شاعرة عراقية: متلقي الأمس كان مزاجه أكثر انضباطا

حاورها: بسام الطعان
الخطايا الجميلة

شاعرة وصحفية عراقية من مدينة السليمانية، مقيمة في هولندا، حاصلة على بكالوريوس فلسفة - كلية الآداب جامعة بغداد، عضو اتحاد الصحفيين العالميين عضو في حركة شعراء العالم، حاصلة على عدة جوائز أدبية، ولها عدة كتب ودواوين شعرية. * إلى جانب الشعر تكتبين المقالة والريبورتاج الصحفية، وتعملين مذيعة ومحررة ومقدمة برامج، وأيضا ناشطة في العمل التطوعي، لماذا كل هذا، وما هدفك أو رسالتك من وراء ذلك، ثم إلا يسهم هذا في إضعاف المبدعة التي في داخلك؟ ـ لست أمارس كل هذا في وقت واحد، ربما قرأتم سيرتنا الذاتية، كان هذا كله بالتدريج، فقد كانت بدايتي مع العمل الإعلامي في التلفزيون مذيعةَ أخبار باللغة العربية ومعدة برامج ومترجمة، وبعد ذلك مقدمة برامج في الإذاعة. ثم تركت العمل الإعلامي وتوجهت إلى الصحافة المكتوبة، مراسلةً لصحيفة "الإتحاد"، أيضا باللغة العربية، في كوردستان. وبعد أن تركت كردستان، أعمل الآن عملي صحفية مستقلة، وأكتب المقالة. هذا كل شيء.
أما من حيث الإبداع، طبيعي جداً أن الجمع بين عدد من المجالات يترك أثرا سلبياً على المستوى الإبداعي، وتمكنت بقدر معقول أن أتجنب هذه الحالة، وحالياً أمارس الصحافة بشكل مستقل، وأكتب القصيدة.
* أيهما أنت، الشاعرة؟ الكاتبة؟ المذيعة؟ الناشطة؟
ـ العمل الإعلامي هواية بالنسبة لي، النشاط في مجال حقوق المرأة وقضية جرائم الإبادة الجماعية (الأنفال) هي قضيتي التي من خلالها أخدم بلدي. أما أحب صفة إلى نفسي هي صفة شاعرة، أشعر أنني كائن آخر، الكاتبة بداخلي تحمل هم وطني وقومي، أما الصحافة فإني أحياناً أعتاش منها وهي المهنة القريبة إلى نفسي وشخصيتي ولا أعرف أزاول أي مهنة أخرى غيرها. * أغلب الكتاب والمبدعين يخافون الاقتراب من المسائل الحساسة، وإذا حاول أحدهم ذلك، فأنه يُهاجَم بضراوة فلا يجد أمامه سوى الابتعاد والعيش في بلد آخر، هل هذا ينطبق عليك؟ ـ قطعاً، فقصة غربتي مختلفة تماماً والدليل أن الكثيرين يتصورون أنني مقيمة في كوردستان، وذلك بسبب حضوري الدائم على صفحات الجرائد والمجلات وسفري الدائم إلى هناك، للمشاركة في المناسبات والمؤتمرات، بالعكس تماماً ربما كنت أنا الكاتبة الكوردية الوحيدة التي بقدر ما لها من حضور مكثف في الوسط الثقافي الكتابي في كوردستان، لها أيضاً حضور بنفس الكثافة في الوسط الكتابي العربي، وتعرضت باستمرار إلى الهجوم والمعاداة، لكن هذه الحملات تزيدني حماساً وإصراراً أكثر وأتيقن أن ما أنا بصدده يترك أثره الفعال، وأسعد لذلك كثيراً. أما قضية ابتعادي وإقامتي في الغربة، فتلك قصة أخرى. وقد انتشرت أكثر بعد أن تركت كوردستان، وزاد إنتاجي الكتابي. * هل أنت جريئة في كتاباتك، وما مدى هذه الجرأة، ثم أليس من الأفضل والأجمل أن يكون المبدع جريئا؟ ـ تتفاوت الجرأة وأشكالها من شخص إلى آخر، وهي ليست ميزة بقدر ما هي محاولة للوقوف ضد الفاسد والخطأ، وبالمناسبة التجريح والتشهير لا يندرجان تحت خانة الجرأة بمعناها الصحيح. الجرأة أصبحت تأخذ قوالب أخرى غير تلك التي كنا نفهمها، الآن أصبحت الجرأة تدخل باب الإستعراض أحياناً وأحياناً تستخدم في غير محلها ولغرض التجريح والتشهير وإيذاء الغير، وهذا الشيء مرفوض عندي، الجرأة ليس في جرح الآخر وخدش الحياء، وإنما الجرأة عندي تعني أن تأتي بالجديد، والجرأة هي ليست في الكتابة بقدر ما هي في الفعل وتطبيق ما نكتبه.
