مصيرة العُمانية.. سحرة وغزاة ومياه متخمة بالزرقة

مصيرة(عُمان)
مثل حكايات ألف ليلة وليلة

للماء في بحر العرب حكاية زرقاء، مطعمة بأجنحة طيور مهاجرة وأساطيل وفتوحات وغزاة.
وللرمال لسان من ذهب يروي حكايات البحارة وأغانيهم، لذلك حين شددت العزم على الذهاب الى جزيرة مصيرة هيأت نفسي للدخول في مغامرة، فالجزر في كل مكان مأوى للأساطير والحكايات التي أبطالها الجن والسحرة، لكن السحر الذي وجدناه في "مصيرة" كان تنويعا على إيقاع الجمال والبحر والرمل والليل. في "مصيرة" سحر لا يقاوم.

مسرح للأحداث

سألت رفيقيّ في الرحلة سامي البحراني ومحمد علي العجمي عن سبب إختيارهما لهذه الجزيرة لقضاء الإجازة، رغم أن بسلطنة عمان العدد من الجزر بسبب طول ساحلها البحري الذي يبلغ 1700 كم بعضها يقع في خليج عمان ومضيق هرمز مثل سلامة وبناتها، وفي بحر العرب مثل مجموعة جزر الحلانيات.
أجاب البحراني "أحببنا أن نريك جزيرة مصيرة ليس لأنها تعد إحدى كبرى الجزر العمانية (تبلغ مساحتها حوالي 640 كيلومتراً مربعاً ويبلغ طولها حوالي 95 كيلومتراً) ولا لجمالها الفريد فقط، بل لأنها كانت مسرحا لكل الأحداث التي مرت بالمنطقة قبل الميلاد ومنها إنطلقت جيوش الغزاة".
لذا حينما وضعت قدمي على أرض جزيرة "مصيرة" أحسست إنني أقتفي آثار أقدام الإسكندر المقدوني الذي وصلها قبل الميلاد لتنطلق منها جيوشه الى بلاد فارس وما جاورها من بلدان. وعلى أرضها تمركزت العديد من الجيوش وذلك لموقعها الجغرافي المميز، فهي تقع قبالة الساحل الشرقي لسلطنة عمان على بُعد 95 كم من الشمال إلى الجنوب

جبال حجرية

حين وصلنا الجزيرة التي تبعد عن مسقط بحوالي 490 كم بعد رحلتين، برية أمضينا خلالها حوالي أربع ساعات وبحرية دامت حوالي ساعتين، حيث إنتقلنا مع السيارة على ظهر عبارة وجدنا كل شيء مختلفا: درجة الحرارة المنخفضة، رائحة الهواء المشبع بالمأكولات البحرية حيث يعمل معظم سكان الجزيرة في صيد الأسماك.
كانت الطيور تتراقص بنشوة فوق صفحة البحر على مسمع من الجبال الحجرية التي تروي حكاية من حكايات عصور عديدة تعاقبت على هذا المكان وكم أحسست بألم في قدمي ّيصل الى درجة الصراخ حين جربت السير بضع خطوات على ساحل صخري يقع أسفل إحدى هذه الجبال التي يغلب عليها اللون الأخضر القاتم.

سيرابيس

ما أن نزلنا من العبارة سرت خطوات على أرض "مصيرة" التي آنذاك أسماها الإسكندر المقدوني "سيرابيس"، وهوالإسم الذي يرد كثيرا في الكتب القديمة وفي النصوص.
يقول الشاعر العماني يونس البوسعيدي في حاشية إحدى قصائده معرفا بـ"سيرابيس" التي وردت في إحدى قصائده "اسم قديم لجزيرة مصيرة، التي تضربُ بتاريخِها القديم إلى زمنِ الإسكندر المقدوني حيث أرسل قُوّاده أركابيس وأندروستين وهيرون دي سولي لاكتشاف المنطقة العربية، وتوقفوا في جزيرة سيرابيس- مصيرة. واخذوا بعد ذلك هذه الجزيرة كقاعدة تجارية لهم."
يقول البوسعيدي الذي عاش سنوات في جزيرة مصيرة وكتب من وحي أجوائها العديد من النصوص:
"وتوقِظُني سِيرابيسُ وتلمزني وتُهدهدُني:
نَمْ هادِئًا،
أيُّها العربيُّ القديمُ الذي ما رأى السارياتِ يُجادِلْنَ هذا المحيطَ العظيمَ
ونَمْ هادِئًا أيها العربيُّ المُجيدُ الصياغةَ..
لا تَحْكِ لي قِصصًا حُكْتَها
تعالَ وراوِدْ حياتكَ بالموتِ".

وللجزيرة تسميات أخرى هي: داموج وماكاجره وسيرا وماسرير ومارساريا وماشيز واورجانون وسيرانيون وداماسيرة ولعل الإسم الأخير هو الأقرب الى إسمها الحالي"مصيرة" لكن هناك من يرى إن الإسم مشتق من "المصير" حيث ساد اعتقاد قديم أن من يدخل الجزيرة يكون مصيره الموت لكونها موطنا للجن.

