هل نجرؤ على الانتصار؟

بقلم: جواد البشيتي

"الحدث" يتفاعل، ولم ينتهِ فصولاً بعد؛ ولسوف نرى من التغيير الآني والفوري والمباشِر، ومن التغيير المستقبلي الذي يتسم بالأهمية الإستراتيجية والتاريخية، ما لم يكن له من وجود يُذْكَر في حادث، أو حادثة، "أسطول الحرية (الأممي)"، لجهة النِّية، أو الإرادة، أو المقصد، أو الغاية، أو الدافع، أو التوقُّع، فلطالما رأينا في التاريخ، أحداثاً وتطوُّرات، أنَّ النتائج النهائية لأفعال الناس، من أفراد وجماعات، لم تكن، على وجه العموم، كامنة في ما أرادوا تحقيقه، أو في ما رغبوا في (أو عن) تحقيقه، وكأنَّ يداً تشبه يد "القضاء والقدر" هي التي تتولَّى صُنْع التاريخ بما يخالف، على وجه العموم، الإرادة الكامنة في أيدي البشر، وأفعالهم.

بدءاً من فجر الاثنين، الموافِق 31 أيار 2010، وُلِدَ "الجديد"، الذي تَصْعُب كثيراً رؤيته في وضوح الآن؛ ولقد اختلف، أو شرع يختلف، كل شيء؛ وينبغي لنا أن ننظر، من الآن وصاعداً، إلى كل ما اختلف، ويختلف، بعيون مختلفة، فإنَّ "إسرائيل 31 أيار 2010" ليست هي نفسها "إسرائيل 30 أيار 2010"، وإنَّ ذاك "الفجر العظيم" هو فجر نهاية الحصار التلمودي (أي الأسوأ من النازي) المديد لقطاع غزة.

إنَّها أربعة أشياء امتزجت وتداخلت وتفاعلت فجعلت حادث، أو حادثة، "أسطول الحرية (الحمراء الأممي)" القشَّة التي قصمت ظهر البعير، وصنعت، بالتالي، هذا "الجديد كل الجدة".

أوَّل تلك الأشياء وأهمها، كان الصمود الفلسطيني في وجه الحصار؛ وثانيها، تركيا أردوغان التي جعلت الحدث، بأوجهه كافة، ممكن التحقُّق؛ وثالثها، الغباء الإسرائيلي الذي هو النتاج الحتمي لامتزاج أوهام وغرور القوَّة بالأوهام التلمودية؛ ورابعها، روح الانهزامية القصوى التي استبدَّت بالعرب، سياسة ومواقف وقمم وحكومات وحكَّام.

"الحدث"، الذي تخطَّى "الإنساني" إلى "السياسي"، وشرع يتخطى "السياسي" إلى "الإستراتيجي" و"التاريخي"، لمَّا يكتمل صُنْعاً، فهو قَيْد الصنع؛ و"التجربة"، بأوجهها وأبعادها كافة، غنية بالدروس والعبر والمعاني؛ لكنَّها تحتاج إلى من لديه الحاجة والدافع إلى الإحاطة بها علماً، وتمثُّلها، والإفادة منها؛ وهذا (أو هؤلاء) ليس من صنف أرباب السياسة العربية الذين جعلوا العالم يسخر منَّا إذ فهموا السياسة ومارسوها على أنَّها خَوْض التجربة نفسها مرَّتين، أو مرَّات، توصُّلاً، على ما يتوهمون، إلى نتائج مختلفة؛ وإنَّ تجربتهم، أو تجاربهم، في السلام مع إسرائيل لخير دليل على ذلك.

