غزة واختباء العرب وراء غيرهم

بقلم: د. خليل حسين

ليست مجزرة اسطول الحرية وحدها كانت الاختبار بالنسبة للعرب، قبلها كان الكثير وطبعا لن تكون الأخيرة قياسا على السلوك الاسرائيلي مع الفلسطينيين، لكن هذه المرة ينبغي ان تكون العبر والدروس المستفادة أكثر بكثير مما ينبغي ان تكون.
فماذا ينقص العرب لكي يتحركوا بفاعلية؟ هل المستند القانوني مثلا؟ من الطبيعي لا، فالجريمة المرتكبة هي من قبيل جرائم ارهاب الدولة الموصوفة بكل المقاييس والشرائع الدولية. اولا لقد تمت في منطقة خارج النطاق الاقليمي البحري ما يصنف العمل ضمن اطار القرصنة البحرية التي ترتب التزامات قانونية على الطرف الفاعل لجهة المسؤولية القانونية الدولية وما يتعلق بها من تعويضات مادية كانت ام معنوية. وفي الجانب القانوني ايضا، الا يعتبر هذا العمل من باب انتهاك القانون الدولي الانساني وعملا تخضع تداعياته للقانون الدولي الجنائي؟ الا يعتبر هذا العمل من باب جرائم الحرب والابادة الجماعية لما يتعرض له الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة وبخاصة في قطاع غزة؟ وماذا ينقص العرب؟ هل مقاربة موضوع الجريمة مع بعض اتفاقيات السلام التي ابرمها بعض العرب مع اسرائيل؟ بالطبع لا يعتبر احراجا قانونيا ولا مخالفة للاتفاقيات المبرمة، باعتبار ان الاتفاقيات المتعلقة بالقانون الدولي الانساني والجنائي تعتبران اسمى مرتبة واولى من حيث التطبيق من اي اتفاقية ثنائية مبرمة بين الدول، وبالتالي لا مبرر او حجة قانونية لعدم تحرك العرب لمواجهة اسرائيل في المحافل القضائية الدولية حتى وان كانت امكانية الوصول الى نتائج محققة ضعيفة نسبيا. وماذا ينقص العرب ايضا؟ هل تعتبر هذه المجزرة المرتكبة ضيقة ومحدودة النطاق؟ الم يستهدف هذا العمل الاجرامي مواطني اكثر من 45 دولة مشاركة في عملية رمزية لمحاولة فك الحصار عن قطاع غزة؟ الا يعتبر هذا العمل عدوانا ضد ربع اعضاء الامم المتحدة التي يفترض بها اولا واخيرا ان تسعى لانقاذ شعب لا زالت عمليات الابادة تفتك به منذ قرن من الزمن؟
ماذا ينقص العرب لكي يقف وراء تركيا لتدافع عن قضاياهم؟ اينقصهم المال ام السلاح ام الرجال ام مشروعية القضية؟ ثمة من الامكانات المتاحة التي لا يمتلكها غيرهم في العالم قاطبة ،لكنهم بالتأكيد لا يمتلكون الارادة ولا القرار الحر.ماذا ينقص العرب هل المزيد من الوقت واعطاء الفرص للغير كي يتفهم ويفهم عدالة قضيتهم؟ الم نمل نحن العرب مشاريع السلام الموعود؟ ام لا زلنا نصدق انفسنا قبل ان نصدق اسرائيل انها تبحث عن السلام.
