إسماعيل يس المفترى عليه

بقلم: مصطفى نصر
أدعو الله أن أجد فيلما لنجيب الريحاني، أو إسماعيل يس

تغلغلت السينما في حياتنا كلها، فكنا نقلد الأفلام التي نشاهدها، ونعيش في داخل الشخصيات السينمائية، فيقول الولد الصغير لزميله: "يقدر أبوك أن يغلب فريد شوقي؟".
كان فريد شوقي بالنسبة لنا رمزا للقوة. يتمنى كل منا أن يصير والده في قوته، وأن نكون مثله عندما نكبر.
وشاهدنا يس إسماعيل يس، وهو طفل صغير في شاطئ كامب شيزار؛ قريبا جدا من مسرح إسماعيل يس بالإسكندرية، كان الطفل يس في حراسة شاب أخرس (بودي جارد)، فاقتربنا منه في الماء فرحين لأننا نرى ونلمس ابن إسماعيل يس الذي نعشق أفلامه.
بعد أن كبرنا؛ فكرنا من جديد في موقفنا من إسماعيل يس، نمط الأداء شديد الفقر، يرتكز على المبالغة والإكثار من حركة الجسم وبأسلوب غير موضوعي في النطق. وتأثرنا بكلام بعض الرافضين له، فأذكر أن المخرج أحمد كامل مرسي في حديث تليفزيوني، قال إنه لا يمثل، وتحدث عنه بالتقليل من شأنه كممثل. وكثيرون تحدثوا عنه هكذا، لكن إسماعيل يس ظل كما هو، الأيام تجعلنا نتعلق به أكثر.
ويري الناقد محمد عبدالفتاح في كتابه اسماعيل يس (مهرجان القاهرة 1997) إنه بعث من جديد بعد أن اختفى تماما في أواخر الستينيات وذلك من خلال التليفزيون وإقبال متفرجي التليفزيون لأفلامه.
والحديث الذي كان يدار ويدعو للسخرية؛ في حجرات مبني الإدارة في الشركة التي كنت أعمل بها؛ عن زميل لنا طويل وعريض، ويشغل وظيفة رئيس قسم، كان يغيب عن العمل كل يوم خميس، من أجل أن يشاهد أفلام اسماعيل يس التي تعرض في القناة الثانية في ذلك اليوم. وكان غيابه يسبب له مشاكل في العمل، وعند خروجه على المعاش لم يصرف بدل نقدي للإجازات التي لم يقم بها، مثل غيره من موظفي الشركة، لكن حبه لافلام اسماعيل يس، جعله لا يفكر في كل هذه الأشياء.
يحكي أصدقائي الذين حضروا حرب اليمن، إن القوات المسلحة المصرية، كانت تقيم شاشة كبيرة في الخلاء، وتجمع اليمنيين، فيجلسون متراصين، ويعرضون لهم أفلام إسماعيل يس، فيتابعونها في صمت، وكانوا سعداء به، ويحاول بعضهم تقليده.
إسماعيل يس من الفنانين الذين حققوا شعبية لمصر بين البلاد العربية، وكانوا سببا في انتشار فن السينما المصرية بين العرب، لدرجة أنها سميت بالسينما العربية.
وقرأت كتاب الصديق عبدالغني داود "مدارس الأداء التمثيلي في تاريخ السينما المصرية" الصادر عن سلسلة "آفاق السينما"، فساءني ما كتبه عن إسماعيل يس. وقابلته في معرض الكتاب الدولي في القاهرة بعدها، ولمته على ذلك. فرد الصديق محمود قاسم قائلا: "لازم تقراه بعقلك وليس بقلبك".
وأنا أرى أن إسماعيل يس تقرأه بقلبك أولا. بل أن معظم أفلام السينما المصرية القديمة يرفضها العقل، وقد سمعت المخرج الكبير كمال الشيخ يتحدث عن السينما المصرية، فقال: "إن عددا كبيرا من أفلامها كان يفتقد المنطق".
وقرأت ما كتبه عبدالغني داود عن إسماعيل يس ثانية، فاكتشفت إن الهجوم على إسماعيل يس ليس هجومه هو، فقد استعان بما قاله النقاد عنه. بدأ بأحمد عبد العال "مجلة الفنون": [ ..... وهو لا يكتفي بذلك، وإنما يعول على تشوه خلقي – الحركة المألوفة التي كان يؤديها ويكثر فيها مستخدما فيها ضخامة فمه وكأنه يعوض بها النقص في الموهبة وضعف الأداء].
وما قاله سامي السلاموني: [إن كوميديا إسماعيل يس هي كوميديا التخلف والبلاهة وأنها دلالة على تخلف جمهور السينما الذي يضحك على أشياء كهذه تحمل اسم ما أطلق عليه بالمضحك البدائي].
بعد أن كبرنا وزادت الهموم، لم يعد في الإمكان مشاهدة إلا الأفلام الكوميدية خاصة أفلام نجيب الريحاني وإسماعيل يس.
إنني أمسك مؤشر التليفزيون، وأدعو الله أن أجد فيلما لنجيب الريحاني، أو لإسماعيل يس. وهذا ما قاله لي الصديق سعيد سالم. قال: إنني لا أشاهد إلا الكوميديا.
وسمعت الدكتور عزت أبوعوف يقول في حديث تليفزيوني: إنه يشاهد فيلما لإسماعيل يس قبل أن ينام. وذلك لينام في هدوء، وأعتقد أنني في حاجة إلى هذا، لكي لا تطاردني الكوابيس.
أكتب هذا بعد مشاهدة مسلسل عن حياة إسماعيل يس في التليفزيون الذي كان يعرض طوال شهر رمضان الماضي، وحرصت على مشاهدته بشغف، وبكيت في حلقته الأخيرة التي كان يعاني فيها إسماعيل يس من قلة الدخل، واضطر أن يعود إلى ما بدأ به في حياته الفنية؛ وهو إلقاء المنولوجات، وفي الكازينوهات. لقد مات مقهورا محسورا، ولم تكرمه الدولة مع أنها كرمت من هم أقل منه شأنا، لم تطلق اسمه على مسرح من مسارحها، حتى مسرحه في كامب شيزار بالإسكندرية، سمي باسم رجل أعمال اشتري العمارة وحرص على إعادة إقامة المسرح فيها، وكان الأجدى لو أعاد اسم إسماعيل يس على المسرح الذي عمل عليه لسنوات طويلة، وكان سبب فقد مدخراته وشقائه. مصطفى نصر ـ الإسكندرية