جديد توازن الرعب مع اسرائيل وابعاده

بقلم: د.خليل حسين

في وقت كانت فيه اسرائيل تنفذ تحولها الرابع عبر اضخم مناوراتها العسكرية، اطلقت المقاومة الاسلامية عبر امينها العام السيد حسن نصرالله تحوّلا جديدا في استراتيجية الردع تمثلت بإضافة بُعد ربما يكون الأخطر الذي تواجهه اسرائيل منذ نشأتها.
ففي تموز العام 2006 كرّست المقاومة كسر توازن الرعب الذي امتلكته اسرائيل طوال 58 عاما عبر منظومة صاروخية تقليدية بنوعيتها لكن عالية بفاعليتها ونتائجها السياسية والعسكرية. وفي خلال الأربع سنوات الماضية راكمت المقاومة خبراتها العسكرية وبخاصة التفنن باطلاق وسائل وادوات الحروب النفسية بين الفينة والفينة، فترسّخت قدراتها في الذاكرة الجماعية للقيادة الاسرائيلية وجعلتها اكثر من رقم صعب في حسابات ومشاريع الاعتداءات الاسرائيلية المعلنة منها والمبهمة.
ان ابرز اللكمات المؤلمة التي تلقتها مفاخر البحرية الاسرائيلية البارجة ساعر 5، من المقاومة كانت بمثابة التحوّل الاستراتيجي والاعلان المدوّي في طريقة المواجهة واساليبها والابعاد التي ترتبت عليها. فهي المرة الأولى التي تصاب بارجة حربية اسرائيلية في هذا المستوى في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، علاوة على دلالاتها الرمزية في نطاق الصراع واطره وتداعياته، ما أثر في سياق ادارة الصراع بعد عدوان 2006.
وفي الذكرى العاشرة لاجبار اسرائيل على الانسحاب من معظم الاراضي اللبنانية المحتلة دون قيد او شرط، تمَّ الاعلان عن معادلة جديدة لها ابعادها الخاصة علاوة على التداعيات التي ستظهر في ادارة الصراع مستقبلا. وفي هذا السياق يمكن رصد العديد من المسائل ابرزها:
- لم يكتف السيد حسن نصرالله باطلاق موجة توازن الرعب في الذكرى التاسعة العام الماضي، لجهة الرد على كامل مساحة فلسطين المحتلة، بل هيأ البيئة المناسبة لإطلاق اوسع نقاش عسكري وامني ضمن القيادات السياسية والعسكرية حول القدرات التي راكمتها المقاومة في فترة قياسية، وتمكّنت من خلالها فرض توازن رعب فعّال لمصلحة المقاومة رغم عدم التكافوء في نوعية وكمية السلاح، وغريب المفارقات السلوك السياسي والاعلامي الذي افتعلته اسرائيل في سياق الجدل حول صواريخ سكود التي ادعت وصولها الى ايدي المقاومة وهو سلاح بات من الماضي نسبيا، لكن العبرة الاسرائيلية هنا تكمن ليس في النوعية بل من يمتلك هذا السلاح وكيف سيستعمل،وهنا تأكيد آخر لمرتكزات الحروب النفسية التي تجيدها المقاومة وقياداتها السياسية.
- التحوّل الاكثر اثارة في توازن الرعب الجديد ، يكمن في معادلة وضع السواحل الاسرائيلية وبخاصة موانئها تحت مرمى صواريخ المقاومة، وربطه في حالة اي حصار تنفذه اسرائيل على شاكلة حصار 2006. وهو بُعد له دلالات استراتيجية كما تعتبر سابقة في تاريخ الصراع بين المقاومة واسرائيل لجهة ربطه بمعادلات قانونبة دولية حيث حالات الحصار لها قوانينها وشرائعها وآثارها ونتائجها.
- ان وضع الساحل الاسرائيلي بطوله الـ 134 كيلومتراعلى ساحل البحر المتوسط بموانئه الرئيسية الاربعة، يجعل من الكيان الاسرائيلي دولة حبيسة مشلولة الحركة البحرية العسكرية والتجارية، ما يعتبر اعلانا صريحا بالخنق العسكري عند نشوب اي حالة اعتداء،هذا اذا استثنينا ميناء ايلات على ساحل البحر الأحمر. واللافت في هذه المعادلة الاصرار على ايصال رسائل قاسية مفادها استهداف اي قطعة بحرية متجهة الى الموانئ الاسرائيلية، والايحاء بلغة ساخرة استثناء البواخر التي تقل اسرائيليين الى الخارج، وهي اقسى انواع الحروب النفسية في ادارة الصراع، وهي الحث على الهروب اثناء الحرب والهجرة اثناء السلم، وهي ضربة معلم لجهة استهداف اسس الكيان لناحية الاستيطان والأمن.
