مَن خذل البرادعي: المصريون أم نخبهم؟

القاهرة - من محمد الحمامصي
الطريق الصعب

منذ ظهور د.محمد البرادعي المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية على الساحة السياسية المصرية، معبرا عن نيته لخوض الانتخابات الرئاسية شريطة تغيير الدستور وإشراف القضاء الكامل على الانتخابات، وقيامه بتأسيس الجمعية الوطنية للتغيير، "لم يخط خطوة إلا أسيء فهمها بل وتشويهها وعن قصد في أغلب الحالات" من قبل النظام الحاكم في مصر.
وجاءت خطوته الأخيرة بالتحالف مع الإخوان المسلمين وقيامهم بجمع توقيعات له، لتثير ردود فعل واسعة وتزيد مساحة التساؤلات حوله، التساؤلات في الشارع المصري تبدأ بإذا ما كان الرجل جاد؟ وإذا كان جادا لماذا لا يتفرغ؟ لماذا يبدو متناقضا في كثير من تصريحاته؟ وماذا قصد بخطوة الإخوان المسلمين وتصريحاته حول حقوقهم وغير ذلك.
وقال الباحث د.محمد حلمي عبد الوهاب "أن البرادعي جاد لأكثر من سبب، أن الشأن المصري لم يكن غائبا عنه لا أثناء توليه مسئوليات وكالة الطاقة الذرية ولا بعد خروجه منها، خاصة وأنه لم ينقطع عن زيارة مصر، وشأنه شأن الكثيرين تراكمت لديه الكثير من الشواهد والأحكام حول التردي الملفت الذي وصلت إليه مصر في ظل النظام الحالي".
وأضاف "هناك مؤشرات كثيرة وقوية تؤكد أن مصر كانت تشغل رأس البرادعي قبل مجيئه، انشغال الرجل المهموم بوطنه وما وصل إليه، لكن منصبه كان يحول بينه وبين التصريح بانتقاد النظام، لذا فإن مسألة جديته لا خلاف عليها لا قبل مسألة الترشيح ولا بعدها".
ورفض عبد الوهاب أن يكون هناك تناقضات في خطاب البرادعي، وإن رأى أن اللبس وارد، وقصدية التشويه من جانب البعض واردة
بل إنها أكيدة بالنسبة لصحافة النظام في مصر.
وقال "إن الرجل ينطلق من سياق ونسق عام لإمكانية تحديث مسار مصر الديمقراطي، من رؤية علمانية للدولة المدنية، من بنية مؤسساتية ديمقراطية قوية، من مجلسي شعب وشورى يخضعان للشعب، من دستور قوي يحد من صلاحيات رئيس الدولة، في ضوء ذلك يمكن لأي مصري أن يرشح نفسه أيا كانت انتماءاته".
وأوضح "من هنا يمكننا فهم كلمته عن وصول الإخوان المسلمين للحكم أو غيرهم سواء الأقباط أو الشيوعيون، أو أي فصيل سياسي، المصري من حقه أن يرشح نفسه لرئاسة الدولة، بغض النظر عن توجهاته الدينية أو اللادينية، لأنه عندما يقف على رأس الدولة ويقول مثلا إنه يريد أن يطبق الشريعة الإسلامية، تخرج له المؤسسات الدولة المدنية القوية بكامل قوتها لتردعه بل وتنحيه".
وتكشف تفسيرات وتأويلات إعلام النظام المصري حول ماسمي بمغازلة البرادعي للإخوان المسلمين أو الأقباط، عن جهل برؤية الرجل، وفي أغلب الأحيان يقتطع من سياق كلامه، ومع ذلك "الرجل في حياته لم يصادق الإخوان ولم يلتقهم إلا أخيرا كونهم اشتركوا معه في حتمية التغيير، ورئيس الكتلة البرلمانية للإخوان عضو مؤسس في الجمعية الوطنية للتغيير".
وفسر د.محمد تصريح البرادعي أكثر من مرة أخيرا أن لديه ارتباطات تضطره لكثرة السفر، مما يعني تردده في الاستمرار من عدمه، من منظورين، المنظور الأول "ربما كان له تصور معين وعندما احتك بالواقع وجده أصعب مما كان يتصوره، وهذا وارد ليس بالنسبة للبرادعي فقط ولكن بالنسبة لأي شخص يسعى للتغيير في مصر، بمعنى أن النظام في مصر درب الناس على الفساد والرشوة وتقبل كل ما يخالف رؤيتهم، وهنا تكتشف أن المشكلة أكبر من حصرها في النظام ولكن الشعب".
وقال "إن توقعاته عن إرادة التغيير أقل مما كان يتوقع، ليس بمعنى أن الناس لا تريد، لكن هناك قطاعات كبيرة من المجتمع ليس لديها استعداد لدفع ثمن التغيير، لأن التغيير لابد أن يكون له ثمن وهناك أناس ليس لديها الاستعداد لدفع الثمن أو تجهل به (الأمية) أو تنشغل عنه - 40% تحت خط الفقر-".
المنظور الثاني حسب محمد حلمي عبد الوهاب "يتمثل في كون هذا الأمر مؤشر أن البرادعي يشعر بنوع من الإحباط من تعاطي مؤسسات النظام لمسألة ظهوره وأيضا عدم قدرة الناس على كسر حاجز الخوف من التغيير، عندما قال يجب كسر حاجز الخوف من التغيير، كأنه وصل إلى نوع من القناعة بأن المصريين ليس لديهم القوة لكسر هذا الحاجز".
وأوضح "أن البرادعي ربما اكتشف أن ما يسمى بالنخبة السياسية في مصر وخاصة رؤساء الأحزاب المعارضة لا تختلف عن النظام ذاته بل قد تعد امتدادا له أو أنها ليست على الدرجة الكافية من النضج السياسي لتفهم حتمية التغيير وثمن التغيير، فعندما يلوح لها الحزب الوطني بصفقة تهرول إليه، وربما بعضها يجلس إليه بأمر من النظام ذاته.
وطالب عبد الوهاب البرادعي بتوسيع دائرة النخبة الملتفة حوله باعتبارها ليست كافية، ورأى أنه من الصعوبة بمكان إدماجها ضمن مشروع واحد، فهي وإن اتفقت على حتمية التغيير لكن هناك اختلافات بينهم في تفاصل وآليات التغيير.
وشدد على أهمية إقامة البرادعي في مصر إقامة كاملة ولا يتحرك منها إلا من أجل ما يخص التغيير في مصر، "هذا يعطيه الوقت ليتعرف على مشكلات المجتمع وتجاوز الخطاب العلمي إلى خطاب من داخل مشكلات الناس وهمومها".