الحروب والصراعات لم تبدد التعايش الديني في سوريا

دمشق
دقات أجراس الكنائس تمتزج بصوت الآذان

تمتزج دقات أجراس الكنائس بصوت الآذان في المدينة القديمة بدمشق التي تعيش بها طوائف مسيحية ترجع جذورها الى ما قبل الحقبة الإسلامية بفترة طويلة.

وتقول مايسة رمان التي تدير فندقا مرمما في باب توما وهو حي يسكنه المسيحيون في المدينة القديمة "يرى المسلمون أنهم على حق ويرى المسيحيون أنهم على حق.. لكننا لا نتشاجر ولا يمنعنا هذا أن نكون جيرانا او أن نتعامل مع بعضنا بعضا".

ومسيحيو سوريا الذين تتراجع أعدادهم يعيشون في سلام مع المسلمين في دولة يعتبرها الكثير منهم ملاذا امنا في منطقة تشكو فيها الاقليات الدينية من مظالم كثيرة.

ويشعر البابا بندكت السادس عشر بالقلق على المسيحيين في منطقة الشرق الاوسط المعرضة لنشوب الصراعات الى حد أنه دعا أساقفة المنطقة الى الفاتيكان في اكتوبر تشرين الاول لبحث شكاواهم.

وتنحي وثيقة عرضها البابا يوم الاحد خلال زيارة لقبرص باللائمة على الصراع الاسرائيلي الفلسطيني وحرب العراق والانقسامات في لبنان وتزايد التيار الاسلامي في مصر في الاسراع بوتيرة الهجرة التي تقلل من الوجود المسيحي بالمنطقة.

ورغم أن المسيحيين في سوريا لا تواجههم نفس المشاكل التي تواجه أبناء دينهم في أماكن أخرى بالمنطقة فانهم يخشون أن تؤدي اي تداعيات للصراعات وصعود الحركات الاسلامية الى تقييد حرياتهم.

ويتمتع المسلمون والمسيحيون بحقوق متساوية هنا بخلاف مادة في الدستور تنص على أن يكون الرئيس مسلما.

كما يواجه أبناء الطائفتين نفس القيود على الحرية السياسية في بلد لم يعرف الا حكم حزب البعث منذ عام 1963.

وتقول وثيقة الفاتيكان دون أن تذكر سوريا بالاسم "في دول أخرى يجبر الاستبداد او النظم الدكتاتورية السكان بمن فيهم المسيحيون على تحمل كل شيء في صمت ضمانا لاستمرار أوجه العيش الضرورية".

وقال سامر لحام المسؤول عن الشؤون المسكونية ببطريريكية الروم الارثوذكس في دمشق لرويترز ان الحكومة السورية "تنحي الدين جانبا فعلا" مشيرا الى أن جوازات السفر وبطاقات الهوية لا توجد بها خانة للديانة.

وأضاف "العلمانية تلعب دورا مهما جدا وتمكن الاقليات من العيش في سلام وكرامة والتمتع بحقوقها. يسمح لنا ببناء كنائس ومعاهد ومدارس جديدة".

واستطرد قائلا ان المسيحيين يدركون أن بعض المتشددين الاسلاميين في أماكن أخرى ينشرون "التعصب والتطرف".

وأضاف "انهم في كل مكان.. في لبنان ومصر والاردن وبالتالي لا يمكن أن يتجاهل أحد الاتجاه" مشيرا الى أن المسلمين المعتدلين يشعرون بالقلق ايضا من الضرر الذي قد يلحق بالنسيج الاجتماعي.

وكان الرئيس الراحل حافظ الاسد والد الرئيس الحالي بشار الاسد قد سحق انتفاضة مسلحة قامت بها عناصر تنتمي لجماعة الاخوان المسلمين في أوائل الثمانينات. وانتشر التأثير الاسلامي في المجتمع منذ ذلك الحين - مثلما حدث في مناطق أخرى بالشرق الاوسط- وتسعى الحكومة الى استمالة القيادات الاسلامية المعتدلين.

ويخشى مسيحيو سوريا من أن يوصموا بالارتباط بالغرب الذي أذكى دعمه لاسرائيل وللغزو العسكري للعراق وأفغانستان العداء بين المسلمين.

وقال لحام "الجماعات المتعصبة التي تحمل اسماء دينية تشير الى ما حدث منذ 11 سبتمبر والحرب ضد العراق على أنها حرب بين المسيحية والاسلام.. بين الشرق والغرب."

وينتمي الاسد الذي تولى الحكم بعد وفاة والده عام 2000 الى الطائفة العلوية وهي أقلية في سوريا وقد أبدى اهتماما بالمسيحيين الذي دعموا بدورهم النظام البعثي العلماني.

وقال جوشوا لانديس الباحث المتخصص في شؤون الشرق الاوسط بجامعة أوكلاهوما "مسألة أن المسيحيين العراقيين باتوا هدفا لتحامل الاسلاميين فضلا عن اللصوصية والابتزاز اللذين أعقبا تدمير امريكا للنظام البعثي عام 2003 أبرزت حساسية الوضع بالنسبة للمسيحيين السوريين".

وأضاف "سوريا هي الدولة الوحيدة بالعالم الاسلامي التي تذكر فيها الكتب المدرسية التي تستعمل في حصص الدين بالمدارس الحكومية بلغة بسيطة أن المسيحيين مثواهم الجنة تماما مثل المسلمين".

ودرس الاسد وزوجته اسماء بمدرسة أنشأها وكان يديرها مسيحيون.

غير أن الطائفة المسيحية التي يعتقد أنها كانت تمثل عشرة بالمئة من سكان سوريا في الاربعينات تتضاءل. وقال لانديس ان احصاءات ابرشية جمعتها قيادات الكنيسة أشارت الى أن المسيحيين لا يمثلون الان سوى ستة بالمئة.

ويعود هذا التراجع الى تسارع وتيرة الهجرة وانخفاض معدلات الانجاب بين المسيحيين اكثر من المسلمين وهو اتجاه مرتبط بارتفاع مستويات التعليم والتمدن بينهم. والروابط العائلية مع الجاليات السورية المسيحية في المهجر تيسر على المسيحيين الذين يتطلعون الى الغرب العثور على أوطان جديدة في الخارج.

وقال لحام في بطريركية الروم الارثوذكس قبالة الشارع المستقيم بالمدينة القديمة "المشاكل الاقتصادية تدفع الكثير من الناس الى الرحيل .. ليس المسيحيون وحسب بل والمسلمون ايضا".

وتابع "أصبحنا أقلية أصغر كثيرا لكن هذا لا يعني الا نقدم اسهاما في المجتمع. معاهدنا ومدارسنا ومستشفياتنا وأبناؤنا المتعلمون يستطيعون المساعدة في تنمية المجتمع والحفاظ على التعايش في انسجام".

وقال مرهف جويجاتي استاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن بالعاصمة الامريكية ان البحث عن فرص عمل مناسبة هو السبب الرئيسي لهجرة المسيحيين رغم استفادتهم من الانفتاح الجديد في الاقتصاد السوري.

وأضاف "غير أن السوريين المسيحيين جزء لا يتجزأ من مسيحيي الشرق الاوسط وهم يشعرون بصعود شكل من الاسلام لم يألفوه من قبل".

وتدفق المهاجرين لا يصب كله في اتجاه واحد.

فقد عادت مايسة التي تدير فندقا الى دمشق على الرغم من أن عائلتها بالكامل انتقلت الى الولايات المتحدة عام 1986 .

وقالت "أحب الولايات المتحدة. كنا محظوظين للغاية بذهابنا الى هناك وابنائي امريكيون لكن حين يأتون الى هنا يشعرون بالاشياء الطيبة التي لدينا هنا ولا توجد هناك".

والعودة لشراء الفندق وتجديده غيرت اراء مايسة في سوريا التي اصطبغت بالحياة 20 عاما في امريكا.

وقالت وهي ترتشف الشاي بين أحواض الزرع في شرفة على سطح المبنى تطل على قبة كنيسة "لدينا موظفون مسيحيون ومسلمون. المسلمون يؤمنون بالقرآن ولا يؤمنون بأن يسوع الرب وانا لا أؤمن بالحجاب.

أضافت "لكنني أستطيع ممارسة الشعائر المسيحية واقامة صداقات والعمل مع بقية الناس الذين لا يؤمنون بما أؤمن به. هذا ما شعرت به هنا".