إبراهيم نصر الله والكتابة غير السلاطينية

بقلم: د. حبيب بولس
سيظل الخوف يلاحق الجنرال

لقد نشأت الكتابة في رحم الحرية, التي كانت تعبيرا عن فطرية الاجتماع البشري, والفطرية هنا هي محصلة مواجهة الإنسان للطبيعة ولجسده, محصلة لإنتاج المجتمع الذي كوّن الإنسان المتحد. إلى ذلك الرحم تنتسب الكتابة كواحد من حقول الإبداع, وعن ذلك الرحم عبّرت وإياه خاطبت. وفي المسار المعقد التالي للتطور الاجتماعي اختلف الأمر, فقد غدا المجتمع طبقيا, ووسمت الطبقية بالتالي التاريخ, ولم تعد الكتابة تنتسب بالمطلق إلى رحم الحرية.
ما تقدم، وهو كلام للكاتب الناقد نبيل سلمان, يقود إلى القول: إن السلطان السياسي لا يوفر سعيا من أجل ترسيخ سيادته وتوطيد مصالحه. ومن ذلك أن يسعى في ميدان الكتابة والإبداع عامة, وفيما يخصّ الكتابة ثمة السلطان الاجتماعي العام الذي يتدخل في فسحة الكتابة والإبداع وفي طبيعتها أيضا. وهذا السلطان الاجتماعي أعقد تركيبا من السلطان السياسي.
نخلص إلى القول مما تقدّم إلى أنّ الكتابة التي تعنينا هنا تواجه في الراهن العربي ضغط السلطان السياسي العربي القامع والمتخلف, كما تواجه السلطان الاجتماعي العام الموروث والمضلل والمتخلّف والمقموع, وأيضا القامع.
إنّ المناطق المحرّمة على الكتابة العربية تزداد اتساعا وتحصينا ووعورة. ومن هذه المناطق ما طوّبه السلطان السياسي, وهي الأكثر خطورة, ومنها ما طوبه السلطان الاجتماعي بمباركة السلطان السياسي. فالسلطان السياسي العربي يحرم على الكتابة أن تخترق تخوم سيادته, والحقيقة تخوم مصالحه الجذرية, ومن ذلك مثلا أنه يحرّم اختراق رموزه البشرية والممارسات الشخصية لهذه الرموز, والممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمؤسساته. والسلطان الاجتماعي مباركا من السلطان السياسي ولغاية في نفس يعقوب يحرم على الكتابة أن تخترق تخوم الجسد العربي وحاجاته الروحية والمادية متمثلة خاصة في الجنس والمعتقد.
إن مباركة السلطان الاجتماعي هنا ليست تعبيرا عن تمثيله للقطاعات الشعبية المنتجة العريضة, بل ركوب للموجة وتضليل لوعي هذه القطاعات وتكريس لما يخلفها ويعطل عافيتها الروحية والمادية، ويسهم بالتالي في تأييد السلطان السياسي. هكذا نرى هذا السلطان يبدو أكثر غيرة وحماسة وأشد تطرفا حين تتجرأ الكتابة على تعبير جنسي ما أو مناوشة دينية ما, على الرغم من أن السلطان السياسي قد يكون ملحدا أو متحررا بنسبة أو أخرى من القيود الجنسية السائدة.
وإذا كان السلطان الاجتماعي في مثل هذه الحالات لا يملك أكثر من رفض تلك الكتابة الوقحة والعزوف عنها والتشهير بها, فإن السلطان السياسي سرعان ما يترجم هذا كله إلى قرارات بالمنع أو التوقيف أو سوى ذلك من الإجراءات, حسب خطورة الموقف والحالة, وحسب حاجته لاستغلالهما.
هذا المناخ التحريمي يحول بين الكتابة وبين الراهن من جهة, كما أنّه يسعى إلى ترسيخ أو تسليط بوق السلطان السياسي الذي يجيد التزلف إلى السلطان الاجتماعي والالتفاف عليه, وهذا التسليط يفعل فعله في الحياة الروحية للمجتمع.
إنّ الكتابة العربية غير السلاطينية - كما يقول سلمان - تبدو وهي تقبل الراهن في مواجهة ذلك المناخ التحريمي الضاغط والمعقد تجهد، تارة في الترميز وتارة في الإنشائية، فتأتي الرموز قاصرة وفقيرة وغير مقنعة, وتأتي اللغة مترهلة ومضللة عكس ما يتوخى الكاتب والقارئ المعني بهذه الكتابة. كما يقود ذلك المناخ التحريمي هذه الكتابة في أحيان أخرى إلى تسطيح المعالجة أو تغليب الشعارية أو ممارسة لعبة القط والفأر مع الرقيب السياسي والاجتماعي؟
وخلاصة القول: إن المناخ التحريمي يضغط على الكتابة غير السلاطينية باتجاه التدجين. والضغط هنا بألف لون, كما أن التدجين بألف لون. وهذا المناخ الموبوء يربك إلى حد التعطيل على مستوى آخر علاقة الكتاب ببعضهم البعض داخل مؤسساتهم أو خارجها, كما ويربك ويعطل علاقة الكاتب بالقارئ وعلاقة القارئ بالكتابة, وهذا كله ما يؤذي في المحصلة لغة الحوار والعلاقات الديمقراطية فيما بين مرايا العملية الإبداعية المعنية/ الكتابة وأقانيمها الثلاثة: الكاتب/ النص/ القارئ.
والسؤال الأساس: وماذا لو رفض الكاتب غير السلاطيني التدجين؟! كيف سيكون موقف السلطتين (السياسية والاجتماعية) منه ومن أدبه؟ الإجابة هنا بسيطة, هي الحاصل في العالم العربي اليوم, وهذا الحاصل يتلخص إما بالسجن أو بمصادرة كتبه أو بملاحقته سياسيا واجتماعيا، أو بالإعلان عنه كافرا جاحدا. هذا ما نراه في مصر اليوم، وهذا ما نراه في عدد آخر من البلاد العربية. وهذا ما نراه حاصلا اليوم لأديب معروف له بصمات كبيرة على مسيرة أدبنا، وذلك لأنه أغناها شعرا وقصة وأعني الأديب إبراهيم نصر الله.
والمدهش أنّ إبراهيم نصر الله في عام (1990), كان قد نشر رواية رائعة بعنوان "عو", صدرت عن "دار الشروق" في عمان, تقع في (174) صفحة من القطع المتوسط, فيها يتناول إشكالية العلاقة بين الكاتب والسلطة, وعملية التدجين التي تمارس على الكاتب, والمهم فيها أنّه يتنبأ بالحاصل اليوم.
من هنا ارتأيت أن أقدم, هذه الرواية للقارئ كي يرى إلى أهمية الأدب الصحيح, الأدب الذي يرى مهمته في التعبير القوي عن الإرادة الكامنة في وعي المجموع ثم في الأفراد, من جهة, وكي أضم صوتي إلى أصوات الآخرين الذين جأروا ضد القمع الفكري الثقافي من جهة أخرى.
بعد هذه البداية ننتقل إلى رواية "عو" وإلى السؤال: حين تفرغ من قراءة رواية "عو" للكاتب المعروف ابراهيم نصر الله تصاب للوهلة الأولى بالذهول, وتنهال عليك أكوام من الأسئلة: كيف يمكن للإنسان أن يصبح كلبا؟ كيف يصاب بآفة النباح؟ أين إرادته؟ أين كرامته؟ كيف ترضى السلطة بإنسان صفر, لا قيمة له, .. الخ.
من هذه الأسئلة المذهلة الغريبة التي تلح عليك وتثير فيك كقارئ سيلا من العواطف تدفعك إلى اتخاذ موقف ناقم مشحون بالقرف من السلطة والنظام اللذين لا يحترمان إنسانية الإنسان واللذين يتعاملان مع المواطن كوعاء فارغ أو كبوق عليه فقط ترديد الهتاف أو تقديم الولاء لهما.
