قصص قصيرة جدا

بقلم: كلشان البياتي
من أدب المقاومة العراقية

1- مسؤولية

لتتخلص من مطاردة الدائنين لها، أغلقت جهاز الجوالّ وأوهمت الآخرين بأن الشبكة رديئة في مدينتهم التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، ووضعت الحق على إدارة شركة الاتصالات التي تديرها "زوجة الرئيس شخصياً"، ولم تتمكن لحد اليوم من تأمين اتصال جيد للمشتركين في بلد يرزخ تحت جور الاحتلال!

2- حب
في الوقت الذي كان يدلو بدلوه في أمور الحب والتجارة، كانت ترسم ملامح رجل آخر في خيالها لا يشبههُ البتة.

3- رغبة متقدة
في كل ليلة، وقبل أن يخلد إلى النوم وتحلقّ به أحلامهٌ الذهبية، يتراءى له أنه قنص جندياً أميركياً هذه الليلة أيضاً وفقأ عينيه بمخالبه، حتى اكتشف أن عدد الجنود الذين فقئت أعينهم جراء قنصه في ذهنه المتقد بالثورة فاق عدد سكان الولايات المتحدة!

4- مشروع مؤجل
كلما يخلو إلى نفسه يتساءل عن ماهية العمل الذي لم يزاوله لحد الآن، قال لحفيده الصغير: يا بني علينا أن نبحث دائماً عن عملاً يرضي الله ولم نقم به في حياتنا. لقد أحصى مع حفيده الصغير كل الأعمال التي قام بها طيلة ستين عاماً من حياته، منذ أن كان طفلاً شقياً يلعب مع أقرانه حتى ضجرت منه الألعاب، وكان صبياً جسوراً صعد إلى سياج الجيران وكسر زجاج نافذتهم ورمى الكرة إلى حديقة بيتهم، وكان شاباً وسيماً، مارس الحب وكتب الرسائل وولع بالجمال وفتن بعشر فتيات المحلة، وعندما صار رجلاً مكتملاً مثل البدر، أكمل نصف دينه، وتحملّ مسؤولية تربية الأطفال وصار أباً محترماً يجلهٌ الأولاد. وصار جداً وأحيل على التقاعد بعد أن خدم في الحكومة واستحق العشرات من كتب الشكر والمكافآت والترفيعات، وأدى مناسك الحج والعمرة وصلّى الفرائض والنوافل.
عندما جلس إلى نفسه، ووجد أنه قاب قوسين وأدني من القبر، وأنّ أياماً معدودات تفصله عن ملاقاة وجه ربه الكريم، قام من مكانه وأخذ سلاح ابنه وراح يؤدي عملاً لم يؤده لحد اليوم.

5- ورث
حكاية الجد الذي قاوم الاستعمار البريطاني، وكان ثائراً من ثوار ثورة العشرين، ثم مناضلاً ثائراً ضد كل أنواع الاضطهاد في البلد - كانت تحضر في كل جلسة، وفي كل جلسة يحكي الحكاية بطريقة مشوقةّ لأحفاده وجلسائه من الأصدقاء والأقارب كأنّه يحيكها لأول مرة.
عندما شعر بدنو أجله وأنه سيلفظ أنفاسه المعطرةّ بأريج بطولات الجد، قرر أن يترك حكاية تفوح منه عبق بطولة الجد أيضاً، لكن يرويه ابنه لأبنائه، ولأحفاده لاحقاً، حكاية الجد الذي قاوم الاحتلال الأميركي واستشهد في السجال الذي كان دائراً بين حفنة من المرتزقة ومجموعة شجعان من ثوارّ المقاومة. كلشان البياتي ـ كاتبة وصحفية عراقية
بغداد المحتلة /المحررة بإذن الله Golshanalbayaty2005@yahoo.com