في بلد يحرّم المظاهرات، سعوديون يحلمون بالتضامن مع غزة

بقلم: حبيب طرابلسي
رفض متوقع من قبل الأمير نايف

تقدم عشرات من دعاة "المجتمع المدني وحقوق الإنسان" بالسعودية السبت، بطلب إلى وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز، يستأذنونه إقامة مظاهرة الخميس القادم، العاشر من يونيو/حزيران، للتنديد سلميا باعتداء البحرية الإسرائيلية على "أسطول الحرية" فجر الاثنين31 مايو/أيار الماضي في المياه الدولية في عرض البحر الأبيض المتوسط.

وعلى الأرجح، سوف لن يستجيب الأمير نايف إلى هذا الالتماس، كما يبدو من رفض موظف الاستقبال في مكتب الوزير استلام نسخة من طلب الإذن بالاعتصام، معللا ذلك بأن الوزير موجود في جدة.
وكان فريق المنسقين -المكون من الدكتور عبدالرحمن حامد الحامد والدكتور محمد فهد القحطاني وعبدالمحسن علي العياشي وفوزان محسن الحربي- قد أرسل الطلب عبر البريد الممتاز.
من جانبه، اكتفى المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية، اللواء منصور التركي، في تصريح لـ"اليوم" بالقول أنه "سوف يتم التأكد من صحة تسلم الوزارة خطابا" بهذا الخصوص.

مظاهرة "سلمية حضارية مهذبة"

جاء في طلب الإذن بالاعتصام، الموقع، حتى الآن (أي صباح السبت)، من 47 شخصية من "دعاة المجتمع المدني وحقوق الإنسان"، من ضمنهم محامين وأساتذة جامعيين وكتاب ومهندسين ورجال أعمال، "إقامة مظاهرة في طريق النهضة في الرياض، تبدأ الساعة الرابعة ظهرا وتنتهي السادسة، تشترك فيها مجموعة من العلماء والمثقفين والمهتمين بالشأن العام، لكي يعبروا عن مشاعرهم بطرق سلمية حضارية مهذبة، مستنكرين هذه الجريمة البشعة ومطالبين بفك الحصار عن غزة".

وذكر الموقعون على الطلب، ومن بينهم تسع سيدات، بالمظاهرات والمسيرات والاعتصامات والاحتجاجات التي شهدتها عدة عواصم "في مشرق الأرض ومغربها" للتنديد بهذه "القرصنة المكشوفة في المياه الدولية".

وأضافوا "كان من الطبيعي أن يعبر الشعب في المملكة العربية السعودية عن مشاعره. فليس أقل منهم حماسة دينية، ولا حمية قومية، ولا مشاعر إنسانية، لأن الصمت يعني أن الناس في هذا البلد بلا مشاعر، وأنهم منفصلون عن العالم الذي يعيشون فيه".

وتمنوا "أن تجد هذه المبادرة سرعة الإذن والدعم" من الأمير نايف، صاحب النفوذ القوي والذي يشغل كذلك منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، وذلك "لاتخاذ الترتيبات المناسبة، والتنسيق مع الجهات المعنية بمراعاة النظام العام".

وتعتبر السعودية التظاهرات من الأعمال التي تشيع الفوضى وتخل بالنظام العام، كما يعتبر فيها الضغط على الحكومة من المحرمات.
وكان مجلس الوزراء السعودي دان الاثنين الهجوم الإسرائيلي على "أسطول الحرية"، وأعتبره "عدوانا يعكس الممارسات غير الإنسانية وتحديها السافر للعالم كافة، وللقانون الدولي وإصرارها على تجويع الشعب الفلسطيني ومنع كل وسائل الإغاثة الإنسانية، وإمعانا في قتل الأبرياء".

أسطول الحرية: مؤامرة على مفاوضات السلام

بينما كانت عدة عواصم عربية وإسلامية وغيرها من بلدان العالم تشهد مظاهرات صاخبة وغاضبة احتجاجا على الاعتداء على "أسطول الحرية" وعلى الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، تناوب كتاب وصحافيون سعوديون مقربون من الأوساط الرسمية للتشكيك في النوايا التركية أو الحديث عن "مؤامرة إيرانية" أو التندر بمشاعر "الشارع العربي والإسلامي".
فتساءل عبد الرحمن الراشد (الشرق الأوسط) "لماذا ارتكبت إسرائيل الجريمة؟". وأجاب بما معناه أن "المعسكر المتطرف" أو"حلف إيران" هو الذي "سير القافلة لتخريب مفاوضات السلام وإفشال مشروع أوباما (...) وفرض نفسه على المنطقة بتحقيق أهدافه الأخرى التي ليس بينها طبعا تحرير فلسطين ولا مواجهة إسرائيل"، مضيفا أن "هذا الفريق يعرف جيدا (...) أن كسر الحصار سهل لو أراد ذلك فعلا، أولا من خلال إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي شاليط".
وعاد الراشد السبت للقول بأن "رئيس الوزراء التركي الطيب أردوغان، من حيث يدري أو لا يدري، كسر الحصار الإيراني على العرب"، مضيفا بأن الأتراك "عندما أثاروا الكثير من الجلبة بقافلتهم وخطبهم، نفسوا عن المشاعر العربية المكبوتة جدا"، ومعتبرا بأن "أقصى المنافع التي ستحققها تركيا لنفسها من وراء رفع القميص الفلسطيني هي زيادة قيمتها السياسية خصوصا في وجه التلكؤ الأوروبي".

وكان هذا نفس الانطباع لدى داود الشريان، الذي كتب في "الحياة" بأن "إيران وتركيا كسبتا الشارع العربي بالخطب الحماسية والدعاية السياسية"، مضيفا بأن إيران وتركيا قادرتان على التعامل مع عقلية الشارع العربي الذي بإمكانك أن تكسبه بالدعاية والكلام المجاني والشعارات الفارغة".
ولم يختلفا عنهما كثيرا عادل درويش (الشرق الأوسط) عندما اعتبر مطالبة البعض بسحب مبادرة السلام العربية بـ"الهبة العربية الكلامية الباسلة"، أو صالح القلاب، لما تحدث عن "تحول زمجرات الشوارع وبيانات أحزاب المعارضة (وخاصة الملتحية منها) إلى مجرد كلام ليل يمحوه النهار".

دفاعا عن الشرفاء والمظلومين

لاقت هذه الآراء استحسان العديد من القراء واستهجانا من عدد أكبر من الذين رأوا في هذه المقالات "جلدا للشرفاء المتضامنين مع الألم الفلسطيني ومحنته، والذين جاءوا من أصقاع متعددة إسلامية وغير إسلامية، عربية وغربية، وهم يحملون دمى للأطفال والغذاء والدواء".
فكتب أحدهم تعليقا على الراشد "تركيا والسويد واليونان وايرلندا أصبحوا حلفاء لإيران ومتطرفون وهدفهم إفشال مفاوضات السلام. إنه العار يمشي عاريا"!
وكتب آخر قائلا "يا أستاذ عبد الرحمن، تقديرا لمشاعر الأمة، ليتك أخرت هذا التحليل المسكون بنظرية المؤامرة بعض الوقت على الأقل حتى تجف دماء القتلى ودموع ذويهم".
وتساءل بعضهم في بعض المواقع الإلكترونية "لماذا لم يكن يوجد سعودي واحد على أسطول الحرية"؟
وأرجع بعضهم ذلك إلى "ضعف مؤسسات المجتمع المدني" في البلاد وآخرون إلى "خصوصية" المملكة حيث "التجمعات المسموح بها هي التي يدعو لها ولي الأمر، كصلاة الاستسقاء"، وحيث "القانون يمنع الاحتكام لسلطة الشارع وإنما يخضع للشرع".

أما عن علماء الدين والدعاة في العالم الإسلامي، فقد أصدر سبعون منهم، وأغلبهم من المملكة، بياناً قوياً تضمن الدعوة إلى الجهاد ‏واستهداف "عمق الكيان اليهودي"، إضافة إلى ذم "لغة المفاوضات مع العدو ‏اليهودي".
بدوره، دعا الشيخ سلمان العودة، المشرف العام على مجموعة "الإسلام اليوم"، الحكام ‏العرب إلى "وقف المفاوضات مع العدو الصهيوني".
كما دعا الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في لقاء مع "العربية"، إلى التظاهر يوم الجمعة 4 يونيو/حزيران واعتباره "يوم غضب شعبي إسلامي ضد ‏العدو الصهيوني، ويوم نصرة لشعب غزة".
ولم يسجل تحرك يذكر في المملكة، باستثناء إقبال كبير لأداء صلاة الجمعة، في 4 يونيو، في عدد من المساجد، خاصة بمكة المكرمة والمنطقة الشرقية، بعد دعوة أطلقها من منفاه بلندن المعارض السعودي والمتحدث الرسمي لـ"الحركة الإسلامية للإصلاح"، الدكتور سعد الفقيه، إلى أنصاره للتوجه إلى الصلاة في مساجد محددة من كل مدينة.

وتقصد الحركة من خلال الدعوة للتوجه لهذه المساجد توفير فرصة التجمع دون التعرض لخطر أمني وكذلك لتسهيل المشاركة على كل من يرغب في التعبير عن موقفه دون الحاجة للتنسيق مع أي أحد.

www.saudiwave.com