- ان توازن الرعب الأخطر الذي تمَّ الأيحاء به،هو الذكر صراحة المنفذ البحري الجنوبي على البحر الاحمر، الذي يبلغ طوله ستة كيلومترات،وعليه ميناء ايلات الذي تذرعت اسرائيل به لخوض حربين في العامين 1956 و1967، لما له من حسابات اسرائيلية واقليمية خاصتين. فمن الناحية الجيوسياسية يعتبر هذا المنفذ راهنا البيئة المريحة لاسرائيل من الناحية العملية، نظرا لاتفاقيتي السلام التي تربطها مع كل من الاردن ومصر،ما يؤمن لها عمليا حركة ملاحية ملائمة عند نشوب اي حرب، علاوة على موقعه الجيوغرافي والطبوغرافي ضمن المثلث السعودي المصري الاردني.
- أما الأمر الأكثر خطورة في سياق الايحاء بمعادلة البحر الأحمر، اذا ما تم ربطه بتوازنات وحسابات اقليمية أخرى، لها علاقة مثلا بالبيئة الداعمة للمقاومة. فماذا مثلا لو تمَّ احتجاز او اعتراض باخرة تابعة للمقاومة من قبل اسرائيل تمر في البحر الاحمر، هل ستكون المعادلة قائمة في هذه الحالة؟ وهل ستنسحب هذه المعادلة ايضا على حصار غزة لاحقا؟ وماذا مثلا لو تم ربط الوضع الايراني بملفاته المتشعبة في هذه المعادلة؟اسئلة كثيرة تطرح نفسها في سياق الاجواء المحمومة في المنطقة.
- اما الأمر الأكثر اثارة وغموضا هو مدى قدرة المقاومة على تنفيذ وعودها، استنادا الى السوابق، ثمة ثقة عمياء بما يعد به "سيد المقاومة" ليس في وسط جماهيره فحسب، بل وسط الاسرائيليين انفسهم. وبعيدا عن التحليلات والسوابق، ان القدرة تتطلب امكانات وتقنيات لجهة الرصد والمتابعة وهي بطبيعة الامر من النوع عالي التقنية، كالاقمار الاصطناعية وغيرها، فهل لهذه الوعود روابط اقليمية؟
لم تنتظر المقاومة في لبنان طويلا لترد على تحوّل اسرائيل الرابع، بل ان اطلاق الواقع الجديد سيجبرها على اعادة النظر بمجمل تحولاتها وهي بالمناسبة كثيرة جلها تحوّل نحو الحروب والاعتداءات ولو لم يكن في سجلها يوما منطلقا للسلام. ان اعادة صياغة قواعد توازن القوى في المنطقة بات امرا ضروريا وملحا في سياق المزيد من الاسترخاء في النظام الاقليمي العربي المتهالك اصلا، علاوة على ان مكمن الضعف الاسرائيلي هو بقائها خارج امتلاك ميزان القوة لمصلحتها وهذا ما تلعب عليه المقاومة منذ عقد من الزمن.
في العام 2006 جرّبت اسرائيل اعادة امجادها العسكرية مع العرب ولم تفلح بل زاد مأزقها، ثم كرّرت التجربة في العام 2009 مع قطاع غزة ولم تتمكن من جني الاستثمارات السياسية والعسكرية المطلوبة، فهل ستعيد الكرّة في لبنان؟ ام اقليميا خارج دول الطوق؟ في جميع الاحتمالات ثمة مصاعب تواجه القيادة الاسرائيلية وهي مضطرة للتفكير مليا قبل قلب الطاولة؛ فهي لم تعد اللاعب القادر على اطلاق الاعتداءات والحروب والتحكّم في مساراتها ونتائجها،بل باتت مجرد لاعب يتحيّن الفرص لاعادة تركيب هيبتها المفقودة في ظل استمرار تنامي قدرات المقاومة.
ان اخطر انواع ادارة الازمات الكبيرة، تلك التي تُستعمل فيها سياسات حفة الهاوية، فأي خطأ في التقدير او في حسابات اتخاذ القرارات، يمكن ان تظهر نتائج غير محسوبة، فهل ستتحمل اسرائيل هذه اللكمة لسنوات أخر، ام انها ستحاول بلعها وهضمها ولو استمر الأمر عقدا آخرا؟ د. خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية