سوريا: الأسواق الشعبية تجذب 'الدراويش' والمترفين

منتجات جيدة بأسعار رخيصة

دمشق – اكتسبت الأسواق الشعبية في دمشق أهمية متنامية كونها باتت تشكل مقصداً للعديد من السياح الراغبين في التجول بين حنايا التاريخ، إضافة إلى اعتبارها متنفساً لأصحاب الدخل المحدود نظراً لرخص أسعارها وجودة بضائعها .

ومازال بعض هذه الأسواق قائماً حتى اليوم وبالطراز المعماري نفسه الذي كان سائداً وقت إنشائها.

وتؤكد صحيفة "الخليج" أن دمشق تحوي اليوم 55 سوقاً شعبيا منها 25 سوقاً مغطاة بالمعدن أو بالأقواس الحجرية، ولكل سوق منها حكاية ارتبطت به يرويها أبناؤه بشيء من الطرافة.

ويقع "سوق الدراويش" في منطقة الشيخ محيي الدين على سفوح جبل قاسيون بدمشق، وانطلق قبل حوالي 50 سنة ومنذ ذلك الوقت أخذ تسميته الشهيرة "سوق الجمعة".

وضم هذا السوق في بداياته بائعي الخضار والمكسّرات والمواد الغذائية بأسعار رخيصة جداً قياساً لأسعارها في المحلات، وصار يعرف بسوق "الدراويش" كون معظم زبائنه من الفقراء ومتوسطي الحال وأصحاب الدخل المحدود، وكذلك كونه يجاور مقام وجامع الشيخ محيي الدين المتصوف الشهير و"أبو الدراويش" كما يلقبه أصحاب الطرق الصوفية في دمشق، الأمر الذي ساهم في زيادة الإقبال على السوق من قبل الأهالي والسياح الراغبين في السفر في أعماق التاريخ المليء بقصص الصالحين .

ويقول أبو فراس الصالحاني أحد تجار السوق إن فكرة قيام السوق قبل نصف قرن نشأت من الإقبال المتزايد على شراء السلع والبضائع وخاصة الخضار والفواكه أيام الجمعة، حيث كان الفلاحون يجلبون ما تجود به الأرض من مناطق مشهورة مثل "كيوان" و"كفرسوسة" و"برزة" و"الصالحية" بحيث يشتريها المصلون الوافدون على جامع الشيخ محيي الدين.

ويضيف الصالحاني أن "ما زاد في الإقبال على السوق هو رخص أسعاره مقارنة بالأسواق الأخرى، فالمواد فيه تباع بسعر الجملة وعليه لم يعد الفقراء هم وحدهم رواده فسرعان ما وجد الأغنياء أيضاً طريقهم إليه".

وعن نوعية زبائن السوق أشار الصالحاني إلى أنهم ثلاثة أنواع سكان الحي أولاً وزبائن الأحياء المجاورة، أما النوع الثالث فهم الذين يقصدون السوق لزيارة الأماكن التاريخية وشراء الحاجيات وجلهم من السياح.

وإلى جانب ميزته التاريخية يمتاز سوق "الدراويش" بعلامة فارقة أخرى فهو يضم مطعم بوز الجدي لبيع الفول والحمص وهو أقدم مطاعم دمشق حيث أنشاه أحد أفراد عائلة بوز الجدي قبل قرن من الزمن تقريباً ولا يزال المطعم يحتفظ بشهرته الواسعة وافتتح أصحابه فروعاً له في باقي أنحاء العاصمة وفي المحافظات الأخرى.

أما "شوربة الدراويش" فتعد جزءاً من تاريخ السوق حيث تطبخ من القمح واللحم وتوزع على الفقراء والمحتاجين يوم الخميس من كل أسبوع.

ويقع سوق "باب سريجة" وسط العاصمة دمشق قريباً من شارع خالد بن الوليد وباب الجابية والسوق المغطى بساتر معدني وهو متخصص ببيع الخضار والفاكهة والمنتجات الغذائية واللحوم والأسماك والدجاج، ولذلك يلاحظ أن معظم رواد هذا السوق من أهل وقاطني دمشق الباحثين عن أسعار رخيصة للمواد الغذائية والخضار وهي أقل من أسعار محلات الأحياء الراقية حيث يسكنون.

