اجتثاث جديد ينتظر أطراف العملية السياسية في العراق

بقلم: نزار السامرائي

ثلاثة شهور مضت على عقد الانتخابات النيابية الأخيرة في العراق، وربما ستمر ثلاثة شهور أخرى قبل أن تتمكن أفراخ العملية السياسية من كسر قشرة بيضها والتي يبدو أنها سميكة أكثر مما ينبغي، ولتخرج إلى الهواء بحكومة جديدة ربما ستكون مجرد نسخة معدلة بالأسماء عن حكومات الاحتلال الأربع التي سبقتها.
المالكي والحق يقال يمتلك أقوى أسنان في تاريخ الدولة العراقية الحديثة ليعض على منصبه مهما كان الثمن الذي يدفعه الآخرون، حلفاء أو خصوم، المهم أن يبقى في منصبه وليغرق العراق في الطوفان الثاني من بعد نوح. أنفق المال العام وحرك أجهزة الأمن بكل أوصافها وأسمائها العلنية والسرية، لم يصب باليأس من تغير قواعد اللعبة مستندا على قياس خاطئ وهو أن المنصب كان قد جاءه لأول مرة ولم يكن زعيما لحزب، ولم يكن الحزب الذي ينتمي إليه حزب الأغلبية البرلمانية فلماذا لا يصل إليه المنصب نفسه هذه المرة وقد تكوّن تحت إمرته ائتلاف حصد بقوة الموقع الذي يشغله رئيسه 89 مقعدا في انتخابات دخل على خطوطها المال السياسي ودور الأجهزة الإدارية والأمنية، ومع ذلك كانت تلك النتائج صدمة للمالكي، فقد تصور أنه سيحصد أغلبية مريحة تكف عنه ذلك استجداء الحلفاء من هنا وهناك وراهن كثيرا على الاستغناء عن حلفاء الأمس الذين جاءوا به عن استحقاق لمنصبه أو دون استحقاق.
كان وصول المالكي إلى رئاسة الوزراء عام 2006 ضربة حظ لم تمر على خاطره يوما، ولكنها أدت إلى انقسام حزب الدعوة وخروج إبراهيم الجعفري وبعض المقربين منه من الحزب، ولتنشأ أعمق عداوة بين حلفاء الأمس لم تجد كل المحاولات لجمع رأسيهما على وسادة واحدة إلا بعد انتشار الحديث عن تحالف بين دولة القانون والوطني العراقي، وحتى حينما التقى حلفاء الأمس كانت الأيادي وهي تتصافح تخفي الكثير من أسى السنوات الأربع الماضية. فالمالكي انفرد بالحكم وأقصى حلفاءه من مركز صنع القرار وبدأ يقضم من جرف أقرب مساعديه ويحولهم إلى مجرد واجهات مفرغة من أي دور أو مضمون، فأصبحت قاعات اللقاءات بين من يراد لهم إعادة الروح إلى الائتلاف الموحد، أشبه ما تكون بمجالس عزاء تفوح في جنباتها رائحة الغدر الذي يراد تغليفه بقبلات يابسة تفرضها كاميرات الفضائيات القريبة والمحايدة أو تلك التي تتصيد فرصة الوثوب إلى رصيد أعلى عند المتلقي.
هذه التجربة المرة التي خاضها من صدق بنوايا المالكي في المرة الأولى، جعلت من المستحيل مجرد التفكير بمنحه فرصة العودة لرئاسة الحكومة، ربما سيحاول في الأيام أو الأسابيع أو حتى الأشهر الأولى، تمثيل دور من لن يبت بقرار دون تشاور مع الشركاء، ولكنه وهو يفعل ذلك سيخالف المشورة متأسيا بالقول المأثور "شاوروهن وخالفوهن"، ولن يتورع عن نزع القفاز الحريري واستعارة يد حديدية والتلويح بها بوجه الحلفاء والخصوم على حد سواء، وتجربة حكمه تنبئ عن مشاهد ومواجع لا تخطئها العين أو الأذن، ولا أحد يفهم كيف يريد المالكي من التيار الصدري أن يمنحه فرصة جديدة بعد أن جرت بين الطرفين جداول من الدم وتكدست أكوام من الجماجم؟
المالكي ذهب إلى القضاء وأركبه في المقاعد الخلفية من عربة السياسة، وسخره بقوة الوعد والوعيد أن يمتثل لما يشاء من مواقف، وجند الهيئة المسماة جوازا بالمساءلة والعدالة أن تنبش الملفات القديمة وتستخرج منها ما يساعده على أن يكون صاحب الحظ في تخطي المنافسين. وتنوعت المبادرات والأفكار المستوردة، ولكن سوء الطالع ثوى في كرادة مريم ولم تنفعه نجدات الكرادة الشرقية، التي جاءت على شكل مؤتمرات صحفية أو لقاءات تلفزيونية تحاول تعويض صراحة اللقاءات المغلقة، وبعد أن قلب دفاتره القديمة كلها لم يجد فيها الترياق ولكنه لم يفقد الأمل وهذه مزية تحسب له في حب الملك ولو على حساب الكرامة.
فهل يتوقف المالكي عن الأمل في أن يكون الحاكم المطلق لبلد عصي على التطويع وخاصة بعد أن صادقت المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات؟ وإذا أحس سياسي ما أنه منبوذ إلى هذا الحد، أليس من الحكمة أن يحمل عصاه ويرحل. هذا في حال كانت عنده عصا. أما الحكمة فلا حاجة لأحد من سياسي الاحتلال الأميركي أن يتزود بشيء منها، فما أقصر رحلة هؤلاء وأن طال أمدها. نزار السامرائي