باتت فرصة الاربع اشهر التي اعطاها العرب لاسرائيل تحت مسميات حسن النوايا تنتهي وقد انهتها اسرائيل عمليا قبلا بكثير فماذا ننتظر بعد؟ صدر بيان رئاسي عن مجلس الامن فماذا اضاف لعدالة قضيتنا؟ ولماذا لم يطالب العرب بمشروع قرار ولو استحال اتخاذه بفعل الفيتو الامريكي؟ اليس من العيب علينا والحرام ان نعمل ما اوتينا من قوة لعدم احراج اميركا ومحاصرة اسرائيل ولو بالكلمة والموقف؟
لماذا بتنا نحن العرب خارج التاريخ والجغرافيا معا؟وبتنا نركض ونلهث وراء اوهام سبق وجربناها وزادتنا بؤسا وأسى ومرارة، اوليس الجدير بنا، ان نقف للحظة ونعيد حساباتنا الخاسرة دائما؟ بات علينا ان نندفع باتجاهات مغايرة تعيد ثقة شعبنا بحكامه، وتعيد لنا الاعتبار والثقة بانفسنا كشعب له قضية محقة ينبغي حلها.
اليس من الاجدى التفكير مليا بالاتفاقات المبرمة مع اسرائيل العلني منها والمخفي ايضا؟ اليس من الاجدى وقف المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل وعدم اعطائها الفرص للانقضاض علينا تحت رعاية السلام والكثير من الكلام؟ اليس من الاجدى قطع العلاقات الدبلوماسية وفي اضعف الايمان تخفيضها؟ ماذا ينقص العرب لكي يسيّروا عشرات الاساطيل باتجاه سواحل غزة لفرض امر واقع لفك الحصار؟ اليس من العيب ان ينبري غير العرب للدفاع عن قضايانا ونكتفي نحن بالتلطي والتخفي وراء اصابعنا؟ اليس من المفارقات ان نشارك في حصار شعبنا في غزة وبقبضات فولاذية بعد الاسمنتية؟
طبعا لقد احرجت اسرائيل هذه المرة امام المجتمع الدولي، لكن ليس بفضل جهدنا ومواقفنا وعملنا، بل بفضل فظاعة الجريمة وعدم قدرة أحد على بلعها وهضمها. بالأمس كانت فلسطين واليوم العراق، ومن يدري غدا اي دولة واي شعب سيوضعان على لائحة الاحتلال والمجازر والحصار؟ انها كارثة يصعب حلها والخروج منها بهذه الاساليب والطرق المتبعة،بات علينا ان نعترف بعجزنا وعدم قدرتنا او بالأحرى اعلاننا التنصل وغسل اليد من كل ما يمت بعزتنا وكرامتنا وحقنا بالحياة الكريمة.
فعلا، ان غزة رغم حصارها حرة، لكن ماذا عنا نحن العرب؟ السنا مكبلي الايدي مكممي الافواه؟ القضية قضيتنا ولم تكلف اي دولة عربية ايفاد وزير خارجيتها الى اجتماع مجلس الامن، بينما كان وزير خارجية تركيا يدير الأزمة شخصيا، ورئيس وزرائها يقطع زياراته للخارج ويدعو الى اجتماع عاجل ليس لمجلس الامن فقط بل للجمعية العامة ايضا،لقد اكتفينا ببيان رئاسي عن مجلس الامن لا يسمن ولا يغني من جوع، وكأننا بذلك ادينا قسطنا للعلا.
ولكي لا نتهم بالافراط والطموح الزائد في زمن الخنوع، على حكامنا ان ترتقي الى مستوى تحرك الجماهير غير العربية ، لتشعرنا يوما بصحة مقولة، كما تكونوا يولى عليكم.
لقد اعتبرت اسرائيل البحر المتوسط بحيرة داخلية، لها حق التصرف فيها وعليها، في الوقت الذي فيه سبع دول عربية متشاطئة لم تحرك ساكنا لمنع الاعتداء على الاسطول المدني، فماذا ننتظر؟ ثمة ضرورة ملحة لاعادة النظر بكل اوضاعنا وقضايانا وعلاقاتنا قبل فوات الأوان، انها فرصة لنغيّر ما في انفسنا قبل ان نسعى لنغيّر ما في أنفس غيرنا تجاهنا،فهل سنتمكن يوما من فعل ذلك؟
د. خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية