عندما يبحث العرب مجددا... عن بطل!

بقلم: خيرالله خيرالله

البحث العربي مستمر عن بطل. هناك صمود عربي حقيقي وتمسك بفكرة البطل- المنقذ الآتي على حصان ابيض. في المخيلة صورة لبطل ما يأتي ويخرج العرب بقدرة قادر من وضعهم الراهن. ينام عشرات الملايين كل ليلة، من المحيط الى الخليج، وهم يحلمون بانهم سيستفيقون على ولادة بطل. ليس هناك من يريد ان يسأل، ولو من باب الحشرية، لماذا العرب الآن في وضع لا يحسدون عليه ولماذا الحاجة الحقيقية الى مسؤولين يتعاطون مع الواقع بدل الهرب منه الى الشعارات. تكمن المشكلة على الارجح في غياب الرغبة - حتى لا نقول الشجاعة - في تسمية الأشياء باسمائها. على سبيل المثال وليس الحصر، ليس هناك من يريد ان يسأل لماذا لا علاقة للعرب بالثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم مثلما انه لم تكن لهم في يوم من الايام علاقة بالثورة الصناعية، لماذا لا علاقة لهم بالبرامج التربوية الحديثة، لماذا لا يجرؤ مسؤول كبير ويتحدث عن أخطار النمو السكاني غير الطبيعي، خصوصا في بلدان عربية فقيرة؟ لماذا لا يتجرّأ سوى عدد قليل من الزعماء العرب على التطرق الى أوضاع المرأة التي تشكل في نهاية المطاف نصف المجتمعات العربية؟
حسنا، وفّق العرب اخيرا ببطل وطرأ تدهور على العلاقات التركية - الاسرائيلية. ما الذي سيترتب على ذلك... والى اي مدى يمكن لتركيا ان تذهب في المواجهة مع حكومة بنيامين نتانياهو التي يبدو كل همها محصورا في تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. اسم البطل الجديد تركيا التي تحدت اسرائيل وقررت فك الحصار عن غزة. ماذا كانت النتيجة؟ سقط تسعة قتلى من المواطنين الاتراك الذين كانوا على احدى سفن "اسطول الحرية" بعدما لجأت اسرائيل الى القوة. ارادت تأكيد اصرارها على متابعة حصارها لغزة بحجة وجود اسير لها في القطاع من جهة ورغبتها في تفادي تحولها الى ميناء ايراني من جهة اخرى. ماذا بعد، هل نام اهل غزة بطريقة افضل في تلك الليلة التي تلت المحاولة التركية لفكّ الحصار؟
في كلّ مرة وُفَق العرب ببطل، كانت الكوارث. في اساس ما يعانون منه حاليا كارثة البحث عن بطل في مرحلة ما بعد النكبة في العام 1948. كانت سلسلة الانقلابات العسكرية بداية التدهور المستمر للمجتمعات العربية انطلاقا من سوريا. هذا التدهور بلغ ذروته في مرحلة ما بعد العام 1956 عندما صعد نجم جمال عبدالناصر اثر دحر "العدوان الثلاثي" بفضل الولايات المتحدة... فعثر العرب اخيرا على بطل اخذهم الى كارثة حرب 1967 مرورا بكوارث اخرى لا تقل اهمية عنها، على رأسها الانقلاب العسكري في العراق في الرابع عشر من تموز/يوليو 1958. كان هذا الانقلاب الدموي، الذي استهدف الهاشميين، بمثابة الخطوة الاولى على طريق تمزيق المجتمع العراقي ووصول العراق الى ما وصل اليه اليوم...
