ظاهرة أردوغان

بقلم: جواد البشيتي

"ظاهرة أردوغان"، أو "تركيا الجديدة"، أي التي يقودها أردوغان، ويقود من خلالها، وفي المقام الأوَّل، أُمَّة (هي العرب) تتضوَّر جوعاً إلى قيادة جديدة، لم تُدْرَس وتُحلَّل وتُفْهَم وتُفسَّر بعد بما يكفي للقول بصدق زَعْم زاعم أنَّه أحاط بها عِلْماً؛ وثمَّة سبب موضوعي لهذا "النقص المعرفي" هو أنَّ "الظاهرة نفسها" ما زالت قَيْد النشوء، ولم تبلغ بعد من النموِّ والتطوُّر ما يجعل ملامحها وخواصِّها وأبعادها المختلفة واضحةً مضيئةً بما يكفي لجعلها في متناول الأبصار والبصائر.

وليس أدل على ذلك من أنَّ كثيراً من الإعلاميين والصحافيين والكتَّاب السياسيين العرب المولعين بوصف وتسمية الظواهر السياسية (والتاريخية) الجديدة، ولو بما يتعارض مع جوهرها الحقيقي الذي لَمَّا يظهر لهم في وضوح كافٍ، قد أكثروا من استعمال عبارات تفيد جميعاً في إظهار وتأكيد أنَّهم يفهمون "ظاهرة أردوغان" على أنَّها عودة بتركيا، وبالعرب أيضاً، إلى "العهد العثماني" الذي خلناه أصبح أثراً بعد عين، فعهد أردوغان، على ما يتصوَّرون، إنَّما هو عهد "العثمانيين الجُدُد"؛ والنفوذ الواسع المتَّسِع والمتنامي لأردوغان، ولتركيا في عهده، في العالم العربي، وفي عقول وقلوب العامَّة من العرب على وجه الخصوص، إنَّما هو "دليل" على أنَّ "الأتراك قادمون" إلى بلاد "اليتامى"، و"الميتَّمين"، أي العرب الذين قَلَّما نجحوا، وبشهادة التاريخ، في أنْ يخلقوا بأنفسهم، ولأنفسهم، قيادة حقيقية لهم؛ فما أكثر "حكَّامهم"، وما أقل "قادتهم"، مع أنَّ لديهم من "الحاجات" و"الضرورات"، التي هي دائماً "المعلِّم الأوَّل" للبشر، ما ينبغي له أن يجعلهم أُمَّة تَلِد قادة، أقلهم وزناً يَزِن أكثر من نابليون!

فلسفياً، ولو كره الكارهون مِمَّن أدمنوا على نعي الفلسفة، لا أفهم، ولا أستطيع أن أفهم، "ظاهرة أردوغان" إلاَّ بما يتوافق مع "الثلاثية الهيجلية" الشهيرة، وبما يُثْبِت ويؤكِّد صوابها.

لقد كانت "الأطروحة" في هذه الظاهرة هي "الإمبراطورية العثمانية"، أو "الحكم العثماني"، أو "دولة الخلافة العثمانية"؛ ولقد عاش في كنفها العرب قروناً من الزمن، عانوا فيها (قومياً في المقام الأوَّل) ما عانوا.

ثمَّ جاءت "الكمالية"، أو عهد مصطفى كمال أتاتورك، "نفياً" لهذه "الأطروحة" التاريخية؛ وهذا النفي التاريخي اشتمل أيضاً على ظاهرة "الثورة العربية الكبرى"، التي تحالفت مع أعداء "العدو (القومي) العثماني"، عملاً بمبدأ "عدو عدوي صديقي وحليفي".

"الكمالية" نفت "العهد العثماني" إذ قضت قضاءً مبرماً على ظاهرة "الدولة الدينية (الإسلامية)"، أو "دولة الخلافة (العثمانية)"، وغذَّت وأجَّجت "الروح القومية" التركية، التي اتَّخَذَت من العداء للعرب ("الخونة") وقوداً لانطلاقها إلى فضاء "الشوفينية"، التي مع اقترانها بـ "العلمانية" أسَّست لظاهرة العسكر الذين يُحْكِمون قبضتهم على الحياة السياسية (والثقافية) بصفة كونهم الحرَّاس الأبديين لـ "الكمالية" و"الديمقراطية" و"العلمانية"، والذين توفَّروا، مع الأحزاب السياسية، التي تشبههم، فكراً وسياسةً، على إنهاء وتمزيق كل صلة (عثمانية) لتركيا بـ "الفضاء الإسلامي (والشرقي عموماً)"، وعلى إنشاء وتطوير كل صلة بالغرب على وجه العموم، وبأوروبا على وجه الخصوص، فـ "الفضاء الأوروبي"، بكل خواصِّه وأبعاده، أصبح هو وحده الفضاء الخارجي لتركيا. حتى إسرائيل، وبصفة كونها عدوُّاً قومياً أوَّل للعرب، أصبح لها مكانة مرموقة في قلب "تركيا الكمالية"، التي اجتهدت في إظهار وتأكيد أنَّها "النفي التاريخي" لتلك "الأطروحة التاريخية"، والمسمَّاة "العهد العثماني".