لا أسهل من الكتابة، ولا أصعب من الفعل، والأصعب أن نكتب ما نحن نفعله أو نمارسه بجرأة على أرض الواقع، وليس العكس.
وبطبيعة الحال في مجتمعنا الشرق أوسطي المتخلف والمنغلق على أفكار متخلفة يعتبرون المرأة الجريئة امرأة غير مرغوب بها، ويعتبرونها خارجة على الموروث والمجتمع والدين، وهي بنظرهم، تستحق اللعنة.
وأكثر ما يقلقني هم الكتاب الذين يتشدقون بالآراء الكبيرة والتي تندرج تحت خانة الجرأة لكنك لا ترى لهم أي تطبيق على أرض الواقع. فمثلاً عندما أخاطب عقلية متخلفة في كتاباتي، يجب أن أواجهها أيضاً على أرض الواقع بالفعل، وهذا الشيء لا ألمسه لدى الكثير من الكتاب. وفي هذا المجال لا أحب أو تركت الكتابة الإلكترونية، لأن المجال الإلكتروني مجال خصب للتعبير الحر والجرأة الفارغة، وهو مجال للنشر المستعار، والأسماء الوهمية التي تخفي نفسها، فليس من الجراءة أن أتجرأ وراء اسم مستعار، يجب أن أواجه الواقع المتخلف على أرض الواقع بنفسي وهذا ما أحاول أن أجسده كإنسانة. * قضيتك الأولى في كتاباتك الأدبية والسياسية، ما هي؟ ـ قضيتي الأولى في كتاباتي هي قضية إنسان، قضية إنسان عاش الظلم والقهر والقمع، وهو اليوم يعيش نفس الوجع لكن تحت مسميات أخرى. قضيتي هي خلاص هذا الإنسان من ظلم نفسه لنفسه. قضيتي هي قضية فئة من الناس، إما كان ضحية جرائم الإبادة الجماعية ونجى منها أو أنه أحد ذوي وأهالي ضحايا تلك الجرائم، هؤلاء الذين عندما تزورهم حيث يقطنون، تشعر أنك في كوكب آخر، كوكب منسي. * لك ديوان باللغة الكردية عنوانه "الخطايا الجميلة" لماذا اخترت هذا العنوان، وهل اللغة الكردية لها قراء كثر؟ فأنا أعلم أن أغلب الشعب الكردي لا يتقن لغته كتابة وقراءة؟ ـ أحب أن أصحح معلومة صغيرة، وهي أن الشعب الكردي يتقن لغته قراءة وكتابة، خصوصاً أكراد جنوب كوردستان (كوردستان العراق)، لكنهم يكتبونها بالحروف العربية، وأكراد الشمال (كوردستان توركيا) محرومون من استخدام لغتهم، لكنهم يكتبونها و يقرؤونها، وكذلك الحال بالنسبة لأكراد سوريا وإيران، هذه الحالة تتبع الوضع السياسي والأنظمة السياسية الحاكمة في المنطقة وإلى أي مدى تهتم باللغة الكردية التي يتحدث ويكتب بها أكثر من خمسة وثلاثين مليون إنسان في العالم. وللكورد ميثولوجيا غنية مكتوبة أيضاً بلغته الغنية.