بعد كلّ هذه المشاعر التي تثيرها فيك رواية "عو" تصل إلى نتيجة حتمية تقول: ليس الأدب غير تعبير قوي عن الإرادة الكامنة في وعي الجماعة ومن ثم الأفراد. ولكن قبل ذلك يفاجئك محتوى الرواية, فهو محتوى يتناول ثيمة مطروقة ولكن ما يحيي هذه الثيمة ويكسبها الجدة هو الشكل، وذلك لأن المحتوى يظل محتوى في عمقه, في جوهره, لكن الشكل هو الأكثر تعبيرا عن التحولات, فشكل العمل الأدبي وبناؤه هما اللذان يخضعان لمعطيات نفسية واجتماعية مرهونة بمرحلتها التاريخية. من هنا تنبع أهمية هذه الرواية أي من محتواها العميق ومن الشكل والبناء اللذين يعبران عن هذا المحتوى.
وإبراهيم نصر الله في روايته "عو" يطرح همًّا يستوحيه من مكونات واقع هذا المجتمع بحيث يكتسي استيحاؤه هذا بعناصر تخييليه وتشخيصية لغوية تحوله إلى فضاء مفتوح على أبعاد كثيرة رمزية, وأيديولوجية وبارودية ساخرة. هذه الأبعاد مجتمعة هي التي ترتقي بهذا العمل القصصي إلى مستوى المتعة المتجددة خاصة تلك النغمات الساخرة والفاضحة في آن.
بناء على ما تقدم تصبح المقاربة النقدية لمثل هذا العمل عملية صعبة تتطلب جهدا وحذرا وذلك لأن المقاربة هنا تأخذ على عاتقها استجلاء النسيج الروائي الذي وصل إليه الكاتب من خلال خطاب روائي يوازن بين الشخصيات وحديثها, بين الأفعال ومنطقها, وبين الرؤيات ولغاتها. ثم تحاول أن تقف على التوازن والتمازج بين خطابين: تاريخي/ واقعي/ سياسي وآخر إبداعي/ قصصي/ روائي فنّي. وكل ذلك كي تصل المقاربة إلى فنية الكاتب وإبداعه لتقول فيهما كلمتها الأخيرة سلبا أو ايجابا.
الرواية من حيث بناؤها تقوم على تقنية المزاوجة بين صورتين: صورة كلب ضال يروض ليحرس بيت الجنرال وهو في طور بنائه، وصورة صحفي بسيط عادي يتطور بفضل خدمته للجنرال ليصبح رئيسا للتحرير في صحيفة يومية. ويكون السؤال بالتالي الذي يلح على البطل وعلينا ماذا سيكون مصير الكلب حين ينتهي الجنرال من بناء بيته؟ ماذا سيكون مصير هذا الصحفي حين ينتهي دوره وتستنفد طاقاته؟ من هنا تتزاوج الصورتان, تفترقان تلتقيان, لتصبحا بالتالي صورة واحدة: كلب وصحفي سيان ومصيرهما واحد. وعندها ينبع السؤال الساخر المبكي في آن: هل سينسى الجنرال كلابه؟ الإجابة تأتي على الشكل التالي: لا ينسى الجنرال كلابه طالما أن هذه الكلاب ما زالت تنبح كلما شاء لها الجنرال ذلك.
هذه المزاوجة بين الصورتين هي محور الرواية الأساسي وهي تنبع من فكرتها الرئيسية التي تطرح الصراع الحاد والشرس بين الدكتاتورية وأحلام الانسان البسيطة وتكشف بجرأة محاولة تحويل الإنسان إلى مسنن في دولاب السلطة, ليكون بالتالي جزءا من لعبتها أو ألعابها. وبالقدر الذي تعكس فيه وترصد نمو وعي السلطة ترصد بالمقابل ظاهرة سقوط المثقف في شراكها من خلال الدعوة المزيفة: التعايش بين المبدع والحاكم أو ما يسمى جسر الهوة بين المثقفين والسلطة؟!
هذه الفكرة المحورية جريئة وواقعية لأنها تعنى بالأمرين معا: الإنسان/ المثقف والسلطة/ النظام. والكاتب فيها يقف متحيرا إلى جانب الإنسان/ المثقف ضد التسلط والارهاب, والاستبداد السياسي يقف إلى جانب إنسانية الإنسان وكرامته ضد محاولة التشيؤ الذي تهدف إليه السلطة. ولكن وهو في غمرة حماسه لا يستبق الأحداث ولا يعطي مواقف رعناء. والسلطة هنا ليست سلطة خاصة بعينها بل هي السلطة عموما التي تمارس ضغطها بخبث ولؤم. السلطة هنا هي كل سلطة في كل بلد عربي دون استثناء.
بعد كل ما تقدم يظل السؤال مفتوحا كيف يطرح الكاتب كل ذلك؟
تدور الرواية حول أربع شخصيات رئيسية تتصارع: جنرال كاتب, قارئ كلب. كل واحد من هذه الشخصيات مشحون بالترميز والإيحاء، ولكن الترميز هنا ليس من ذلك النوع الفجّ أو المستغلق بل ترميز ينبع من ضرورة الحدث. الجنرال مدير المؤسسة الحاكمة/ المدينة/ الدولة, منطقه منطق الحاكم الفرد المتسلط الذي يريد لشعبه الخضوع التام. إذ لا بد لمؤسسته أن تنجح, حتى ولو أدى ذلك إلى امتساخ المواطن وتشييئه، ولأنه كذلك فهو القادر على كل شيء. الديكتاتور المحافظ الذي لا يؤمن بغير السلاح والقوة والحرص على التقاليد والفعالية والتكنولوجيا الحديثة والتعذيب. المواطن خادم للمؤسسة لا غير ممنوع عليه أن يرفع صوته, أن ينتقد, أن يؤشر على الجرح. الجنرال هنا رمز للحكام العرب وللنظام القمعي الذي يتمظهر بمظهر الديمقراطية ولكن في جوهره وفي ممارساته بعيد عنها, فهو نظام فرد, والفرد هو القائد, هو المعبود, كل شيء يتبع له حتى المواطن نفسه.
أحمد الصافي: صحفي بسيط, مثقف, كاتب قصصي مبدع, من طبقة فقيرة. قصصه وكتاباته نالت شهرة واسعة وكان لها تأثير كبير على القراء, خاصة تلك القصص الوطنية. يكتشف الجنرال خطورة كتاباته، وذلك من خلال عملية مقاومة ناجحة يقوم بها شاب اسمه سعد مع عدد من الرفاق. نجاح العملية يشكل خطرا على نظام الجنرال ويهدد الأمن الذي حققه بالحديد وبالنار، وذلك لأن عملية كهذه تغضب سيدته أميركا وحليفتها إسرائيل وهو ليس قادرا عليهما.
يكتشف الجنرال خطورة أحمد لأن دافع سعد إلى المقاومة قصة من تأليفه "طفل الليلة الأولى". فحرصا على أمن النظام ومركز الجنرال وخوفا من أميركا وإسرائيل تبدأ عملية ترويض أحمد بعد أن يلقى القبض على سعد. عملية الترويض تنجح ويتحول أحمد إلى بوق لا يهتف إلا باسم الجنرال, يتحول إلى كلب نابح يعوي فقط بلا تفكير تماما ككلب الجنرال الذي يحرس بيته. ولكن عملية الترويض هذه لا تأتي دفعة واحدة بل تمر بمراحل متعددة, كما أنها لا تنجح إلا بسبب عدد من الظروف الموضوعية.
ومن خلال علاقة أحمد بالجنرال ثم علاقته بزوجته وابنه وعلاقته بقرائه الذين يمثلهم سعد (ضمير الكاتب الحي) تتشابك خيوط الرواية, كما أن الكاتب يرسم دوائر الفعل والتذكر والسرد حول هذه الأنماط الأساسية من الشخصيات, وهكذا تنفسح أمامه مجالات الكتابة.
ومن خلال العلاقة بين أوضاع الشخصيات في حاضرها وفي ماضيها وفي مسار تكونها تنفسح الرواية للتفاصيل والتمايزات ونسير مع أحمد الجنرال, مع أحمد وزوجته وابنه, مع أحمد وقرائه, عبر رحلة في فضاءين زمنيين: حاضر الرواية أو الحدث الذي لا يستغرق سوى عدد من الأيام/ الأشهر ربما, وماضي الشخصيات الذي يمتد بعيدا. هذان الزمنان أتاحا للكاتب ضبط الفعل والتلاعب به على واجهتين: فأفعال الشخصيات تأتي على بنيتين متفاعلتين. الأولى, حاضر المدينة/ الدولة بوصفها رمزا. والثانية, التفاصيل والأبعاد المتعلقة بماضي كل شخصية/ أحمد/ الجنرال/ سعد/ والمتمثلة في عدد من العلاقات.
هاتان البنيتان لأفعال الشخصيات وسلوكياتها تظهران أيضا على مستوى فنية الرواية وذلك بالمزاوجة بين تقنيتين: المشهد الذي يعطينا الأفعال المتعلقة بالحدث/ حاضر الرواية, والفلاش باك الذي يعطينا ماضي الشخصيات. فعملية استرجاع الذاكرة جزء أساسي من الرواية, كما أن عملية المونتاج السينمائي تساعد الكاتب على تقديم المشاهد المختلفة والانتقال من زمن إلى آخر, من لقطة إلى أخرى, دون بتر أو قطع. وبين الزمنين بين اللقطات ينعقد الصراع في داخل أحمد الصافي, يقوم بينه وبين ضميره بين حاضره وماضيه, بين ما يسعى إليه ويحلم به وبين ما هو فيه. فمن جهة يشعر أحمد بعجزه وبانحداره أمام سلطة الجنرال وخداعه وأساليبه الذكية, كما يشعر بانقطاعه عن محبيه وعن قرائه وعما كانوا يتوقعون منه. ومن جهة أخرى يشعر بأنه بحاجة لما يقدمه له الجنرال من منصب ومال وبيت وسيارة وحياة هادئة آمنة.
يأتي هذا الصراع على شكل مونولوجات ناجحة جدا تسبر غور الشخصية وذلك من خلال ضمير البطل/ قرائه، خاصة سعد الذي يمثلهم. فسعد يرمز إلى ما كان يتمناه أحمد ولم ينجح فيه وهذا ما يعذبه على طول زمن الرواية. وحين يسقط أحمد يسقط معه كل شيء, يسقط ضميره/ قراؤه, حبه/ زوجته وابنه. ونشعر من خلال كل ذلك أن ما كان يعجز عنه أحمد في حاضره/ واقعه صار يقيمه في خياله/ أحلامه, لذلك يبلغ عنصر التخييل ذروته في الرواية في هذه المونولوجات.
وطالما أن تقنية الرواية تقوم على حاضر الشخصيات وماضيها فمن الطبيعي أن نجد أن الزمان والمكان في الرواية جاءا على مستويين أيضا: مستوى الزمن/ الواقع/ التاريخ ممثلا بالسلطة وبالجنرال وفيما أنجز للمدينة/ الدولة من عمار وشوارع وتحديث, ثم مستوى الزمن الدائري من خلال عرض الأحداث والحياة اليومية. هذه المزاوجة الزمانية أسهمت كثيرا في بلورة كتابة الرواية وسردها بحيث استطاع الكاتب بواسطتها استيعاب التعقيدات المتصلة بالفرد وبالمجتمع, بالمعيش وبالتاريخ.
