رسالة موؤودة إلى أبيها القاتل

بقلم: محمد أبوعبيد

كالثمل نكون أحياناً ونحن نكرر مصطلحات تجافي العقل والانسانية من دون أن نعيها.
فكم يتكرر مصطلح "جريمة شرف" والتي أسميها جريمة قرف، إذ يستنكر العقل أن يكون للجريمة شرف.
ولأن الحديث عن "جرائم القرف" جمّ ومتعدد، فإني هنا أتخيل من باب إيقاظ الضمير، أنّ فتاة عذراء عفيفة قتلها أبوها، أو أخوها، غدْراً لظنه في ارتكابها "فاحشة"، فيؤكد الطب الشرعي أنها عذراء وما كان الظن إلا من نزغ الشيطان، فقررت الموؤودة أن تخاطب أباها من لحْدها،فماذا عساها قائلة له.
أبي..وأقول أبي مكرَهةً لا لمعناها، بل كأداة مخاطبة لا أكثر.
فقد انسلخ معنى الأبوّة عنكَ حين تلطختْ كفكَ بدم ابنتك العفيفة المصون، وروّيت من دمي ظمأ القبور لمجرد أن وسوس الشيطان في صدرك فحرّضك ضد فلذة كبدك، فكانت سَوْرة غضبك أسرع إلى السكين حين قبضت عليه لتقطع به وريدي، وكنت أحسب أني أقرب إلى قلبك من حبل الوريد.
لقد نزغ لك الشيطان وأغرى، فارتكبت جريمة ظننتَها، يا من كنت أبي، فضيلة وكان همّك أن تحمي نفسك من ألْسن الناس، فلم تحمِها من غضب الله عليك ولعنته.
لقد ظننتَ، وبعض الظن إثم، أني خنتُ العهد الذي أردتَني عليه، فلم تتريثْ حين سقط إفك الناس وبهتانهم على أذنيك فكان ظنك حُكماً جائراً لا ترضاه السماء ولا الأرض.
واتخذتَ قرارك في أن تجعل مسكني قبراً بدلاً من أن تجعل لي مقعدا في جامعة.
ذبحتَني ولم تشفع لي عندك صرخات من يفصلها عن الموت سوى لحظات بينما تكاد السموات يتفطرن من صرخاتي وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا.
قتلتَني وأنا أودّعك قائلة بربي ما دنستُ العفةَ والشفةَ الطهرى...أو قال فمي يوماً عُهراً...لكنك لم تأبه لصرخات ابنتك المذبوحة على يديك فاتخذت من سكينك نيشاناً على صدرك ورجعتَ بأصابعك حُمْراً، تتمارى كما لو كنتَ تعبد اللات والعزى والشِعرى، وليس الله، وهو القائل "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً".
الآن وقد رجعتَ إلى بيتك ولم تقلْ لي قرّي عيناً في مثواك الضيق، فهل ستبعثُ من روح الموت وشاح الموت يلاحق ابنتك الأخرى!
هل هي ستقعد آمنةً..هل ستغفو ساكنةً..أم أنها ستوصي بائع أقمشة ليفصل ثوب الموت لها في انتظار أن تلحق بابنتك المغدورة نَحراً.
أما أنت، في أسوأ الحالات، قد تدخل السجن لأشهر أو لسنة أو سنتين فقط لأنك "مجرم شرف". فهل أدرك قضاؤكم الجائر أني ذُبحتُ جوراً وغدراً؟
أبي...ماذا ستقول إذا سألتْ صوري؟...ما عادت ترغب في الصور.
ماذا ستقول لها؟ هربتْ..رحلتْ..ماتت قدَراً..أم ستقول لها قُتلتْ بِكراً!..قل ما شئتَ يا أبي..لكنْ قل بِِكراً..والوعد بأن أدفن بين الأموات السر ولا أفشي لهم أن أبي هو قاتلي غدراً.
ماذا ستقول لأشيائي..ولمشطٍ عانق مرآتي...لثيبابٍ تنتظر العيد الآتي....ودفاترَ قد دونتُ عليها كلماتي.....وحكاياتٍ نسجتْها أمّي ساعة ميلادي.....أكملْها الآن وسجلْ تاريخ مماتي.

محمد أبوعبيد
mohammad.abuobeid@mbc.net