التدمير المُمنهج للعراق على ثلاث مراحل

بقلم: صباح علي الشاهر

وصفة مُجربة في كيفية التدمير المُمنهج لوطن وشعب على ثلاث مراحل: حصار، حرب، إحتلال. الوطن هو العراق، والشعب هو الشعب العراقي.
عقدان من الزمن أو يزيد وأميركا وحلفاؤها يطبقون بإبداع قلَّ نظيره مفردات وتفاصيل هذه الوصفة. خلال هذه الفترة التي يمكن أن تنتقل فيها أمة من مرحلة السبات إلى النهوض، ومن الضعف إلى الإقتدار، كما حدث لماليزيا مثلاً، كان العراق وما يزال يخرج من كارثة ليدخل أخرى، ويغذ السير لا صعوداً، بل هبوطاً نحو القاع على نحو متسارع.
في أواسط السبعينات أخرجت بعض الدراسات الجادة في الغرب العراق من دول العالم الثالث وعدته أول بلد في منطقة الشرق الأوسط يلامس تخوم بلدان العالم الأول.
لقد ساعد إرتفاع عائدات النفط، مثلما تأميمه، على توفير الغطاء اللازم لتطور البلد، الذي أصبح محط آمال الشركات والمؤسسات الأجنبية بإعتباره غنياً، واعداً، مثيرا للإهتمام ومركزياً في منطقة عدّت واحدة من أهم المناطق التي يتنافس فيها وحولها المتنافسون.
أفلح العراق في إعلان خلوه من الأمية، إثر نجاح حملة لا مثيل لها في مكافحتها، وبالترافق مع هذا إنتشر الألآف من طلبة العلم العراقيين في كليات ومعاهد العالم، بالإضافة إلى تضاعف عددهم في كليات ومعاهد العراق التي كانت تنتشر وتتسع على نحو مُطرّد.
وأرتفع دخل المواطن العراقي بحيث أصبح يضاهي دخول بعض البلدان الأوربية المتطورة، وعاد العراقي ليتصف مُجدداً بالبغددة، التي هي وصف للرفاه ودعة العيش.
توسعت الزراعة وتطورّت كماً ونوعاً، وتنوعّت الصناعات الزراعية، والمشاريع الخدمية، ومشاريع الطرق والجسور والمواصلات، وإزدهرت على نحو مثير المداجن وحقول تسمين الماشية، وتربية الأسماك، إلى جانب ظهور صناعات عراقية في شتى الميادين بما فيها بناء مفاعل تموز النووي. أما الصناعات العسكرية فقد بلغت شأوى بعيداً بحيث أصبح العراق على أعتاب دخول منظومة الدول المصدرة للأسلحة.
لقد كان التطور يسير بوتائر متسارعة في كل الميادين ما خلا ميدان الديمقراطية، والحريات العامة، حيث كان النظام يعزز من سلطته الإستبدادية ويكرّس التفرّد وعبادة الفرد، كلما زاد رصيده من الإنجازات، بحيث وصل الأمر بإعتبار كل ما حدث ويحدث من تطور إنما هو مكرمة من القائد! وكانت هذه هي الثغرة التي تم إستغلالها من قبل المتربصين والطامحين بالبلد أحسن إستغلال، حيث أدخل البلد في مغامرات أوقفت تطوره ونموه، واستنفدت قدراته وإمكاناته، وجعلته مديناً بعد أن كان دائناً.
بدأ التطبيق العملي والفعلي لخطة المراحل الثلاث على إثر دخول العراق إلى الكويت، حيث تم فرض الحصار الشامل الذي لم يشهد التأريخ مثيلاً له، بعد أن تم تدمير كامل البنية التحتية.
وللمرء أن يتساءل كيف يمكن لأربعة وعشرين مليون إنسان، وهو عدد نفوس العراق يومذاك، العيش دون ماء وكهرباء ومواصلات وخدمات وعمل؟
وبدل أن ينبري العالم لتقديم المساعدة لهذه الملايين التي كانت منكوبة في بلد منكوب تم تدميره بما يتفوق على تدمير أكبر كارثة بيئية في التأريخ، فرض العالم المتمدن حصاره الشامل على الوطن العراقي، وعلى الشعب الذي هو بحاجة ماسة للمساعدة كي يواصل العيش بالحد الأدنى.
لقد تم تحريم كل شيء تقريباً بحجة عدم تسريب ما يمكن أن يستخدم لإنتاج السلاح، ووصل الأمر إلى حد منع أقلام الرصاص وورق الكتابة، والأدوية، ولعب الأطفال، خل عنكم الكتب العلمية. لقد كان حصاراً بربرياً همجياً كان في جوهره مسلطاً على الأبرياء، ولم يتأثر به أي من المسؤولين الحكوميين، لا بل ساعد على تثبيت قبضة الحكام على الناس الذين أصبحت حياتهم مرهونة بالبطاقة التموينية التي تم إعتمادها بعد إقرار مذكرة النفط مقابل الغداء.