لكن هذه الرواية ضعيفة وتقع في دائرة المخيال الشعبي، لا سيما وأن الرياح التي تهب على الجزيرة مساء وهي رياح شديدة لها صفير يزرع الرعب في قلوب من يصل اليها وهذا ما أحسست وأنا أستيقظ في منتصف الليل على أصوات شديدة مرعبة لم تكن سوى صفير الريح التي تهب من كل جوانب الجزيرة.
تلك الأصوات الأقرب ما تكون للصراخ والعويل ظلت تدور بسمعي طويلا. قلت لو بقيت على هذه الحال أسبوعا أو شهرا أو سنوات، أي حكايات عن الجن والعفاريت ستنسجها مخيلتي؟

علق سامي "ستعتاد على سماعها حتما وشيئا فشيئا ستنام قرير العين". وحين سألته "لكن الكتاب يقرأ من عنوانه وعنوان الجزيرة يرتبط بالمصير"، أجاب "لم يكن ذلك سوى رأي من آراء كثيرة لكن من المرجح أن يكون إسمها مشتق من 'صيره' وهو المكان المرتفع على البحر".
وبدا لي هذا التفسير معقولا ومقبولا فالجزيرة تقع على ارتفاع واضح عن سطح البحر.

مكانة تاريخية

علاقة الجزيرة بالتاريخ لا تقتصر على الإسكندر المقدوني وأسطوله البحري، بل إمتدت الى حقب عديدة مرت بالتاريخ العماني حيث كانت ساحة للعديد من الاحداث التاريخية الجسام بسبب موقعها الجغرافي المهم الذي يجعل منها جسر موصلا للعديد من البلدان المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي وغيرها من البلدان الممتدة والواقعة على ساحل المحيط.
ويعتقد أنها كانت مركزاً للتجارة بين الشرق والبرتغال عندما أصبحت "جوا" عاصمة البرتغاليين في الشرق حيث نشطت التجارة على مدى قرن كامل.

زوال المعالم الأثرية

وما وجود قبر الملك الاغريقي "ادفياس" الا دليل على إكتساب الجزيرة أهمية كبيرة في الماضي ويوجد بها بعض الآثار القديمة والحصون أهمها: حصنا مرصيص ودفيا، وتوجد كذلك مقبرة يرجع تاريخها إلى ثلاثة الآف سنة قبل الميلاد، لكننا حين نتجول في الجزيرة لا نرى تلك المعالم الأثرية.
وحين سألت عن ذلك أجابني أحد سكان الجزيرة قائلا "هبوب الرياح الشديدة على مدار العام من شأنه أن يمحو كل معالم الجزيرة وإذا كانت البنايات القوية تصمد بوجه العواصف، فالآثار القديمة لا تلبث أن تتطاير. وتعرضت لإعصار شديد ضربها عام 1977 ودمر كل شيء فيها تقريبا".
لذا اتجهت الأنظار الى الجزيرة عندما هب إعصار"غونو" عام 2007. وكانت كل توقعات الأرصاد الجوية أن الإعصار كان يسير بإتجاهها، فلو بلغها لدمرها تدميرا نظرا لشدته لكنه بقدرة البارئ غير إتجاهه ولم تتأثر الجزيرة بالإعصار الذي ضرب مسقط ومناطق عديدة ضربات موجعة.
وعلاقة الجزيرة بالحروب والعساكر لم تنته في الماضي، إذ ظلت هدفا للجيوش الحديثة منذ عام 1930، عندما استخدمَها البريطانيون كقاعدةٍ عسكرية إضافةً إلى قواعدهم في العراق وعدن، وتكرر إستخدامهم لها بعد الحرب العالمية الثانية وأسسوا فيها أول محطة إذاعة بريطانية في المنطقة، واليوم حين يتجول الزائر في الجزيرة سيشاهد مكانها –تلك المحطة- واضحا.

مياه زرقاء

تتمتع شواطئ مصيرة بجمال أخاذ، فيحلو التجوال على ساحلها حيث تبدو المياه زرقاء زاهية حتى الشمس هناك خفيفة ولا تكاد تشعر بها حتى لو سرت تحتها عند الظهيرة، بل تشاهد عددا من الأفراد يجلسون في عز الصيف تحت شمس الظهيرة على الكراسي يتبادلون الأحاديث ويشربون القهوة، في الوقت الذي لا يمكن الاستغناء فيه عن مكيفات الهواء لخمس دقائق في ذات الوقت خارج الجزيرة.
وكانت أجنحة الطيور ترفرف فوق رؤوسنا من مختلف الأنواع، حيث يوجد أكثر من ثلاثمائةِ نوعٍ من الطيورِ في الجزيرة بعضها يأتي مهاجرا من مناطق عديدة قاطعا في طيرانه مساحات مائية واسعة ليصل الجزيرة.

