الهيئة بعقد ورشة عمل بأبوظبي في أغسطس 2007 بحضور أكثر من 40 مندوباً من دول الانتشار والجهات المسؤولة عن المحميات الإقليمية، وغيرها من الجهات المعنية.

ومن المتوقع أن يصادق أعضاء اللجنة التنسيقية لحماية المها العربي على الاستراتيجية المقترحة في اجتماع اليوم. وتهدف هذه الإستراتيجية إلى تكثيف الجهود المبذولة للحد من أنشطة الصيد الجائر والحدّ من تدهور البيئات الطبيعية.

ويعد هذان الأمران من الأسباب الرئيسية في تعرّض هذا النوع للانقراض من الحياة البرية في عام 1972. وتوصي الإستراتيجية بوضع سجل إقليمي لأنساب المها العربي، وتكثيف جهود إعادة التوطين والمراقبة وتطوير قوانين الحماية، إضافة إلى تبادل الخبرات وبناء القدرات البشرية والمؤسسية لدول الانتشار.

وفي هذا السياق، قال ماجد المنصوري رئيس اللجنة الإقليمية لحماية المها العربي وأمين عام هيئة البيئة بأبوظبي "يعتبر هدفنا المشترك المتمثل في إعادة توطين قطعان المها العربي في مناطق انتشارها التاريخية من شبه الجزيرة العربية والدول المجاورة تحدياً كبيراً نسعى لتحقيقه من خلال مشروع الشيخ محمد بن زايد لإعادة توطين المها العربي".

وأضاف "وضعنا في هذا المشروع خلاصة خبرتنا في مجال حماية وإكثار الحيوانات البرية، إضافة إلى الدروس المستفادة من عمليات إعادة التوطين التي قمنا في داخل دولة الإمارات العربية المتحدة. وأؤكد أنه ومن خلال تعاون جميع دول الانتشار التي تشارك معنا اليوم في هذا الاجتماع، ومن خلال الإستراتيجية المقترحة، فسوف تتوفر لنا الأدوات اللازمة لتحقيق هدفنا المتمثل بإعادة توطين مجموعات من المها العربي في المناطق التي انقرضت منها في الماضي".

ومن الجدير بالذكر أن شبه الجزيرة العربية والدول المجاورة لها هي الموطن الأصلي الوحيد لهذا النوع المتميز من ظباء المها.

وتعتبر هذه الحيوانات أكبر أنواع الظباء التي كانت ترعى سابقاً في سهول وصحاري المنطقة، علاوة على تمتعها بقدرات تكيّف فريدة مع البيئة القاحلة جداً.

واشتهرت المها العربية بمظهرها المتميز وقرونها الطويلة شبه المستقيمة، كما تشتهر بشكل خاص بجمال عيونها التي يفتتن بها في الشعر العربي. كما يعتقد أن المها العربي هي مصدر أسطورة وحيد القرن التي يتحدث عنها المسافرون في الصحراء العربية، نظراً لقرنيها المتوازيين اللذين يبدوان قرناً واحداً من على البعد. وقد كان المصريون القدامى يقومون بربط قرني المها الصغيرة لدمجها في قرن واحد.

إنّ جاذبية المها ودورها البيئي وأهميتها الثقافية تجعل منها أكثر الحيوانات تميزاً في شبه الجزيرة العربية. لكن وللأسف، فقد أصبحت المها العربي الهدف الرئيسي للصيادين، وتناقصت أعدادها بشكل ملحوظ نتيجة لتدمير مواطنها الطبيعية.

ويمثّل اختفاء المها العربي من الحياة البرية خسارة كبيرة للتنوع البيولوجي على المستويين الإقليمي والعالمي. وقد أدى زوالها من البرية إلى تعزيز الجهود الرامية إلى حمايتها، والتي قادت إلى استعادة المها العربي عبر برامج التربية والإكثار في الأسر والتي تهدف إلى تكوين قطعان محمية والسماح لها بالتكاثر الطبيعي بعد توفير الرعاية البيطرية والماء والغذاء.

وتعتبر مبادرات إعادة توطين المها العربي نموذجاً يحتذى به في جميع أنحاء العالم وتمثل نجاحاً كبيراً لبرامج الحماية والتربية في الأسر.

وكان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من أوائل من أبدوا اهتماماً خاصاً بتناقص أعداد المها العربي، وفي عام 1968، أمر بأسر أربعة من حيوانات المها العربية ونقلها إلى حديقة حيوان العين إيذاناً ببدء برامج الحماية والإكثار في الأسر. وبعد تطوير جزيرة صير بني ياس، أطلق الشيخ زايد برنامجاً آخر لتربية وإكثار المها العربي، حيث كانت البداية بثلاث إناث واثنين من الذكور.

وفي عام 2007 م وبناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفه بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، بدأت هيئة البيئة بأبوظبي في تنفيذ برنامج طموح لإطلاق المها العربي تحت رعاية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي.

وتهدف الخطة الخمسية (2007 - 2012) للبرنامج إلى إعادة توطين المها العربي في بيئاته الطبيعية في دولة الإمارات، وذلك بإطلاق 100 رأس سنوياً على مدار 5 سنوات. ويهدف هذا البرنامج إلى إطلاق المها العربي داخل محميات واسعة ضمن المناطق التي كانت تعيش فيها في السابق، وتكوين قطعان متنامية قادرة على الاعتماد على ذاتها والتجول بحرية في مواطنها الطبيعية في ظل إدارة فعالة وخطة حماية طويلة الأمد. والآن تضم محمية المها العربي، التي تأسست في منطقة أم الزمول، أكثر من 155 رأساً من المها العربي يتم رصدها بنظام تحديد المواقع والتتبع عبر الأقمار الصناعية في مساحة تمتد إلى 8,900 كلم مربع.

وبفضل النجاح الكبير لجهود الحماية والإكثار في الأسر التي أطلقها المغفور له الشيخ زايد، تعتبر دولة الإمارات موطناً لأكبر عدد من المها العربي في العالم، وهناك أكثر من 3,000 رأس في المجموعات الخاصة التي تتم تربيتها في مناطق مختلفة من الدولة، حوالي الثلثين منها في إمارة أبوظبي. وتمثل أعداد المها العربي في الإمارات نسبة تزيد عن نصف أعداد المها العربي في العالم.

وعلى الرغم من الزيادة الكبيرة في الأعداد المحمية من هذه الحيوانات، إلا أن المها العربي لا تزال مصنفة كحيوانات مهددة بالانقراض بحسب القائمة الحمراء الصادرة عن الاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة، كما تم إدراجها في الملحق الأول من اتفاقية الاتجار الدولي بالحيوانات والنباتات المهددة بالانقراض منذ عام 1975.

الجدير بالذكر أن اللجنة التنسيقية لحماية المها العربي تأسست في يناير من عام 2000، وتأخذ على عاتقها دعم كافة المبادرات الرامية إلى الحفاظ على المها العربي بالتوافق مع المعايير الإقليمية وتنسيق الجهود بين دول الانتشار.