كيمياء الانترنت: الحب من أول 'تشات'

بقلم: د.تيسير حسون
هالة الشخصية

جميعاً سمعنا ونسمع دوماً قصصاً ظريفة ورائعة عن "الحب من النظرة الأولى".
والعديد من الروايات وأفلام السينما أعلت من شأن هذه الظاهرة وأعطتها بعداً مثالياً، كما أن العديد من الأشخاص يتحدثون بأنها عاطفة بالغة الحدة.
كارلا بروني قالت بأنها وقعت في حب الرئيس الفرنسي ساركوزي من أول نظرة: "ما جرى بيني وبين نيكولاس لم يكن سريعاً، لقد كان مباغتاً".
بعض الأشخاص يعتبرون أن الحب من النظرة الأولى، هو الحب الحقيقي الوحيد.
شكسبير مثلاً في "الليلة الثانية عشرة" يزعم بأن "كل من يحب، يحب من النظرة الأولى"، بخلاف أحمد شوقي : نظرة، فابتسامة، فموعد، فلقاء...إلخ
ليس من اليسير تفسير الحب من النظرة الأولى.
فإذا كان الحب الرومانسي يتكون من تقييم الآخر كشخص جذاب ولديه مزايا إيجابية، فكيف لنا أن نجري تقييم هذه المزايا من النظرة الأولى؟ فبعضها كاللطف والاستقامة لا يمكن كشفها بلمحة واحدة، ومعرفتها تتطلب ألفة وتاريخاً مشتركاً، وهذا مفقود في النظرة الأولى.
من الأسهل التحدث عن الرغبة الجنسية هنا على اعتبار أن مثل هذه الرغبة قائمة على جاذبية الشخص الآخر، والتي يمكن ملاحظتها من النظرة الأولى.
ورغم أن الكثيرين غالباً ما يخلطون بين الحب من النظرة الأولى والرغبة الجنسية من النظرة الأولى، فإن هناك حالات حقيقية من حالات الحب من أول نظرة، كما يتحدث العديد من الناس.
الخطأ الأساسي في إنكار وجود الحب من أول نظرة يكمن في افتراض أنه لا يمكننا أن نعزو لشخص ما مزايا ليست موجودة في النظرة الأولى.
لكن مثل هذا العزو يجري بصورة عفوية باستخدام تقييمات نمطية محددة.
فلتفعيل ترسيمة أو مخطط عن شخص مثالي، لا يتعين أن تكون كل الأوجه التي تكوّن المثال موجودة.
أحياناً ثمة أشياء لا تبدو ذات أهمية كالطقم أو مريلة الطبيب أو ابتسامة معينة أو صوت خاص، قد تفعّل لدى شخص ما مخططه عن الشخص المثالي.
هذه الاعتبارات تستقيم مع ما يدعى "هالة الجاذبية"، حيث يفترض أن من يُدرك على أنه جميل، يعني أن لديه مزايا إيجابية أخرى أيضاً.
وعلى ذلك فإنه من المرجح أن يكون الأشخاص الجذابين الذين يجري تقييمهم على أساس المظهر، موضوع الحب من أول نظرة.
وفي ضوء الطبيعة النمطية للحب من أول نظرة فقد يؤدي إلى التضليل عند اعتباره قائماً على المخيلة أكثر مما على النظر.
هل يمكننا الحديث عن الحب من أول بايت؟ في العلاقات على النت، يكون وزن جاذبية الآخر أصغر، ومعرفة هذا الآخر هنا أكثر أهمية.
ولأن المعلومات في الرسالة الأولى محدودة جداً، فإني أعتقد بأن حالات الحب من أول بايت نادرة؛ الأكثر شيوعاً هي حالات الحب من أول محادثة "تشات"، ذلك أن المحادثة توفر معلومات أكثر.
مثلاً قد يتبين المرء من المحادثة الأولى حس الفكاهة والظرف فيقع في حب المرسل فوراً.
يتعلق الحب من أول حديث بما يسمى "هالة الشخصية"، والتي تعني أن من يجري إدراكه على أن لديه سمة شخصية إيجابية معينة، لا بد أن يكون لديه أيضا سمات إيجابية أخرى.
وتأكيداً على ذلك نسمع الكثير من تجارب الحب على النت ـ لم أصدق ذلك حتى سمعتها شخصيا من أشخاص يعانون من تحطم هذه العلاقات لدرجة الاكتئاب! ـ "وجدتها ظريفة وذكية فانجذبت إلى شخصيتها فوراً"، "وقعت في حبه ولا أعرف كيف، ربما يمكنني القول أن السبب كيمياء النت".
بعض الأشخاص تحدث لي عن تجربة غريبة قائلاً، أنه وبعد نحو ساعتين من المحادثة مع فتاة، قال لها ماذا تفعلين الآن؟ أجابته: أنتظرك. بعد نحو ساعة كان يدق جرس منزلها.
رغم أن للجمال تأثيراً قوياً في النظرة الأولى، فإن وزن هذا التأثير يتناقص مع الزمن حالما نتعرف على المزايا الأخرى للشخص.
كذلك الحال، فإن للظرف تأثيراً قوياً في المحادثة الأولى، لكن أثره قد يتناقص مع معرفتنا بالميزات الأخرى للشخص.
في الحب من النظرة الأولى، يجري إسقاط القيمة العالية المعطاة للمظهر الخارجي على المزايا الأخرى.
وفي الحب من أول محادثة، يجري إسقاط القيمة العالية الممنوحة للقدرات الكتابية وقدرات التحدث على الخصائص الأخرى ومنها المظهر الخارجي، مثلا عن حب حقيقي مبني على معلومات ضئيلة وعلى المخيلة التي تملأ الفجوات المفقودة.
يمكن أن يكون الحب من أول نظرة أساساً لحب عميق ومديد، شرط أن تتعزز المزايا التي تكشفت في النظرة الأولى، أو على الأقل لم تتعارض مع المزايا التي ستتكشف لاحقاً في الاتصال اللفظي.
على نفس الشاكلة، يمكن للحب من أول محادثة أن يكون أساساً لحب عميق ومديد، شرط أن تتعزز المزايا التي تكشفت في المحادثة الأولى أو، أقله، لم تتعارض مع المزايا التي ستتكشف لاحقاً للنظر.
وواقع أن هذه الأنماط من الحب قد تفنى، لا يعني أنها ليست أمثلة عن حب حقيقي.
فالزمن ليس المقياس الحصري للحب الحقيقي. د.تيسير حسون: دمشق