لكن دليلنا قال "عندما نزور المكان ليلا ستستمتعون بجمال من نوع آخر".

أعشاش السلاحف

هذا ما تحققنا منه عندما عدنا للمكان ليلا بعد أن تناولنا وجبة شهية من المأكولات البحرية ليلا، حيث كان القمر يرسل أشعته ليضيء الرمال وقد فوجئنا بدبيب كائنات ضخمة تسير بخطى بطيئة ولم تكن تلك الكائنات سوى السلاحف الكبيرة وقال "إن الجزيرة تعتبر أهم مواقع تعشيش السلاحف في العالم وخصوصا سلاحف الريماني والسلاحف الخضراء والشرفاف".
وحين سألناه عن سبب خروجها من الماء الى الرمال في هذا الوقت، أجاب "لنتتبع إحداها ولاحظوا بأنفسكم".
وهذا ما حصل حيث تتبعنا بهدوء بالغ مسير إحدى السلاحف التي يبلغ طولها حوالي مترا لكنها حين أحست بوجودنا توقفت عن المسير وتمترست داخلها وفشلت محاولتنا، لكننا على بعد أمتار شاهدنا سلحفاة منهمكة بإهالة الرمال فخففنا من حركتنا وراقبنا ما يحدث.
وبعد أن إطمأنت الى إنها عملت حفرت واسعة بدأت بالقاء بيوضها التي تشبه كرة طاولة فمد دليلنا يده وإستخرج عددا من هذه البيوض التي كانت قشرتها طرية وقال "البعض يشرب هذه البيوض نيئة هكذا وعمل فتحة صغيرة في البيضة ثم رفعها الى الأعلى ليسكب محتوياتها في جوفه وسط تقززنا وقال وهو يضحك "الكثيرون هنا يفعلون هذا لأنه مفيد لأمراض الصدر".
بعد ذلك أهالت السلحفاة الرمل على البيوض فمحي أثرها تماما وغيرت إتجاهها لتعود الى الماء فقال "الآن إنتهت أمومة السلحفاة".
سألته "كيف"؟ قال "إنها أدت دورها نحو بيوضها وستذهب لتتركها تواجه مصيرها في جزيرة مصيرة".
فسألته "ولماذا تدفن السلحفاة بيوضها"؟ أجاب "لتفقس على اليابسة مستفيدة من رطوبة الرمال، ثم تخرج بعد التفقيس لتتجه الى البحر، وغالبا ما يموت معظمها والا لإمتلأ البحر بالسلاحف حيث أن كل سلحفاة تضع مئات البيوض".

حطام سفن غارقة

تتبعت سلحفاة كانت تسير بخطى ثقيلة حتى دخلت البحر والقت جسدها في حضنه المظلم الشاسع، الذي يخفي تحت هدوء أمواجه. تواريخ مرت وحطام سفن غارقة وصيحات بحارة ورسائل عشاق تذكرت مقطعا للشاعر سيف الرحبي ورددته مع نفسي:

"الموج يرقص أمامي
ضاحكًا ومنتحبًا
مضيئًا بفسفوره الليليِّ عَتمةَ المكان
عيونكِ من ثنايا الموج الملتحف
بغيم عابرٍ
تحدّق بي
تسألني عن الزمن الذي مرَّ منذ
اللقاء الأخير..
حطام سفن طافية، صياح نوارس
من ثنايا الموج والغيمة تحدّق كنجمةٍ
غمرَها المدُّ والليل".

وكلما توغلنا في الجزيرة التي تتكون من 12 قرية كلما أظهرت لنا كنوزها التي وهبها الله لها، من أشجار النخيل والعيون المائية ومن بينها عين القطارة في منطقة كلبان التي تقع جنوب الجزيرة عند أقدام جبل الحلم. وفيها مياه عذبة، لذا تعد مصيرة محطة استراحة للسفن التي تقف عند سواحلها في رحلاتها الطويلة للتزود بالمياه العذبة
لكن الإقتراب من جبل الحمر كما قال محمد علي ليس بالأمر المستساغ من قبل الكثير من سكان الجزيرة.
لماذا؟ سألته فأجاب ضاحكا "يتردد أن الجن يسكنه فالذي يقترب منه يسمع دوي رعد شديد".
ولكبر الجزيرة لم نتمكن من زيارة مناطقها الأخرى كمنطقة العيجة التي تتميز بوجود الجزر الصغيرة تسكنها الطيور المهاجرة وكذلك منطقة دفيات السهلية المنبسطة ووادي مغار ورأس حلف وعيجات ومنطقة السمر وشغف ومرصيص التي يوجد بها بعض الجزر الصخرية.
قفلنا راجعين وحين صعدنا العبارة مودعين الجزيرة ظلت الصور الجميلة محفورة في ذاكرتنا وكأننا كنا في حكاية من حكايات الف ليلة وليلة.

عبدالرزاق الربيعي razaq61@yahoo.com