العراقيون يدفعون فواتير خدمات لا وجود لها!

بغداد
بلاد الفساد الحكومي

ينفرد العراق اليوم بواقع هو الوحيد من نوعه في أرجاء المعمورة، ففي كل بلدان العالم تتولى الحكومات تقديم الخدمات الأساسية للمواطن من ماء وكهرباء وهاتف وأحيانا تسند هذه المهمة للشركات التجارية في البلدان التي تشهد خصخصة قطاع الخدمات، وفي النهاية يكون المواطن ملزم بدفع فواتير محددة للحكومة او الشركات، اما المواطن العراقي فأنه مجبر على دفع هذه الفواتير مرتين، الأولى للحكومة من اجل بضاعة لا وجود لها في ارض الواقع والثانية للجهات الأهلية التي تقدم هذه الخدمات مقابل أثمان باهظة ينوء تحت كاهلها السواد الأعظم من الشعب العراقي.
وكان الشعور بالمرارة هو الإحساس الذي انتاب محسن النعماني لدى قراءته خبرين في إحدى الصحف المحلية يشير الأول إلى عزم وزارة الكهرباء رفع سعر التعريفة الكهربائية إلى الضعف، في حين يؤكد الخبر الثاني استيراد مجموعة كبيرة من مقاييس الماء لضمان احتساب أجور استهلاك الماء، والخبران يؤكدان تركيز الحكومة على جباية أجور الخدمات المتهالكة أكثر من عملها على تحسين هذه الخدمات التي أصبحت مصدر القلق والمعاناة للعوائل العراقية.
وينفق النعماني 75 ألف دينار شهرياً لشراء 5 امبيرات كهرباء تكفيه لتشغيل الحد الأدنى من الأجهزة الكهربائية في منزله، إلا إن هذا المبلغ تضاعف مع قدوم شهر الصيف ورفع التسعيرة من قبل أصحاب المولدات الأهلية الذين لا يكفون عن الشكوى من ارتفاع أسعار الوقود وقطع الغيار اللازمة لإصلاح المولدات، في حين يتوجب عليه دفع فاتورة الكهرباء الحكومية المفقودة طوال اليوم والتي لا تقل عن 5 ألاف دينار شهرياً في أحسن الأحوال.
وسبق لوزارة الكهرباء خلال السنوات الماضية ان قدمت عدة تعهدات على تحسين واقع التيار الكهربائي ليصل الى تجهيز المواطن بـ12 ساعة يومياً، غير ان هذه التعهدات سرعان ما تتبخر مع أول ارتفاع في درجات الحرارة.
وبعيداً عن التصريحات الرسمية فان المهندس الكهربائي علي لازم لا يجد إي سبب مقنع ومنطقي في تردي هذا القطاع، مشيراً إلى ان العراق لم يشهد مثل هذه الأزمة الخانقة في الفترة التي سبقت الاحتلال الأميركي.
وعمل لازم في إعادة تأهيل شبكة الكهرباء العراقية بعد حرب 1991 والتي كانت أضرارها أضعاف ماحصل في الحرب الأخيرة، ومع هذا فأن التيار انتظم بعد ستة اشهر من نهاية الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق عقب دخوله الكويت.
ويؤكد لازم في حديث لـ(دار السلام) ان خبرته الطويلة بمنظومة الكهرباء العراقية تمكنه من القول بان المشكلة لا يمكن ان تكون اقتصادية او تقنية لان الشبكة الحالية هي امتداد للشبكة السابقة والتي كانت تجهز جميع المحافظات العراقية بالتيار الكهربائي وبتفاوت بسيط عن العاصمة بغداد.
وبالرغم من ان جميع العراقيين تضرروا من زيادة الانقطاعات الكهربائية وخصوصاً أصحاب المهن التي تعتمد بشكل أساسي على التيار الكهربائي، إلا إن فئة الطلبة هي الضحية الأكبر لهذا الداء، خصوصاً مع تأديتهم للامتحانات النهائية في هذه الأيام حيث لجأ العديد منهم إلى الساحات العمومية التي تتوفر فيها الإنارة المستمرة بالإضافة إلى المساجد التي تعتمد على جمع التبرعات من جل شراء الوقود اللازم لتشغيل المولدات وتوفير الإضاءة والتبريد للمصلين.
ولا يشكل شراء الكهرباء مصدر الاستنزاف الوحيد لراتب النعماني البالغ 400 ألف دينار شهرياً، فتلوث ماء الإسالة وكثرة الأمراض المنتقلة بواسطته، فرضت على اغلب العراقيين شراء عبوات الماء المعقم من اجل الشرب والطبخ والإبقاء على الماء الحكومي لأغراض الغسل فقط.
وبموازاة فاتورة الماء الرسمية التي لا تقل عن مثيلتها المخصصة للكهرباء، فأن النعماني يدفع مبلغ يصل إلى 50 ألف دينار شهرياً لشراء الماء المعقم ويمنع أفراد أسرته من شرب الماء العادي، مؤكداً ان هذا المبلغ يعد زهيداً جداً، مقارنة بعلاج اي حالة مرضية ناجمة عن ماء الإسالة الملوث.
وتعد تجارة بيع المياه المعدنية واحدة من انجح المهن في العراق حيث الإقبال عليها مرتفع جداً وبكثافة متساوية في جميع المحافظات، بالإضافة إلى إن هامش الربح فيها يفوق الكثير من السلع الضرورية.
وفي مفاجأة من الوزن الثقيل تسلم النعماني قبل أيام فاتورة الهاتف الأرضي المعطل منذ عام 2003 تطالبه بسداد مبلغ 700 ألف دينار متراكم منذ سبع سنوات بالرغم من عدم استخدام هذا الجهاز الذي أصبح جزء من ديكور اي بيت عراقي، ولم تفلح محاولته في إلغاء اشتراكه في الهاتف الأرضي وتبرعه به لدائرة الاتصالات، اذ اخبره الموظف المسؤول ان هذا العمل لن يعفيه من سداد المبلغ المترتب بذمته.
وتحول قطاع الاتصالات في العراق بشكل كامل إلى شركات الهاتف النقال التجارية، بعد الموت غير المعلن للهواتف الأرضية، ولم تفلح المطالبات العديدة بضرورة تأسيس شركة نقال وطنية في إنقاذ جيب الفرد العراقي من الاستنزاف المتواصل على يد عمالقة الاتصال العالمي.
ولا يمكن الحديث عن الخدمات في العراق دون التطرق إلى موضوع الحصة التموينية التي انكمشت بصورة تدريجية خلال السنوات الماضية وتقلصت مفرداتها بالتعاقب ولم يبق منها سوى الاستمارة التي تعد وثيقة مهمة وضرورية لانجاز إي معاملة رسمية.
وبعد ان كانت الحصة التموينية تغطي حاجة اغلب أفراد عائلة النعماني من المواد الغذائية ومقابل ثمن رمزي، فان رب الأسرة يجد نفسه اليوم مضطراً لشراء هذه المواد من الأسواق التجارية التي تشهد غلاء متزامن مع غياب السلع الغذائية المدعومة حكومياً.
ويؤكد الخبير الاقتصادي علاء الدين الاعظمي في حوار مع (دار السلام) ان جميع الخطط الاقتصادية للحكومات المتعاقبة بعد سقوط النظام السابق لم تفلح في تأمين حصة شهرية متكاملة ولو لمرة واحدة، وان المواطن استمر في دفع أموال ليست قليلة مقابل مفردات غذائية لا وجود لها إلا في نشرات وزارة التجارة.
وبعيداً عن الاعتبارات السياسية فأن الاعظمي لا يستطيع تبرير كيفية تأمين النظام السابق لأغلب مفردات هذه البطاقة ومن نوعيات جيدة في وقت منع العراق من تصدير نفطه بصورة كاملة، في حين أصيبت هذه الحصة بالشلل التام في الوقت الحالي بالرغم من استئناف عملية تصدير النفط وبمستوى فاق جميع دول منظمة أوبك وفي ظل موازنة ضخمة دعت كثيرا من الاقتصاديين الحكوميين إلى تسميتها بـ(الانفجارية) .