كل ما ذكر لا يؤثر على بنية الرواية أو على خطابها الروائي/ الابداعي بل العكس هو الصحيح حيث نجد الموازنة الناجحة بين الخطابين التاريخي والروائي. والشواهد على ذلك كثيرة. كالمشهد الذي يسترجع فيه سعد عملية المقاومة والقبض عليه وانتحار حميدان الجندي الذي أُلقي القبض عليه هربا من عار فعلته مثلا.
وعلى مدى الرواية وفسحتها الزمانية الحاضرة تصطرع القيم في داخل أحمد ويضطر كي يتعايش معها إلى تبريرها وإلباسها رداء الواقع. ولكن رغم سقوط أحمد نظل نتعاطف معه وذلك لأن عملية ترويضه مدبرة بحنكة ولأن خضوعه كان مرهونا بظروف موضوعية كالفقر والخوف على حياته وحياة عائلته التي يحبها. وثيمة الرضوخ سترا للفقر وللعار ثيمة طالما قرأناها في الأدب العالمي والأدب العربي. والجنرال يعرفها جيدا فهو يردد حكمته: "هنالك نوع من البشر يأكله الحرير أكثر ما يأكله الصدأ".
وفي خضم أحداث الرواية التي نتابعها من خلال علاقات أحمد لا ينسى الكاتب القضية الأساس التي تعري واقع الأنظمة العربية وتفضحها وهي القضية الفلسطينية. ولكن تعامله معها هنا كان تعاملا تلميحيا لا تصريحيا طنانا الأمر الذي أبعده عن السقوط في براثن العاطفية الرخيصة والارتفاع إلى مستوى الجرح الكبير.
هذا التعدد والغنى الذي نجده في الرواية نجده أيضا في لغتها واستعاراتها وتشخيصاتها ويظهر ذلك في الفوارق الموجودة في كل من لغة السرد ولغة الحوار. فلغة السرد لغة موضوعية بينما لغة الحوار فيها الكثير من الصور العامية. وإلى جانب ذلك نشعر بإيحائية اللغة وكثافة تركيبها وشاعريتها كما نجد فيها أيضا تمايزا بين لغات ثلاث, لغة الجنرال/ لغة المؤسسة التي تمتح من قاموس العلم والتكنولوجيا والفعالية والتحديث والسلطة، ولغة تبريرية نجدها عند المواطن/ المثقف/ أحمد الذي ارتدّ وتحوّل. وثالثة هي لغة طوباوية تمتح من المثل الأعلى ونجدها عند سعد. ولكن ما يجمع كل هذه اللغات هي الباروديا الساخرة التي تقوم على وجود مقاطع سردية وحوارية ساخرة وخطابات مزيفة بعيدة عن هدفها الذي جاءت لأجله.
وعلى الصعيد الفكري يبرز الكاتب ذلك التناقض بين الإنجازات المادية الفضائية مقابل الرقابة المشددة على المواطن.
من خلال كل ما ذكر ينجح الكاتب بتوصيل فكرته إلى قارئه بيسر وليونة وفنية راقية دون الوقوع في آفة الشعارات والكليشيهات, ودون أن تتحول شخصياته إلى أبواق تهتف بآرائه مباشرة. بمعنى آخر دون أن يتغلب الخطاب التاريخي على الخطاب الروائي وهذا هو الإبداع الحقيقي. والأمثلة على ذلك كثيرة: فحين أراد لبطله الفشل جعله يفشل في أمسية أدبية في الحاضر مع مقارنتها بأمسية أخرى في الماضي. وحين أراد له أن يتعذب أبرز لنا ذلك من خلال حماس قرائه لقصصه القديمة. وحين أراد له السقوط جعلنا نتابع ذلك على مراحل كانت ذروتها تعليقه لصورة الجنرال في مكتبه وبتعيينه رئيسا للتحرير. حين أراد لبطله أن يتشيّأ جعله صورة لكلب الجنرال ينبحان معا، "صار لنا في الحارة جروان" كما تقول زوجته.
