المدخل الموضوعي للمصالحة الفلسطينية

بقلم: نقولا ناصر

طالما لم تنتف الأسباب التي قادت أصلا إلى الانقسام الفلسطيني الراهن فإن المصالحة الوطنية سوف تظل مؤجلة إلى إشعار آخر. ولم تنتف هذه الأسباب بعد.

فلماذا إذن اختار رئيس منظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس في بيت لحم يوم الأربعاء الماضي، وكذلك فعلت اللجنة التنفيذية للمنظمة واللجنة المركزية لحركة فتح في اجتماعهما المشترك آخر الشهر الماضي، تسليط أضواء مركزة على "المصالحة" في خضم التركيز الفلسطيني والعربي والدولي على ما وصفه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بـ"الهجوم على القانون الدولي وضمير الإنسانية والسلام العالمي" بعد القرصنة التي قامت بها دولة الاحتلال الإسرائيلي في المياه الدولية للبحر الأبيض المتوسط وقادت إلى المجزرة التي ما زالت آثارها تتدحرج مثل كرة الثلج دبلوماسيا وسياسيا وإنسانيا وقانونيا دون أن تنجح حكومة الاحتلال في احتوائها بالرغم من رضوخها، بسرعة ودون قيد أو شرط، للشرط التركي والضغوط الدولية بإطلاق سراح من اختفطتهم من المتضامنين مع الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة؟

في هذه المجزرة وآثارها يجد المراقب السبب المباشر الأول لمبادرة منظمة التحرير إلى محاولة دفع "المصالحة" إلى الواجهة السياسية بينما كل الظروف الملموسة تشير إلى عدم توفر الشروط الموضوعية لإنجازها. فهذه المجزرة قد حاصرتها سياسيا وإعلاميا بقدر ما حاصرت نتائجها العكسية، بالنسبة لدولة الاحتلال، "الشريك الإسرائيلي" في عملية السلام وأربكت "الراعي الأميركي" لهذه العملية وأحرجت "الشريك المصري" فيها، في وقت ينصب تركيزهم جميعا على المباحثات غير المباشرة التي ترعاها واشنطن آملة أن تقود إلى استئناف المفاوضات الفلسطينية المباشرة مع دولة الاحتلال، بحيث يصعب على أي مراقب ان لا يستنتج بأن تسليط الأضواء على مصالحة لم تنضج ظروفها الموضوعية بعد إنما يستهدف أولا التغطية على تحدى المنظمة ومفاوضيها لشبه إجماع فلسطيني على رفض الذهاب إلى المفاوضات.

ويستهدف ثانيا التغطية على انشغال المنظمة بهذه المفاوضات حد أن لا يكون لها أي دور في جهد دولي "سلمي ومدني وشعبي" متواصل لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، بالرغم من خطابها الذي يسوغ معارضتها المعلنة للمقاومة الوطنية ومطاردتها لناشطيها بالتنسيق الأمني مع الاحتلال بتبني المنظمة لل"مقاومة السلمية والشعبية"، وبالرغم من أن هذا الجهد الدولي قد وفر لها فرصة نموذجية لم تساهم فيها لممارسة هذا الشكل من المقاومة الذي تعلن تبنيها له، بحيث لم تعد تجد جوابا للتساؤل الشعبي الواسع فلسطينيا وعربيا عن غياب أي مشاركة لرموزها في جهد دولي يشارك فيه متضامنون فلسطينيون وعرب ومسلمون ودوليون من كل جنس ومذهب ولون وفكر، وهي مشاركة لو حدثت لكانت بالتأكيد ستعطي مصداقية لخطاب المنظمة حول "المقاومة السلمية" وتمنح لهذه الجهد الدولي المشروع شرعيتها المعترف بها دوليا كممثل شرعي ووحيد لشعبها.

إن هروب أو تهرب "شريك السلام الفلسطيني" من المساهمة في هذا النضال السلمي الدولي يذكر بأن وحدة النضال الوطني كانت هي دائما المدخل الموضوعي للوحدة الفلسطينية ويؤكد بأن وحدة النضال المشترك سوف تظل هي المدخل الموضوعي للمصالحة الوطنية.

ولهذا السبب على الأرجح تحرص دولة الاحتلال واللجنة "الرباعية الدولية" على "شروط الرباعية" التي خلق التزام المنظمة بها بيئة موضوعية لمنع أي وحدة للنضال الوطني، بيئة يستضيف فيها شطر من الوطن "مؤتمرات للاستثمار" ويتبجح بمعدل للنمو الاقتصادي مرتهن لارتهان قيادة هذا الشطر لشروط الرباعية ومانحيها الدوليين بينما "يتفرج" على الشطر الآخر وهو يحفر بأظافر جوعاه أنفاقا تحت الأرض للبقاء على الرمق، لا بل إنه يتفرج على سد هذه الأنفاق بالفولاذ الأميركي، وعلى خنق من يحاولون التنفس من خلالها بالغاز الأميركي، وعلى هدمها على رؤوس من فيها بقنابل الأعماق الأميركية التي تلقيها طائرات أميركية الصنع يقودها طيارون ليس من المستبعد أبدا ان يكونوا من حملة الجنسية المزدوجة لدولة الاحتلال الإسرائيلي وأميركا، وبينما الانفصام السياسي الوطني لا يجد أي ضير في عدم وصول سنت واحد من مليارات الدولارات الأميركية التي تفخر المنظمة بأن التزامها بشروط الرباعية هو فقط من استطاع أن ينتزعها من المانحين لإعادة إعمار قطاع غزة بعد العدوان الإسرائيلي عليه العام الماضي لتظل هذه المليارات مجرد تعهدات على الورق لا قيمة لها لها أكثر من قيمة الورق الذي كتبت عليه.

وقد فوتت قيادة المنظمة فرصة ذلك العدوان كما فوتت فرصة أسطول الحرية لغزة كفرصتين لوحدة النضال الوطني كشرط موضوعي للوحدة والمصالحة الوطنية، لكن الفرص وافرة طالما الاحتلال قائم وبالتالي فإن الفرص لم تفت بعد وسفن "المقاومة السلمية" تزداد عددا وربما يكون أسطولها الجديد أكبر حجما ومن المؤكد أن وجود "رموز تفاوضية" على متنها سيكون خطوة جادة أولى نحو وحدة النضال كمدخل موضوعي للمصالحة الوطنية.

ولا يمكن ببساطة تفسير القرار الذي اتخذه الاجتماع المشترك للمنظمة وفتح في نفس يوم مجزرة أسطول الحرية بإرسال وفد مشترك برئاسة "مستقل" إلى غزة بأنه مجرد حرص على مصالحة قال رئيس الوفد منيب المصري نفسه في الثاني عشر من الشهر الماضي إنها "لا تزال بحاجة إلى وقت، لأن الأمور لا تزال صعبة جدا" و "لا نريد التفاؤل كثيرا في مسألة التوقيع على المصالحة في الوقت الحالي". فما الذي تغير بعد أقل من عشرين يوما؟

ثم لماذا تنضم فصائل منظمة التحرير الأخرى إلى وفد المصري؟ وهل تنضم إليه كطرف في الانقسام أم كوسيط؟

لقد حرصت هذه الفصائل منذ الانقسام الدموي بين حركتي فتح وحماس على إظهار أنها ليست طرفا في الانقسام وحاولت أن تعزز رصيدها الشعبي بالدعوة إلى الوحدة الوطنية ثم عززت "استقلاليتها" بمبادرات للوساطة بين الحركتين، غير أن انحيازها إلى برنامج فتح التفاوضي، الذي منح شرعية لتبني منظمة التحرير لهذا البرنامج، قد أفشل هذه الوساطة، وشكك في استقلالية فصائلها التي انعكست على أفضل وجه في حرصها أثناء جولات الحوار الوطني في القاهرة وغير القاهرة على أن لا تضيع حصصها في "كعكة" منظمة التحرير وسلطة الحكم الذاتي ضحية لأي اتفاق "ثنائي" حرصت دائما على إعلان معارضتها له بين الحركتين، مما يلقي ظلالا من الشك حول جدوى مساعيها للوساطة بينهما، وحول جدوى مساعي المنظمة للمصالحة طالما ظلت مرتهنة للشروط التي وضعتها اللجنة الرباعية الدولية من أجل إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2006 وهي السبب الأول للانقسام الذي دون انتفائه سوف تظل الآمال الشعبية في مصالحة وطنية حقيقية ملحة وعاجلة مجرد أمنيات.

يوم الثلاثاء الماضي اقترحت مفوضة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون، من أجل دعم "الاستعداد لتصعيد الجهود" الأوروبية لإنهاء حصار القطاع، أنه ينبغي قيام عباس بزيارة غزة.

لكن عباس أكد عدم وجود أي خطط لديه لزيارتها "في الوقت الحاضر" كما أشيع مؤخرا، كما أن "حركة فتح ترفض هذه الزيارة قبل أن تتحقق المصالحة" كما قال جمال محيسن عضو مركزية فتح لوكالة شينخوا الصينية، بينما يكرر عباس أن الشرط المسبق للمصالحة هو توقيع حماس للورقة المصرية، وأن الشرط المسبق الثاني هو الرعاية المصرية للمصالحة باعتبار مؤسسة القمة العربية ومجلس الأمن الدولي قد اعتمدا هذه الرعاية، كما قال عباس في بيت لحم الأربعاء الماضي، بالرغم من أن "الاستمرار مع اللعبة الإقليمية مضر لأن الرهان على أي دولة تريد تجيير القضية الفلسطينية لصالحها يعد قصورا في نهج القيادة في فتح وحماس معا" كما قالت الرياض السعودية في افتتاحية لها الخميس الماضي.

والملاحظ هنا أن عدم زج الحركة الوطنية الفلسطينية في الخلافات العربية ـ العربية بالاصطفاف إلى جانب معسكر ضد آخر هو أحد ثوابت فتح التي انقلبت الحركة عليها لكن حركة حماس ورثتها.

وعلى كل حال، ما زال على المنظمة وفتح معا، وربما فصائل المنظمة الأخرى أيضا، أن توضح كيف سيكون توقيع حماس للورقة المصرية مختلفا في إحداث أي تغيير في مواقفهم جميعا يجعلها مختلفة عن مواقفهم بعد توقيع حماس على إتفاق القاهرة ووثيقة الأسرى واتفاق مكة والمبادرة اليمنية وجميعها فشلت في دفعهم إلى منح الوحدة الوطنية الفلسطينية أولوية على التزامهم بشروط "الرباعية"؟

لقد كان السبب الأول للانقسام هو الشروط التي وضعتها "الرباعية" من أجل إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية عام 2006 لأنها أدخلت إلى معادلة التفاوض عاملا من خارجها يربك "عملية السلام"، ومن هنا الانقسام فالاقتتال ثم الحصار الذي تمخض عن الانفصال الإقليمي الراهن بحكم الأمر الواقع بين قطاع غزة وبين الضفة الغربية.

لكن الحكومة التي تمخضت عنها الانتخابات الأخيرة في دولة الاحتلال الإسرائيلي لم تدخل إلى معادلة التفاوض عاملا يربك خطط التسوية السياسية فحسب بل إنه يهدد بدفن "عملية السلام" وخططها كافة، ومع ذلك ما زالت المنظمة تتساوق عمليا مع الأجندة الأميركية التي تعتبر حماس لا حكومة الاحتلال الجديدة هي العقبة الرئيسية أمام استئناف هذه العملية، وما زالت تعطي لهذه العملية أولوية على الوحدة الوطنية الفلسطينية.

فعلى سبيل المثال، عندما نسبت "القدس العربي" لعضو مركزية فتح عباس زكي قوله إن "الرئيس" عباس أبلغ واشنطن بأن قيادة المنظمة لم تعد تعتبر "إسرائيل" شريكا في عملية السلام سارع الناطق باسم الرئاسة في رام الله نبيل أبو ردينة إلى نفي ذلك قائلا إن زكي كان يعبر عن "موقفه الشخصي"، لكي يعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي ـ مون الثلاثاء الماضي عن سعادته لأن عباس أبلغه باستعداده لمواصلة التفاوض مع حكومة دولة الاحتلال الحالية حتى بعد ما وصفه كي ـ مون ب"مأساة" أسطول الحرية.

ودون الانسياق مع من يحاولون تسعير الاختلافات الفعلية القائمة بين حماس وبين الحكومة المصرية تحاول الحركة احتواءها بكل السبل ونزع فتيلها كي لا تتحول إلى خلاف مستعص على الحل، ودون التشكيك في صدق نية القاهرة في تحقيق مصالحة فلسطينية، فإن مصر مثلها مثل المنظمة ما زالت تتساوق عمليا مع الأجندة الأميركية التي تعتبر حماس لا حكومة الاحتلال الجديدة هي العقبة الرئيسية أمام استئناف "عملية السلام" وما زالت تعطي لهذه العملية أولوية على الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تسعى إليها بصفة رئيسية لخدمة عملية السلام، مما "يطيل عمر الانقسام" بسبب "عدم حيادية الراعي المصري للمصالحة" بدليل "إصرار مصر على التوقيع على الورقة قبل الاتفاق"، كما قال رئيس المجلس التشريعي المعروف باتزانه واعتداله د. عزيز الدويك (19/5/2010).

لكن تطور الأحداث قد أسقط هذا الترتيب للأولويات، وأسقط الحجة التي تذرعت القاهرة بها للإصرار على توقيع الورقة المصرية "كما هي"، وتتمثل هذه الحجة في حينها بضرورة سرعة ترتيب البيت الفلسطيني و"شرعيته التفاوضية" قبل استحقاق تجديد الولاية الدستورية لرئاسة سلطة الحكم الذاتي ومجلسها التشريعي أوائل العام الحالي، وحسب الورقة المصرية تم تمديد هذا الاستحقاق إلى شهر حزيران/يونيو الجاري، وعلى الأرجح سيمر هذا الاستحقاق بدوره دون الوفاء به، إلا إذا كان الانفراد بالانتخابات البلدية في الضفة الغربية الشهر المقبل يراد له أن يكون سابقة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية منفردة أيضا، وهذا سبب آخر وراء تحرك المنظمة وفتح لدفع موضوع المصالحة إلى الواجهة في توقيت غير مناسب يضعهما في موضع شبهة من يحاول تشتيت التركيز على مجزرة أسطول الحرية لغزة.

وربما تكون استجابة عباس لاقتراح أشتون بزيارة غزة محكا لجدية أي تحرك جاد للمنظمة وفتح باتجاه المصالحة، إذ يمكنه اصطحاب الدويك أولا إلى مقر المجلس التشريعي حيث مكانه دون أية ذرائع، كون ذريعة "انتهاء الولاية الدستورية" مثلا هي سيف ذو حدين يمكن شحذه ضد الرجلين.

ويمكنه ثانيا اصطحاب الدويك للإفراج عمن تعتقلهم السلطة من إخوانه كإجراء من إجراءت بناء ثقة تمهد للمصالحة و"تحرج" حماس لكي ترد بالمثل.

ثم يمكن للرجلين معا إصدار بيان مشترك يعلن إنجاز المصالحة الوطنية ورفع الحصار عن غزة شرطين مسبقين لأي استئناف للمفاوضات.

ويمكن لعباس ترأس الوفد المشترك للمنظمة وفتح المتجه إلى غزة وضم الدويك إليه.

وربما يكون من الأفضل أن لا يعبر هذا الوفد إلى القطاع من معبر رفح، بل أن يبدأ صفحة جديدة من وحدة النضال الوطني باستئجار سفينة لكسر الحصار ـ ـ يمكن الاتفاق على تقاسم تكاليفها بين الطرفين وقد تتبرع بها حماس كاملة حتى تجنب عباس حرج اتهام المانحين له بإساءة استعمال أموالهم ! ـ ـ تقود أسطولا يدعو الرجلان إلى المشاركة فيه كل قادة الدول الراعية ل"عملية السلام" كمحك أخير أولا لصدقية "المقاومة السلمية" وثانيا لمصداقية هذه الدول في هذه العملية، يقرر الصف الوطني الفلسطيني الموحد بعدها استنادا إلى مواقف دولية ملموسة أي شكل من أشكال المقاومة تتبناه القيادة الفلسطينية الموحدة كاستراتيجية للنضال الوطني تبت في أمر "التنسيق الأمني" كسبب رئيسي آخر للانقسام.

فهذا هو المدخل الموضوعي للمصالحة الفلسطينية. لكن مثل هذا التوجه ما زال بالتأكيد يندرج في باب "التمني" الوطني. غير أن الوقت قد حان في كل الأحوال لدعوة جميع "الإخوة إلى كلمة سواء" كما قال عباس نفسه الأربعاء الماضي. نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com