ونشأ السوق مع نشوء الضاحية الجنوبية الغربية لمدينة دمشق القديمة، وأخذ اسمه الحالي نسبة إلى السرج (مفردها سريجة) وهي مصنوعة من القش أو القماش وكانت توضع على ظهر الدواب لنقل الأمتعة والخضار عليها وقد اعتاد فلاحو غوطة دمشق آنذاك على حمل منتجات حقولهم ومشتقات دوابهم بواسطة هذه السرج إلى السوق لبيعها واستبدالها بمنتجات أخرى يحتاجونها.

وتتنافس محال السوق في تقديم بضائعها من خلال تزيينها وتلوينها وعرضها بشكل فني ومميز على عربات وفي واجهات بللورية أو على طاولات، دون أن ينسى أصحاب هذه المحلات ابتكار طرق مميزة لترويج بضائعهم من خلال عبارات منمقة ينادون بها وكل حسب بضاعته.

ويقول كنان العامل في محل للمخللات الدمشقية إن هذه العادة قائمة منذ سنوات عديدة حيث يتبارى أصحاب هذه المحلات بابتكار الطريف والمشوق في العبارات والجمل المميزة التي تمجد وتمدح بضائعهم، مشيراً إلى أن هذه الطريقة في البيع لا تشكل أي حرج أو إزعاج لأحد بل على العكس فأصوات الباعة تضفي على السوق جواً من المرح والتنافس بين الباعة ثم إنها كثيراً ما تلاقي استحسان الزبائن خاصة السياح منهم.

ومن المشاهد التي ما تزال عالقة في أذهان بعض أهالي السوق وكانت سائدة في فترات ماضية تلك التي يرويها الحاج أبو صلاح وهي احتفال أهالي المنطقة بموكب الحج الشامي بعد عيد الفطر السعيد حيث كان الموكب يمر بباب سريجة مصحوباً بـ"الصنجق الأخضر" وحملة المرافع والطبول وجماهير غفيرة من الناس وهم يقومون بالهتاف والترديد وألعاب السيف والترس ليكملوا مسيرهم إلى السراي حيث كان المكان المخصص لانطلاق قافلة الحج الشامي إلى الديار المقدسة.

أما سوق "الشعلان" أو سوق "التنابل" كما يحلو للبعض تسميته فقد تأسس قبل حوالي 15عاماً تقريباً، وهو يتوسط العاصمة دمشق في حي الشعلان ويتفرع من شارعين رئيسيين ومهمين هما شارع الحمرا وأبو رمانة.

ويتميز سوق الشعلان عن سابقيه بفوارق عديدة أهمها أسعار مواده المرتفعة مقارنة بأسعار الأسواق الأخرى حتى أطلق عليه البعض اسم سوق "الغلاء"، لكن تفرد السوق وشهرته الكبيرة نالهما من تخصصه في بيع الخضار الجاهزة والمعبأة في البيوت والمغلفة بشكل أنيق والتي لا تحتاج من ربة الأسرة إلا إلى فتحها وطبخها، فالبقدونس مفروم والكوسا والباذنجان محفوران ومعبآن أيضاً بالأكياس ومعدان للحشو بل ومحشوان أحياناً وكذلك البازلاء والفاصولياء مجهزان للطبخ واليقطين محفور بشكل جيد .

ولعل هذا التفرد في توضيب المنتجات هو ما دفع البعض لإطلاق تسمية "التنابل" على السوق وهي كناية عن كسل النسوة زبائن السوق واقتناء هذه المنتجات جاهزة دون أن يحملن أنفسهن عناء التحضير، غير أن هذه التسمية لاقت اعتراضاً كبيراً من قبل تجار السوق وحتى زبائنه وحجتهم في ذلك أن اقتناء ربات البيوت لهذه المنتجات الجاهزة ليس دليلاً على الكسل بل نتيجة انشغالهن بهموم الحياة المعاصرة، فهناك النساء العاملات والطالبات والأجنبيات المقيمات وهؤلاء ليس لديهن الوقت الكافي لتحضير الطعام فيلجأن إلى شرائه معبأ ومعداً للتحضير.

ولم يكتف البعض في السوق ببيع الخضار جاهزة للطبخ بل عمدوا نزولاً عند رغبة بعض ربات المنازل اللاتي لا وقت لديهن إلى طبخها أيضا وإرسالها جاهزة حسب الطلب، وكل شيء بثمنه، ولأجل هذا يتعاقد تجار السوق مع عدد من النسوة الماهرات في الطبخ لتحضير الطبخات المطلوبة كل يوم.

وبموازاة ذلك انتشرت في السوق مطابخ لتقديم الأكلات الدمشقية جاهزة وترسلها إلى ربات المنازل حسب الطلب.