مذبحة الإسكندرية 1882 بعيون جديدة

كتب ـ أحمد فضل شبلول
تاريخ أشهر مذبحة في تاريخ مصر

يروي كتاب "يوميات الإسكندرية 1882" للكاتبة الصحفية أمل الجيار قصة أشهر الحكايات في تاريخ مصر، والتي حدثت يوم 11 يونيو/حزيران 1882، ومر على وقوعها 128 عاما. حكاية اختلطت فيها الدموع والحزن والألم بالكفاح والخيانة. حكاية مدينة دمرت وضربت بالمدافع واحترقت وهجرها أهلها، ولكنها كافحت وناضلت حتى عادت إلى الحياة من جديد.
وتوقع الدكتور خالد عزب، المشرف على مشروع ذاكرة مصر المعاصرة بمكتبة الإسكندرية، في تقديمه للكتاب بأنه سيكون مثار جدل حول منهجيته في تناول الأحداث التاريخية، باعتباره يطرح طريقة جديدة في معالجة القضايا التاريخية الجدلية، لافتاً إلى أن الكاتبة حاولت جاهدة العثور على مصادر جديدة، لكي يعايش القراء من خلالها الحدث التاريخي معايشة يومية، في محاولة لكسر جمود الكتابات التاريخية التقليدية بين الأدب والتاريخ.
استغرق العمل في إعداد عدة أشهر من العمل الجاد والمتواصل والبحث والغوص في ملفات ووثائق وأوراق قديمة ترجع لأكثر من 100 عام؛ وبالتحديد إلى عام 1882 وهو العام الذي وقعت فيه غالبية الأحداث التي يتمحور حولها هذا الكتاب بداية من مذبحة الإسكندرية في 11 يونيو/حزيران 1882، والتي دارت رحاها بين السكندريين والأجانب، ثم حصار المدينة وضربها بواسطة الأسطول الإنجليزي بقيادة الأدميرال سيمور وتدمير الطوابي ودفاعات واستحكامات المدينة بعد إخلاء الأجانب منها، وما تلا ذلك من حرق ونهب الدكاكين وتدمير البيوت وحركة التخريب والترويع التي انتشرت بوسط المدينة وخاصة ميدان القناصل (المنشية) وشوارع وسط المدينة مثل شارع شريف وغيره.
وتقول المؤلفة إن البحث عن هذه الأوراق القديمة كان بمثابة البحث عن إبرة في وسط كوم من القش "فوسط مئات الأوراق الحديثة يمكنك أن تعثر بالصدفة أو بالبحث الدءوب المثابر على ورقة واحدة قد تكون نافعة ومفيدة أو قصاصة من جريدة قديمة اصفرت أوراقها أو جزء من مرسوم أو ورقة من ملف قضية أو ما شابه".
تبدأ المؤلفة في سرد الأحداث بطريقة مشوقة لتحكي حكاية عن المدينة الخالدة منذ تخطيطها على يد الإسكندر المقدوني، كما تحكي لنا عن أحداث جسام، ألقت بظلالها على تاريخ مصر المعاصر.
فقد استيقظ أهالي الإسكندرية في صباح أول يوليو/تموز 1798 على وصول الأسطول الفرنسي إلى شواطئها، ليزاح الستار عن الحملة الفرنسية على مصر. ولم يكن بالإسكندرية من الجنود ما يكفي لصد الجيش الفرنسي الكبير المزود بالمعدات الحديثة. لكن لم يمنع هذا حاكم المدينة آنذاك السيد محمد كريم من الدفاع عنها بكل ما لديه من ذخيرة وعتاد، وقاد المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين حتى بعد أن اقتحموا أسوار المدينة، الأمر الذي كلفه حياته. ففي يوم 6 سبتمبر/أيلول 1798 أصدر نابليون بونابرت أمرًا بإعدام محمد كريم ظهرًا في ميدان القلعة رميًا بالرصاص، وبالفعل تم تنفيذ الحكم في ميدان الرميلة بالقلعة ويقال إنه عند وصوله إلى القاهرة أركبه الفرنسيون حمارًا يحيط به موكب من العسكر على دقات الطبول ومشوا به حتى ميدان الرميلة حيث أُعدم رميًا بالرصاص ثم قاموا بالتمثيل به عن طريق قطع رأسه وتعليقها على نبوت (عصا غليظة) ونادى مناد قائلاً: "هذا جزاء كل من يخالف الفرنسيين".
