إسرائيل القاتلة تلوم ضحاياها!

بقلم: ماجد كيالي

هذه هي إسرائيل، في صورتها الحقيقية، عنيفة ودموية وبشعة أمام العالم، على خلاف الصورة التي حاولت تلبّسها، وادعائها، أو حاول البعض في الغرب رسمها لها، باعتبارها جزءا من صورته.
إسرائيل في صورتها هذه لا تتورع عن استخدام قوتها العسكرية للقرصنة والسطو المسلح والقتل، ولو تعلق الأمر بمجرد قافلة لنشطاء مدنيين، ينتمون لعشرات الدول، وكأنها في ذلك تبعث برسالة مفادها إنها دولة مستثناة من كل القوانين والأعراف الدولية. ويتغذى هذا الاستثناء في إدراك الإسرائيليين لذاتهم، من اعتبار دولتهم معطى "الهي"، أو كنتاج وعد رباني /أزلي، واعتبار ذاتهم "شعب الله المختار"، والآخرون زائدون عن الحاجة، أو مجرد "أغيار". وفي ذلك ثمة جملة مدخلات ملتبسة تتضافر في وعي الإسرائيليين لأنفسهم، فثمة عنصرية متوحشة، وثمة شعور طاغي بالغطرسة، وثمة استغراق بالأسطورة الدينية.
ولعل هذا يفسر اعتبار إسرائيل لذاتها مصدرا للقيم، وتنصيب نفسها فوق الشرائع والقوانين، فهي، مثلا، دولة قامت بوسائل القوة والإرهاب، ومع ذلك فهي تعتبر أي مقاومة لاحتلالها إرهابا! وهي أصلا ترفض تعريف وجودها في الأراضي الفلسطينية المحتلة (على الأقل في العام 1967) احتلالا، وإنما عودة إلى "ارض الميعاد"، أو نوعا من إعادة توحيد "أرض إسرائيل"؛ فهي الأصل، أما الفلسطينيين فمجرد طارئين على الزمان والمكان!
المفارقة أن هذا الوعي الإسرائيلي، العنصري والمتغطرس والديني، يطالب الفلسطينيين بأكثر من الاستكانة لاغتصاب حقوقهم، والسكوت عن احتلال أرضهم، أي بإبداء العرفان والامتنان لإسرائيل، على قيامها، وعلى وجودها؛ والأنكى، أيضا، أنها تحاول لومهم على تنكيلها وبطشها بهم. هكذا كانت غولدا مائير (رئيسة وزراء إسرائيل سابقا) دأبت على لوم الفلسطينيين (ضحايا إسرائيل)، وإبداء عدم مسامحتها لهم، على قيامهم بما من شأنه إظهار إسرائيل بمظهر لا أنساني!
في عودة موجزة للسياق التاريخي لنشوء إسرائيل، يمكن ملاحظة أن القيادة الصهيونية (التي تحملت مسؤولية قيادة إسرائيل فيما بعد) كانت حمّلت الحكومة البريطانية مسؤولية أعمال الإرهاب التي قامت بها منظمتا أرغون وتشيرن (الصهيونيتان) ضد القوات البريطانية في فلسطين (1945ـ1948)، تماما مثلما حمّلت الحكومات العربية والقيادة الفلسطينية المسؤولية عن النكبة، وعن تشريد حوالي مليون فلسطيني! اللافت أن إسرائيل اليوم تحمل الولايات المتحدة الأمريكية، أيضا، مسؤولية تدهور الوضع في الشرق الأوسط (لاسيما مع إيران وفي العراق).
وعلى هذا القياس فليس غريبا على إسرائيل هذه أن تقوم بلوم أهالي غزة المحاصرين، على سعيهم الحثيث لإنهاء هذا الحصار، بالإنفاق، وبقوافل المساعدات الإنسانية من البر والبحر. كما ليس بغريب على إسرائيل هذه، التي باتت غريبة تماما عن العالم، القيام بتوجيه اللائمة، عن الجريمة التي ارتكبتها في عرض البحر المتوسط، إلى الناشطين الدوليين، المشاركين في "قافلة الحرية"!
ولعل ماجعل إسرائيل تجنّ جنونها هو تحول الصورة الأثيرة لها في العالم، وهي صورة الضحية، إلى صورة "أزعر" الحي، التافه والقبضاي، والذي يخشاه الآخرون، لالقوته ولكن لتلافي حماقاته. وفي ذلك باتت إسرائيل، التي كانت تحرص على "فرادتها" في المنطقة، بمثابة دولة شرق أوسطية أخرى، بمعنى أنها "تطبعت" غصبا عنها، بعد أن كانت ترفض "التطبيع"، باعتبارها جزءا من الغرب المتقدم.
في هذه الصورة انمحت إسرائيل باعتبارها "واحة" للديمقراطية في الشرق الأوسط، حيث الاستبداد الشرقي، فهي أيضا دولة عاتية ومتجبرة ومستبدة، وفوق ذلك فهي دولة عنصرية، أو مجرد "غيتو" في الشرق الأوسط. أيضا فقد اضمحلت صورة إسرائيل باعتبارها "جزيرة" للحداثة في صحراء المنطقة العربية، إذ تكشفت عن دولة ترتع في غياهب الماضي، وفي الأسطورة الدينية. فوق كل ذلك فقد ظهرت إسرائيل، أيضا، على حقيقتها باعتبارها أخر دولة استعمارية، في العصر الحديث، ما جعلها بمثابة وصمة عار في القرن الحادي والعشرين، وكعبء على النظام الدولي، مع أفول الظاهرة الاستعمارية، وغياب الأنظمة العنصرية، وانتهاء الحرب الباردة.
الآن، يمكن إضافة ما فعلته إسرائيل، في عرض البحر الأبيض المتوسط، وضد قافلة الحرية، إلى سجلها الدموي الإرهابي الأسود، وهو سجل بات يخجل اشد المؤيدين لإسرائيل، ويحرج أكثر أصدقائها. فهذا الرئيس الأمريكي باراك اوباما لم يستطع تحمل مجرد لقاء مع رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، في ظل مافعلته إسرائيل، وفي ظل التداعيات الناجمة عن فعلتها في عواصم العالم، وأمام الرأي العام العالمي. وهذا الفيلسوف الفرنسي (اليهودي) برنار هنري ليفي يطلق صيحته في تل أبيب (التي كان يزورها) إبان الحملة على بواخر المساعدات الإنسانية لغزة، قائلا: "الصور التي رأيناها هذا الصباح تدّمر البلد الذي أحبه كثيراً..في حرب الصور والأخيلة إسرائيل خسرت الحرب". وهاهي حكومات ومجتمعات أوروبا تبدي ضيقها وتبرمها من السياسات الإسرائيلية الصلفة.
واضح أن إسرائيل في كل ما تفعله، لم تعد تدرك المحيط المتغير من حولها، أو أنها لاتريد أن تصدق بأن العالم لم يعد يحتمل ترهاتها وادعاءاتها وأساطيرها.
وعلى الأرجح فإن العالم، الذي يحارب الإرهاب والأصولية الدينية ويعمل على وضع حد لانتشار الأسلحة النووية، لن يحتمل إسرائيل الإرهابية والعنصرية والأصولية والنووية. ويبدو أن كل حملة مثل "رصاص مصهور" (اسم الحرب على غزة) أو "رياح سماوية"، إنما هي تعزز وتعجل من عزلة إسرائيل، ومن أفول العصر الإسرائيلي. ماجد كيالي