لا حاجة الى تعداد اسماء كل "الأبطال" الذين لجأ اليهم العرب معتقدين انهم سيأخذونهم الى مكان ما افضل. بعد جمال عبدالناصر، صفقوا طويلا لآية الله الخميني في العام 1979 معتقدين ان ساعة الخلاص من اسرائيل اقتربت وهم لا يدرون ان عين الخميني كانت على العراق وعلى دول الخليج العربي وعلى لبنان والجزر الاماراتية الثلاث. وصفقوا طويلا لصدّام حسين، خصوصا في مرحلة ما بعد ارتكابه جريمة غزو الكويت. لم يكن معروفا من اغبى من الآخر. هل صدّام اكثر غباء من الذين نزلوا الى الشارع دعما لمشروعه الانتحاري فصدّق ان هذا الجمهور يمثل شيئا... ام ان جمهوره، الذي اختفى فجأة بالطريقة نفسها التي ظهر فيها، يتفوق في غبائه على صدّام نفسه؟
وصفقوا طويلا قبل ذلك لأبطال الثورة الفلسطينية الذين ساهموا مع غيرهم من لبنانيين وغير لبنانيين في ارتكاب ابشع الجرائم في لبنان، بما في ذلك الدخول في لعبة الصراعات الطائفية وتغذيتها. حاولوا قبل ذلك تخريب الأردن لاسباب لا تزال مجهولة... او ربما معروفة اكثر من اللزوم. وصفقوا طويلا لـ"حزب الله" قبل ان يدركوا انه ليس سوى ميليشيا مسلحة يمكن ان تأخذ لبنان والمنطقة الى كارثة في اي لحظة...
لا داعي لتعداد الكم الهائل من "الأبطال"، او اشباه الأبطال، الذين صفق لهم العرب باسم "المقاومة" احيانا وباسم "الممانعة" في احيان اخرى كثيرة متجاهلين ان مشاكلهم الحقيقية في مكان آخر. ربما اكثر ما تجاهله العرب الباحثون عن بطل، قد يأتي وقد لا يأتي... والأرجح انه لن يأتي، ان الإنجاز الوحيد الذي حققوه في السنوات الستين الماضية يتمثل في احتواء اسرائيل وابقائها في عزلة تامة. لم تستطع اسرائيل اختراق اي دولة عربية او اي مجتمع عربي على خلاف قوى اقليمية اخرى لعبت على الوتر الطائفي والمذهبي واستغلته سياسيا الى ابعد حدود... فوصل تدخلها الى اليمن.
في استطاعة التركي، أكان رجب طيب اردوغان او عبدالله غلّ او احمد داود اوغلو، المزايدة على العرب قدر ما يشاء في موضوع غزة. سيجد الإيراني بالمرصاد له، خصوصا ان طهران نجحت الى حد كبير في خطف القضية الفلسطينية واللعب على الانقسامات الداخلية وكانت لها اياد بيضاء في مجال تكريس القطيعة بين الضفة وغزة. في حال كانت تركيا تريد تأدية خدمة للفلسطينيين وقضيتهم، فان الخطوة الأولى في هذا المجال تفترض ابتعاد رئيس الوزراء اردوغان عن كلام من نوع ان "غزة بالنسبة الينا قضية تاريخية... وسنكون حازمين حتى رفع الحصار عنها ووقف المجازر والإقرار بحصول إرهاب دولة في الشرق الأوسط".
لا يختلف اثنان على ان اسرائيل تمارس ارهاب الدولة. لكن المنطق يقول ان غزة ليست قضية تاريخية في اي شكل. على من يريد خدمة غزة واهلها المساعدة في انهاء الوضع الناجم عن انقلاب "حماس" على السلطة الشرعية الفلسطينية. انها الخطوة الاولى في اتجاه رفع الحصار الظالم الذي تفرضه اسرائيل على القطاع. التركيز على غزة يخدم اسرائيل وحكومة بنيامين نتانياهو. الموضوع ليس موضوع غزة والحصار الذي يتعرض له القطاع بمقدار ما انه موضوع كيفية لعب تركيا لدور يتجاوز عقدة ان على الإخوان المسلمين الذين يحكمونها حاليا دعم "الإخوان" المنتمين الى "حماس" في غزة وذلك خشية ان يسقط الجميع في الحضن الايراني. مثل هذا الدعم سقوط في الفخ الاسرائيلي ليس الاّ. يكمن البديل من هذا السقوط في دعم البرنامج السياسي الفلسطيني القائم على خيار الدولتين. كل ما عدا ذلك اضاعة للوقت وابتعاد عن المنطق ودخول في لعبة البحث عن بطل. هذه اللعبة لا تعدو كونها عملية استغلال لحال العجز التي يعاني منها العرب. انها لعبة ممجوجة دفع العرب والفلسطينيون ثمنها غاليا دما وارضا... خيرالله خيرالله