وهذا الطور، أي تركيا في طور النفي الواسع والشامل والعميق لعهدها العثماني القديم، ما كان له أن يشذ عن قوانين التطوُّر التاريخي، فالعسكر (الكماليون، القوميون، الشوفينيون، العلمانيون بما يمسخ العلمانية، الديمقراطيون بما يمسخ الديمقراطية، الأطلسيون، والغربيون ـ الأوروبيون في هواهم) ما كان لهم أن يحكموا، ويديروا، ويُغيِّروا، إلاَّ بما يشدِّد الحاجة التاريخية إلى نفي هذا النفي، وبما يؤسِّس لـ "تركيا ثالثة جديدة"، تقوم على الجمع والتركيب والتأليف بين كل ما هو إيجابي وضروري ومفيد في العهدين المتناقضين (تركيا العثمانية وتركيا الكمالية).

إنَّ "ظاهرة أردوغان"، وهي ظاهرة تتخطَّى "السياسي" إلى "التاريخي"، لا يمكن فهمها، من الوجهة الفلسفية ـ التاريخية، إلاَّ بصفة كونها التقويم التاريخي والجدلي للتناقض بين "تركيا العثمانية" و"تركيا الكمالية"، والذي فيه نرى تركيا "تعود إلى الماضي"؛ ولكن عودة مختلفة من حيث النوع والجوهر، فـ "تركيا أردوغان"، أو "تركيا الثالثة"، تعود إلى "الفضاء العربي ـ الإسلامي"، محتفظةً، في الوقت نفسه، بكل ما هو جدير بالبقاء من "عهدها الكمالي"، كالديمقراطية والعلمانية والروح القومية.

كل "الأضداد"، التي عرفتها تركيا في عهديها السابقين المتناقضين، أي في "عهدها العثماني" و"عهدها الكمالي"، نراها الآن، في هذا "التركيب الأردوغاني"، وقد "اعتدلت" بعد "تطرُّف"، وكأنَّها في "صلح" و"تصالح"، فهي، أي "تركيا الثالثة"، "إسلامية"؛ ولكن في اعتدال، وهي "علمانية"؛ ولكن في اعتدال، وهي "قومية"؛ ولكن في اعتدال، وهي "غربية ـ أوروبية"؛ ولكن في اعتدال، وهي "شرقية"؛ ولكن في اعتدال.

ولقد عَرَفَ أردوغان (وهنا مكمن عبقريته السياسية بوجهيها الإستراتيجي والتكتيكي) كيف ينتزع "الرايات"، و"الأسلحة"، من أيدي "العسكر"، وأشباههم من الأحزاب والقوى السياسية، مؤسِّساً لحكمه وقياته قاعدة شعبية، كلَّما نمت واتَّسَعت اضمحلت وتضاءلت، في الوقت نفسه، وفي القدر نفسه، القاعدة الشعبية لـ "الكمالية"، بوجهيها العسكري والمدني.

أردوغان الآن هو "القومية التركية" التي تتَّخِذ من "الكراهية لإسرائيل"، وليس من "الكراهية للعرب"، وقوداً لها وغذاءً؛ وهو الآن "مثلَّث التصالح التاريخي" بين "الإسلام" و"القومية" و"العلمانية"، فالعداء لـ "أردوغان ـ الظاهرة" هو عداء للإسلام، بمعنى ما، وللقومية التركية، بمعنى ما، وللعلمانية والديمقراطية، بمعنى ما.

حتى التناقض بين "المبادئ" و"المصالح"، في السياسة، عَرَف أردوغان كيف يحله، فـ "المبادئ" تفوح منها رائحة "مصالح"، و"المصالح" تفوح منها رائحة "مبادئ".

إنَّ "الروح القومية التركية"، التي يخالطها كثير من "الروح الإسلامية"، ومن "روح التصالح مع العرب"، والتي تضرب جذورها عميقاً في "التضامن مع الفلسطينيين"، وفي "الكراهية لإسرائيل"، هي الآن في منزلة السيف والترس لتركيا في عهد أردوغان؛ وهذا ما جعل منسوب النفوذ القديم للعسكر، وأشباههم من القوى الحزبية والسياسية، في تراجع مستمر ومتزايد.

كنَّا نحن العرب، والأتراك، نتبادل كثيراً من الكراهية السياسية والثقافية والتاريخية، فإذا بـ "تركيا أردوغان" تَغْزونا، عقلاً وقلباً، في عقر دارنا، ومن خلال "المسلسل التلفزيوني المدبلج"، أي المنقول لغوياً من التركية إلى العربية في لهجتها السورية، حتى اعتدنا قبول وتقبُّل أنماط وطرائق عيش تستكرهها ثقافتنا، فالأبطال تجتمع فيهم، وتتَّحِد، أوجه كثيرة من التناقض بين نمط الحياة الغربي ونمط الحياة الشرقي والإسلامي، فلا إفراط ولا تفريط في "الشرقي" أو "الغربي" من نمط العيش. جواد البشيتي