وهكذا تتوالى المشاهدة الترميزية الموحية والشاهدة على سقوط أحمد بالتالي نهائيا, فحين تنشب المظاهرات وتأتي الانتفاضة, الحدث الذي رجّ العالم كله, نجد أحمد بعد سقوطه غير قادر على الكتابة عنها لأنه لم يعد يفهم لغتها بل لغة السلطة وما تريد. هكذا يفارق أحمد حقيقته كمثقف مثوّر إلى جندي خادم لمشيئة الجنرال/ المؤسسة, وهكذا يفقد إبداعه ويفتش سعد والآخرون عن بدائل له وتكون البدائل الأفواج الجديدة من الكتّاب الشباب أو تلك الأفواج التي مرت بنفس التجربة، ولكنها ما لانت ولا خضعت بل دفعت حياتها مهرا للقضية كغسان كنفاني مثلا.
الجنرال لا ينسى كلابه وأحمد الصافي صار منهم, فقد براءته ولم يعد قادرا على رؤية البراءة حتى في زوجته وابنه. بعد سقوطه صار الجنرال كل شيء. لقد احتل أحمد واحتل بيته أيضا. في هذه الحرب, حرب السلطة والمثقف, حرب السلطة والفرد, تنجح السلطة لأنها تملك كل معطيات النجاح, ولكن هل ستظل تنجح دائما؟! سؤال ينبع من لب المأساة في الرواية, وتكون النهاية الرائعة المفتوحة على الآتي: إذا سقط أحمد اليوم, إذا وقع كفرد في أحابيل السلطة, فهناك غيره كثيرون لم ولن يسقطوا, لم يروّضوا كنمور زكريا تامر في اليوم العاشر. فحين يصعد الجنرال إلى بيته الجديد المشرف على كل المدينة ويطل من هناك على مدينته النائمة يشعر بأن هناك أشياء غامضة كثيرة في هذه المدينة رغم نومها وهدوئها فيتحسس مسدسه, وكأني بالكاتب يريد أن يقول: ماذا مع الغد؟ هل سيظل القمع/ الإرهاب/ الظلم/ الاستبداد, يحمي السلطة؟
مهما يكن سيظل الخوف يلاحق الجنرال, فسقطة أحمد هي سقطة واحد ولا يمكن لها أن تكون سقطة شعب. إنها لعبة. إذا ربحتها السلطة اليوم فستخسرها غدا, وعندها ستكون الخسارة فادحة, إذ لا رجعة منها أبدا. وهنا تأتي الرسالة: أيّها المثقفون انتبهوا, النظام لا يزال صاحيا قويا, يمارس ألعابه بذكاء وبدهاء, وألعابه خطيرة فاحذروها. ولا بد أن يكون فجر مهما طال ليل الظلم.
هذه هي رواية "عو" وهي بكل ما قدمته تشكل إسهاما كبيرا في بناء رواية عربية وفي دعم واقعيتها الجديدة محتوى وشكلا وبناء ولغة ومحاكاة لواقع محمل بكثير من العناصر التخييلية الترميزية الإيحائية, بحيث تعطي للقارئ فرصة التقاط ما وراء المشخص, كما تعطيه فرصة معرفة التعقيدات الملتصقة بحركة العلائق وتفاعل التاريخ. ويكفي الرواية أنّها صورت وجسدت الدول العربية الرجعية, وشخصت زيفها المتلفع بأيديولوجيا كاذبة منافقة متناقضة, كما يكفي إبراهيم نصر الله أنّه كاتب هذه الرواية الفاضحة/ الجريئة/ الساخرة/ المبكية في آن, والمحملة بالنبوءة لما سيأتي.
كفاه أنه أسهم بروايته هذه في بناء مستقبل الرواية العربية الرافض لكل أنواع التدجين. والكتابة السلاطينية.
فهل كان إبراهيم نصر الله عالما بما سيجري؟ أو بما يجري اليوم من أعمال تدجينية ترهيبية تكسر الحلم والرؤى؟!
من يدري؟! د. حبيب بولس – ناقد ومحاضر جامعي – الناصرة (فلسطين)
drhbolus@yahoo.com