لتطوى بموت السيد محمد كريم صفحة من صفحات الجهاد الوطني في الإسكندرية. ولكن قبل أن نقلب هذه الصفحة لا بد أن نقول إن الحملة الفرنسية انتهت نهاية غير سعيدة خاصة في ظل هزيمتهم في معركة أبي قير البحرية - بين الأسطولين الفرنسي والإنجليزي - الذي كان تحت قيادة نيلسون؛ لتقف الإسكندرية في شموخ شاهدة على نهاية الفرنسيين.
لم تمض سنوات قليلة حتى أفاق أهالي الإسكندرية على هجوم جديد عندما أرسلت إنجلترا حملة بحرية بقيادة «فريزر»، استولت على المدينة دون قتال بسبب خيانة حاكمها التركي "أمين أغا" الذي سلم المدينة للإنجليز في 28 مارس/آذار 1807.
وفي 19 سبتمبر/أيلول 1807 تصدى أهالي رشيد بقيادة محافظها علي بك السلانكي للحملة الإنجليزية التي كان قوامها ألف جندي مسلحين بأحدث الأسلحة بينما عدد قوات إقليم رشيد لم يتجاوز الـ ‏700‏ جندي بقيادة علي بك السلانكي الذي عزم على مقاومة عساكر الإنجليز رغم ضعف أسلحته واستطاع بالحيلة والدهاء ومعاونة الأهالي أن يهزم هذه الحملة الغادرة.
الواقع والتاريخ يحكيان أن هذه الحادثة المشئومة لم تكن وليدة اللحظة التي حدثت فيها بل كانت نتيجة لحالة من الغليان عاشتها المدينة الناعمة باعتبارها جزءًا من مصر. فمصر المحروسة كانت تشهد في ذلك الوقت حالة من السخط العام تحولت بمرور الوقت إلى ثورة كامنة داخل قلوب وعقول الكثيرين من رجال الجيش الذين عُرفوا فيما بعد برجال عرابي أو رؤساء الثورة العرابية، بالإضافة إلى نواب الأمة الذين سخطوا على أحوال البلاد في ظل حكم الخديوي توفيق والمراقبة الثنائية الإنجليزية والفرنسية على مالية البلاد، وهو الإجراء الذي فرضته الدول الأوروبية على مصر لضمان سداد الديون وحماية الدائنين ومن ثمّ اتخذوها ذريعة للتدخل في أحوال البلاد والرعية، مما أثار سخط العلماء والأعيان ورجال الجيش بالإضافة إلى وجود خطباء وزعماء روحيين أمثال الشيخ محمد عبده وعبدالله النديم الذين ملأوا فضاء البلاد بالخطب الرنانة عن تردي أحوال البلاد والعباد ووجوب القيام من العثرة مما زاد الطين بلة.
وهذه التعبئة المسبقة لكل من المصريين والأجانب هي تعبئة استمرت لفترة طويلة وبدأت بوقوع مصر تحت طائلة الديون التي تراكمت إبان عهد الخديو إسماعيل والتي قاربت الـ 100 مليون، وبسببها خلعت السلطنة العثمانية الخديوي إسماعيل عن عرش مصر بإيعاز من الحكومتين الإنجليزية والفرنسية وولت ابنه الخديو توفيق لتتمكنا من التدخل في شئون مصر المالية بواسطة المراقبين الثنائيين الإنجليزي والفرنسي بحجة رد الأموال للدائنين والبنوك الأجنبية وهو ما تم لهما بالفعل. وبدأ التدخل بشكل بسيط حتى تحول إلى تسلط كامل على شخصية الخديوي توفيق الذي كان يبلغ من العمر 26 سنة عند جلوسه على الأريكة الخديوية، وكان يقال عنه إنه ضعيف الشخصية منقاد للأقوى، وهم في هذه الحالة المراقبين والقناصل الأجانب وخاصة الإنجليز.
شهدت المدينة أحداث المذبحة تبعتها أحداث الثورة العرابية وضرب المدينة من قبل الأسطول الإنجليزي لتشهد البلاد بداية لمرحلة خطيرة في تاريخ مصر – الاحتلال البريطاني - والذي استمر لسنوات وسنوات لتكون المدينة كعادتها مسرحًا لأحداث فاصلة في تاريخ مصر الحديث.
كان عام 1882 عاما مليئا بالحكايات الحزينة التي عاش أبطالها في قمع وحصار وتخريب من قبل المحتل، وهو العام نفسه الذي أصبحت الإسكندرية محور حديث الصحف والمجلات الأوروبية لتحتل صدارة أعدادها بأخبارها وحكاياتها، فتطالعنا جريدة The Illustrated London News بأحداث المذبحة، وتطالعنا الجريدة الإنجليزية The Graphic بأخبار العرابيين ودورهم في احتلال البلاد من وجهة نظرهم، بينما يتصدر الخديوي توفيق صفحات جريدة Le petit journal الفرنسية صفحات كثيرة وآراء أكثر ووجهات نظر عديدة تبنتها الصحف الأوروبية لتحكي لنا عن مدينة عاث فيها المحتل دمارًا وخرابًا ليصبح عام 1882 عام مليء بالذكريات المريرة.