في ظل الحصار تم القضاء على الصناعات العسكرية، والقضاء على التطور العلمي، وإنهاء وجود القوة الجوية والطيران، بمنع العراق من التحليق في سمائه، وإيقاف عملية البناء والتعمير، والإستعاضة عن ذلك بالبناء الباذخ للقصور الرئاسية والجوامع.
ولمواجهة متطلبات الدولة لجأت الحكومة إلى الإكثار من طبع العملة النقدية مما تسبب في إنهيار الدينار العراقي كلياً، بحيث لم تعد قيمته تعادل ثمن الورق مما جعل السلطات النقدية ترفع من قيمة الورقة النقدية الواحدة بزيادة الاصفار.
في ظل الحصار عادت الأمية إلى البلد، وشهدت مؤسسات العليم أكبر عملية تسرب من المدارس، بحيث إنتقل الأطفال من مقاعد الدراسة إلى الشارع بحثاً عما يمكن أن يسد رمقهم، وانهار التعليم بكل مراحله.
إحتطب الحصار حيوات عشرات الألآف من الأطفال والشيوخ، وتسبب في موت عشرات الألآف من المرضى الذين كانوا يعيشون بفضل الرعاية التي كانت تقدمها المستشفيات التي إنهارت، وطيلة أعوام الحصار السوداء كان الطيران الأميركي يدمر بين الفينة والأخرى هذه المؤسسة أو تلك بذريعة الشك في كونها تعمل على بناء أسلحة الدمار الشامل، أو ما يندرج ضمن الإستعمال المزدوج.
وبعد ان تلاشت قدرات ومناعة العراق، تم الإنتقال إلى المرحلة الأخرى ألا وهي إحتلال البلد، حيث شهد العراق صفحة أخرى من الأعمال الهمجية والبربرية بحيث تم مجدداً القضاء على منظومة الكهرباء والماء والصرف الصحي، والتي تم إعادة بنائها أثناء الحصار بعمل يتصف بالإبهار والإعجاز، وطيلة أسابيع الحرب سلطت على الشعب المُحاصر تكنولوجيا الدمار الشامل، حيث شهد العالم بأجمعه عرضاً لما أسموه متباهين "الصدمة والترويع".
وبعد أن تم إحتلال البلد أحرقت كل المؤسسات التي سلمت من عمليات القصف أثناء الحرب، ونهب أرشيف الدولة، وحُملت عبر طائرات عملاقة خزائن موجودات العراق إلى أميركا، بما فيها تلك الموجودات التي تعود لألآف السنين، والتي تعد إرثاً حضارياً للبشرية كلها، واستبيح كل شيء في البلد، حيث نُهبت البنوك والمكتبات والمتاحف والمعارض والمستشفيات والدوائر الحكومية، والمؤسسات الخدمية والتعليمية والصحية، والرياضية، والثقافية والإعلامية، وحتى موجودات المنظمات النقابية والمهنية، أما المصانع فقد سوي أغلبها بالأرض، وتم وأمام أنظار العراقيين تدمير موجودات الجيش والمؤسسة العسكرية ليصبح العراق بلا جيش ولا شرطة ولا أمن ولا طائرة ولا مدفع ولا دبابة، ولا اي نوع من السلاح، إذ نُهبت من المعسكرات والمشاجب حتى الغدارات والبنادق، وليصار بالترافق مع هذا إلى فتح حدود العراق أمام كل من هبَّ ودبَّ ليتسلل عبر الحدود التي أضحت مفتوحة على مصراعيها، ثم يزاول أعمال التدمير والنهب بكل حرية، ومن دونما أدنى رادع، ثم ليدعي بعد هذا إنتسابه للبلد الذي دُمرت سجلات النفوس فيه، مثلما دمرت دولته، تمهيداً لتغير صورته وشكله وإنتمائه.
لقد قسّم الإحتلال البلد وشرذمه، ووزعه إلى طوائف وأثنيات، وأجج الصراع بين مكوناته، وأدار الإقتتال، مثلما أشرف على أعمال التدمير كافة، بما فيها تلك التي ألصقها بهذا الطرف أو ذاك ليؤجج الإحتراب الداخلي، فيما إنصرف هو لرسم صورة العراق الجديد، عراق ما بعد الإحتلال، وتحديد مصيره.
لقد أضحى العراق اليوم، وبفضل المحتل والإحتلال، من أكثر بلدان العالم ضعفاً وفساداً، وهو يتبوأ صدارة قائمة الدول الفاشلة والفاسدة عالمياً، ولعل هذه الصدارة هي الوحيدة التي تبوءها بجدارة. صباح علي الشاهر