أما عن عنوان ديوان "الخطايا الجميلة"، فهذا العنوان هو نفسه عنوان قصيدة في الديوان. * تتقنين الإنكليزية والهولندية أيضا، فهل تكتبين بهاتين اللغتين، وما اللغة التي تعتبرينها الأقرب إليك؟ ـ أكتب أكثر باللغتين العربية والكردية، واللغة الهولندية أكتب بها لكنني لا أستطيع التفكير بها، ولا حتى الإنكليزية. أقرب لغتين إلى نفسي هما الكردية والعربية. والعربية لغة غنية جداً أحبها كثيراً وهي عبارة عن بحر أسبح به كما أشاء عندما أكتب بها. * هل للكتابة ـ أياً كانت هذه الكتابة ـ فائدة إذا لم تعالج من خلالها هموم الإنسان العادي؟ ـ الكتابة في اعتقادي الشخصي فعل خال من الجدوى، إن لم يقترن بالفعل، فما جدوى ممارسة اللاجدوى إن لم أطبق ما أدعو إليه. فمن غير الممكن أن أكتب عن الفساد مثلاً إن لم أقترح آلية للحد منه، وإن كنت أقف بعيدة عن الأحداث ولا أشارك في التغيير. الكتابة يعني ممارسة فعل التغيير على أرض الواقع، والكاتب الذي يكتب فقط، سرعان ما ينتهي بسرعة ولا يترك أي أثر بعده.
* كشاعرة وكاتبة وصحفية، ما العالم الذي تريدين أن ترسميه للآخرين؟
ـ من الصعب جداً أن أحدد لك ملامح العالم الذي أريد أن أرسمه للآخرين، لأن الصور التي يتخيلها الشاعر تكون دائماً غير مرغوب بها عند الآخر خصوصاً (التقليدي). والصور عند الشاعر متغيرة باستمرار، فالعالم الذي أحلم له عالم يتغير باستمرار وفق تطورات العصر، فأنا أتطلع دائماً إلى عالم مثالي لا يوجد فيه مكان للكره والضغينة، عالم يحارب الفساد بشكل خاص، الفساد بكل أنواعه، خصوصاً السياسي والإداري. * تاريخ الأدب الكردي حافل بأسماء كبيرة من الشعراء الكرد أمثال: علي حريري، ملا أحمد الجزيري، أحمد ملا باتي، أحمد خاني، جكر خوين.. الخ، وكلها أسماء تستحق التقدير والاحترام، ولكن هل يوجد شاعر كردي يمكن أن يقال إنه مثل هؤلاء الكبار، أم أن الشعر الكردي توقف عندهم؟ ـ هناك أسماء لشعراء كبار أمثال فائق بيكة س، أحمدي خاني، كوران، هيمن، أحمد هردي، شيركو بيكة س، جمال غمبار، دلاور قرة داغي.. وآخرون. الشعر الكردي لم يتوقف، فهو يمر بمراحل في تأريخ الأدب الكوردي، شأنه شأن الأدب التركي والعربي والفارسي وغيره من آداب المنطقة، إنما نفتقر إلى التعريف بهذا الأدب الغني. نفتقر للمتلقي العربي والفارسي والتركي لكي يطلع عليه مثلما المتلقي الكردي مطلع على آداب المنطقة كلها. * القصيدة الكردية (التي تكتب باللغة الكردية)، هل تعاني من صعوبات، وهل ترتقي إلى مستوى القصيدة العربية؟ ـ بطبيعة الحال هناك فرق بين القصيدة الكردية والقصيدة العربية، كما هنالك فرق بين القصيدة العربية والقصيدة العربية، وهي ليست قضية ارتقاء إلى مستوى البعض، لأن بنظري ليست هناك لغة أرقى من لغة أخرى، فلكل لغة خاصيتها، وبالتالي للموروث الثقافي والاجتماعي وحتى السياسي سمات، تؤثر في تحديد خصائص ومقومات القصيدة في اللغة التي تكتب بها.
من أهم أدوات القصيدة هي اللغة التي تكتب بها، ومن أهم ما يحتاجه الشاعر مستوى لا بأس به من الإلمام بأسرار اللغة وأن يكون متمكنا منها، بالقدر الذي يمكنه من احتواء صوره الشعرية وأحاسيسه الشعرية وتقلباته العاطفية، بحيث تتمكن اللغة من احتضان كل هذا لكي ينتج الشاعر قصيدته.
بالنسبة لي شخصياً تختلف قصيدتي الكردية عن قصيدتي العربية، تبعاً لاختلاف خصائص وسمات اللغة التي أعبر بها، هذا الشيء الذي يترك أثره المباشر في الصور الشعرية، فهناك صور شعرية تقال باللغة الكردية لا تقال بالعربية، وصور أخرى شعرية تقال في اللغة العربية ولا تقال في الكردية. هذه هي القضية.
القصيدة الكردية تحمل صفة الملحمية والميل إلى النفس الأسطوري. وهي بالمناسبة أكثر جرأة مثلاً في وصف المرأة والحالة العشقية، يحوي جانب إيروتيكي كبير. في قصائدي باللغة الكردية كثيراً ما أوظف الحالة العشقية في خدمة قضية قومية، أو أوظف مفاهيم سياسية بين سطور قصيدة عشقية. وهذه الحالة قل ما أجدها في قصائد بلغات أخرى. * هل تبشر التجارب الشعرية للجيل الجديد بآفاق خيّرة؟ ـ الشعر الآن لا يقاس مثلما كان يقاس سابقاً، لا يقاس بالشكل التقليدي. فالشعر الآن يرفض الهوية، يرفض الحدود السياسية والجغرافية، وحتى يرفض القوافي والنظم والأعراف، الشعر الآن يسافر بأجنحة لا لون لها ولا أرض لها. الشعر الآن يبحر داخل النص المفتوح وقصيدة الصورة. لكنني أرى حالة أخرى تقلقني وهي تقلب ومزاجية المتلقي، فالمتلقي لم يعد يتذوق الشعر كما كان من قبل، فأنا أحب الشعر نفسه بثوبه الحديث، لكنني أحب متلقي الأمس لأن مزاجه كان أضبط، وكان يتذوق القصيدة بكل جوارحه.
الشعر العربي المعاصر في تطور، مرحلة انتقالية، مرحلة يحاول فيها أن يتخلص من القوافي، ولكنه يريد متلقي يتقن فن القراءة وفن البحث عن النص الجميل ويتقن فن التذوق. ففي الندوات لا تجد مستمعي الشعر، لكنك تجدهم كلهم يرقصون للأغنية، لكن ليس بإمكانهم الجلوس لنصف ساعة والإستماع إلى قصيدة. * الكرد لهم خاصية في الفلكلور، كالدبكات والموسيقى والأغاني والأزياء والعادات الاجتماعية الموروثة، ما مدى استفادتك إبداعيا من هذا الفلكلور الجميل؟ ـ بطبيعة الحال هذه كلها أدوات تغني الشاعر والكاتب بشكل عام، على الشاعر أن يكون ملماً إن لم يكن بكل، لكن بمعظم موروثه الثقافي، من فولكلور، موسيقى، دبكات وأزياء، وأن يتذوقها ويوظفها في القصيدة وإبداعاته إجمالاً. والعادات الإجتماعية تحدد جانبا مهما من شخصية الكاتب والشاعر، وتجد آثار هذا في إبداعاته وإنتاجه الإبداعي. * إذا كانت لغة الخطاب في القصيدة الحديثة تقترب من لغة الكلام الحية التي يتكلمها الإنسان العادي في واقعه، هل يمكن أن نسمي هذه القصيدة شعرا؟ ـ كما أشرت في جوابي السابق، القصيدة الآن ترفض القوافي والنظم الشعرية، نحن الآن أمام نص مفتوح، هو القصيدة، وهذا لا يعني أن الشعر أصبح يشبه لغة الكلام العادية، وإنما قد يكون الشعر ارتقى واقترب من الإنسان بشكل حميمي أكثر، بحيث حوّل لغة الكلام إلى شعر. وليس العكس. * يقول البعض يجب أن يخلي الكلاسيكيون أمكنتهم لشعراء الحداثة؟ ـ ليس صحيحا، لأن الشعر في النهاية إبداع، وهذا الإبداع يمر بمراحل معينة، والكلاسيكيون كانوا المرحلة التي قبلنا، وتعلمنا على أيديهم الكثير، وشعراء الحداثة لا يمكن أن يجلسوا مكان الكلاسيكيين، وإلا فلن يكونوا حداثيين، ولن يترك الكلاسيكيون مكانهم لشعراء الحداثة، لأن شعراء الحداثة ليسوا خلفهم. هذه مراحل تطور الشعر، وكل جديد هو حديث، من يدري ماذا سنسمي المرحلة التي ستأتي بعد الحداثة.