*مذبحة الإسكندرية وبداية النهاية
عاشت المدينة سنوات يسود الهدوء جنبات شوارعها وأحياءها، لا يكدر صفو الحياة فيها إلا بعض المنغصات والمناوشات الطبيعية بين الأهالي معًا أو بين الأهالي والأوروبيين إلى أن جاء يوم 11 يونيو/حزيران 1882 يوم مذبحة الإسكندرية. وهو يوم عصيب في تاريخ المدينة الجميلة، يوم من الصعب نسيانه أو محوه من تاريخها فهو اليوم الذي اندلعت فيه شرارة العداء بين المصريين والأجانب المقيمين في مصر، وكان هذا اليوم هو بداية النهاية للمسرحية التي أعدت فصولها ببراعة إنجلترا لاحتلال مصر. فالمدينة الساحلية الجميلة التي تحولت في لحظات إلى مسرح لمجزرة كبيرة وخراب لا يتصوره عقل قد عاشت معاناة كبيرة لفترة امتدت لأكثر من 35 يومًا بداية من 11 يونيو/حزيران 1882 مرورًا بيوم 11 يوليو/تموز، وهو تاريخ ضرب المدينة بالمدافع بواسطة الأسطول الإنجليزي وما تلا ذلك من أيام بما فيها من أحداث تهجير المواطنين وحرق المدينة ثم احتلالها بواسطة القوات الإنجليزية.
والحادثة ملخصها أن مشاجرة نشبت بين مالطي ومصري على أجرة ركوب حمار، فما كان من المالطي الذي كان من رعايا الحكومة الإنجليزية إلا أن طعن المصري وفر هاربًا داخل أحد البيوت التي يسكنها المالطيون واليونانيون، وبدأ بعدها الضرب وتبادل النيران حتى سقط في هذه الحادثة عشرات الضحايا من الجانبين.
ويستعرض الكتاب المذبحة بعيون تاريخية من خلال آراء المؤرخين ومنهم: عبدالرحمن الرافعي، مع عرض لصور للمذبحة من صحف إنجليزية وفرنسية، وكما يقول الرافعي إن عدد القتلى في تلك الحادثة 49 شخصاً، منهم 38 من الأجانب، والباقون من الأهليين.
ويسرد الدكتور لويس عوض قصة الحادثة مضيفاً حقيقة هامة ألا وهي أن المالطي قاتل الحمار المصري كان شقيق خادم السير تشارلز كوكسون قنصل إنجلترا في الإسكندرية ونائب قنصلها العام في مصر.
وعرضت المؤلفة في يوميات إسكندرية 1882 المذبحة بعيون أميركية، في إشارة لما كتبه ألبرت فارمان الذي كان يحب المصريين، وكتب أن سبب المذبحة "هياج مؤسف خطير بدأه أحد الأجانب". ثم تناول الكتاب المذبحة بعيون صحفية مصرية، ثم المذبحة بعيون سويسرية، حيث تناولت المؤلفة ما كتبه جون نينيه، عميد الجالية السويسرية الذي شهد الحادث وكتب كتاباً عن عرابي باشا، فقد كانت آراؤه ورؤيته للمذبحة وللأشخاص المتسببين فيها مختلفة عن الآخرين.
ووفقاً لتحليل نينه فقد كان هناك اتفاق مسبق لهذه المقتلة تم بين الخديو ودرويش باشا وعمر باشا لطفي. ومن الممكن أن يكون المالطي أخو الخادم مجرد أداة لإشعال الأزمة استناداً إلى برقية أرسلها إدوارد ماليت من مصر إلى وزير خارجيته " أيرل جرانفيل" في 7 مايو/آيار، أي قبل الحادثة بـ 34 يوماً، يقول فيها إنه لا بد من حدوث تعقيدات قبل الوصول إلى حلول مرضية للمسألة المصرية.
ثم ينتقل بنا الكتاب لنتعرف على المذبحة من وجهة نظر خديوية، والتي قصدت المؤلفة بها وجهة نظر أحد حاشية الخديو توفيق – الذي حكم مصر في الفترة من 1879 إلى 1892 – والذي رأى الحادثة من زاوية رسمية، وهو أحمد شفيق باشا والذي بدأها بوصف الموقف والحالة المصرية بعنوان انفجار الثورة الفكرية واصفاً امتداد الثورة العرابية وانضمام الكتاب والخطباء إليها، والذين كانوا يلقون الخطب الحماسية ويبثون روح الوطنية في الأهالي ويستفزون الناس لمقاومة الأجانب تخلصاً من الديون التي تثقل كاهل البلاد وعلى رأس هؤلاء الخطباء عبدالله النديم.
ويكشف الكتاب عن حكايات حول المذبحة بلسان أبطالها، والتي تكشف مفاجأة عن لسان أحد أطراف الحادثة وهو السيد العجان وهو المكاري، فهو لم يمت إثر الطعنة التي طعنها له المالطي بل أصيب فقط. وتستعرض الكاتبة نص المحضر والتحقيق مع المصري، وتطوف بنا فيما نشرته جريدة "الأهرام" عن مجزرة الإسكندرية، بعد حوالي 56 يوماً من حدوث المذبحة.
ويعرض الكتاب لتقرير عمر باشا لطفي محافظ المدينة في ذلك الوقت عن الحادثة، ويروي يوميات المدينة الحزينة يوماً بيوم، كما تطرقت الكاتبة لحكايات إنسانية من ملفات إنجليزية، ومنها حكاية السيدة هربرت بي ريبتون، التي قتل زوجها وحوالي 300 أوروبي، والتي قام أحد الجنود المصريين بتهريبها هي وابنتها إلى الحي العربي، وهناك قام شيخ طيب باخفائها حتى المساء ثم ساعدها في التنكر في زي فتاة عربية، وأعادها إلى منزلها وهي في حالة رعب وانهيار.
وبعد أربعة أيام تمكنت من الهرب والصعود على سطح إحدى السفن التي استأجرتها الحكومة الإنجليزية لنقل المهاجرين الأجانب للفرار من الهلع الذي اجتاح المدينة.
يحفل الكتاب بكم هائل من الصور والخطابات والوثائق النادرة التي تحكي هذه المأساة، بل ضم الكتاب بين طياته شهادات أجنبية على بسالة الجنود المصريين في الدفاع عن مدينتهم، ومنها ما قاله القومندان "جودريتش" من رجال البحرية الأميركية، وكان على متن السفينة الحربية الأميركية "لانكاستر" في تقريره الذي رفعه إلى حكومته وقال فيه "إن جنود المدفعية المصرية جاوبوا نيران الأسطول الإنجليزي الجهنمية مجاوبة مدهشة لم تكن منتظرة بتاتاً وأظهروا بسالة عجيبة رغم التفاوت الجسيم بينهم وبين الإنجليز من حيث عدد المدافع وعيارها".
وتكشف المؤلفة أمل الجيار في نهاية الكتاب أن أخطر ما عثرت عليه في الأرشيف الوطني البريطاني، هو طلب موجه لوزارة الخارجية الإنجليزية بالإسكندرية على تعويض لما أصابها من أضرار جراء أعمال النهب والحريق التي جرت بالمدينة وبالتحديد يوم 14 يوليو/تموز، وبيان بالأشياء التي نهبت وحرقت وقيمتها حوالي 31 جنيهاً إسترلينياً.
هذا فضلاً عن خطاب لمتضرر آخر بشأن الحصول على تعويض بسبب الخسائر التي لحقت بممتلكات أحد المواطنين الإنجليز الذين كانوا يعيشون في الثغر وتعرضت للنهب بسبب الأحداث الأخيرة، وفيها يطلب من وزارة الخارجية الإنجليزية توجيهه للمكان المناسب لطلب التعويضات وملحق معه بيان بالخسائر التي تبلغ 118 جنيهاً إسترلينياً.
ويختتم الكتاب بمحاضر التحقيقات مع بعض المتهمين بالسرقة وبلاغات عن ضياع أمتعة واستدعاء لبعض المتهمين والبدو وغير ذلك من الوثائق الهامة التي تكشف خبايا مذبحة الإسكندرية وما تبعها من أحداث والتي انتهت بإعدام القائمقام سليمان سامي داوود أو عرابي الإسكندرية أو شرير الثورة العرابية كما أطلق عليه، فقد حكم عليه بالإعدام في 7 يونيو/حزيران 1883 ونفذ فيه حكم علناً في ميدان القناصل أو المنشية بين الخرائب وأنقاض المباني، وشهد تنفيذ الحكم عدد كبير من سكان المدينة والصحفيين.
يذكر أن "يوميات إسكندرية 1882" للصحفية أمل الجيار، صدر مؤخرا عن مكتبة الإسكندرية في 291 صفحة، وهو الإصدار التاسع ضمن سلسلة إصدارات ذاكرة مصر المعاصرة.