"الحدث"، وبما جاء به، ويجيء، من أحداث وتطوُّرات ومواقف، وبما هيَّأه لنا من فُرَصٍ مصنوعة من "ذهب التاريخ"، إنَّما يتحدَّانا أن "نجرؤ على الانتصار"، فالانتصار على ضعفنا، وعلى روح الانهزام التي تنتشر فينا من "القمة" إلى "القاعدة"، وعلى إسرائيل التي تستمدُّ من "دولنا" معظم قوَّتها، أصبح، لو كانت لنا عيون تبصر، في متناول أيدينا، فلا ينقصه إلاَّ أن يجرؤ حكَّامنا عليه؛ فإنَّ هؤلاء، والحقُّ يقال، يخشون الانتصار على إسرائيل وكأنَّهم يخشون هزيمتهم!

إنَّنا لسنا بعدميين في رأينا ورؤيتنا، فإنْ أضاءت شمعة صغيرة ليل العرب المديد الدَّاجي نرى نورها، ونتفاءل به خيراً، فمن يتفاءل بالخير يجده، أو قد يجده؛ ولقد أضاءت لنا الكويت، من برلمانها، تلك الشمعة، فلها مِنَّا التحية.

نحن العرب مجتمع، أي حيث تجتمع، المأساة والمهزلة، فليس من أُمَّة على وجه الأرض تتسم بما نتسم به من "شذوذ تاريخي"، فنحن نختزن في داخلنا من الحاجات والضرورات التاريخية ما يُفْتَرَض فيه أن يُخْرِج من رحم أُمَّتنا قادة عِظام، من وزن هذا الذي نراه الآن في تركيا، أي أردوغان؛ ومع ذلك، تبدو، أو تظل، أُمَّتنا عاقراً؛ وكأنَّ المصالح الإمبريالية للولايات المتحدة، وللغرب على وجه العموم، هي القوى الشيطانية التي تمنع تلك الحاجات والضرورات من أن تُنْجِب لنا قادة، من وزنها، وبأهميتها، وعلى مثالها!

ما أكثر موانئ العرب؛ وما أكثر سفنهم وبواخرهم وأساطيلهم؛ وما أكثر أموالهم؛ فَلِمَ لا يتحدُّون الآن التحدِّي الإسرائيلي، فتسمح حكوماتهم للراغبين من مواطنيها بأن يركبوا البحر، متَّجهين إلى المحاصَرين في قطاع غزة من أبناء جلدتهم، حاملين لهؤلاء المتضوِّرين كل ما يستطيعون حمله؟!

أين هم العرب من النوَّاب و"علماء الدين" وأهل الفكر والقلم ورجال الإعلام وأبناء وأحفاد الزعماء؛ بل أين هو الأمين العام لجامعة الدول العربية.. من تحدِّي التحدِّي الإسرائيلي؟!

إنَّ الآلاف؛ بل عشرات الآلاف، من الأحرار في العالم، ومن شتَّى الأجناس والجنسيات والأديان والعقائد، مستعدُّون لإظهار وتأكيد روحهم الإنسانية والأممية في معركة كسر الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، فَلِمَ يبخل "القارونيون (نسبةً إلى قارون لعنه الله) العرب" بما أتاهم الله من فضله، وهم الذين في وسعهم مالياً أن يسيِّروا كل يوم قافلة بحرية جديدة، أو أكثر، إلى غزة؟!

لو جاهدوا بنزر من أموالهم في سبيل كسر هذا الحصار على أيدي أحرار أمميين لجعلوا حتى المنحازين انحيازاً أعمى إلى إسرائيل عاجزين عن البقاء على انحيازهم هذا، ولأصبح الصراع القومي، الفلسطيني والعربي، ضدَّ إسرائيل مشحوناً بطاقة أممية ضدَّ هذه الدولة، التي بحكم تكوينها وطبيعتها لا تستطيع العيش إلاَّ بما يؤلِّب عليها الأحرار والديمقراطيين والمتحضِّرين والآدميين من البشر.

إنَّ في تجربة "أسطول الحرية" من المعاني والدروس والعبر والبراهين ما يكاد يجعلنا نقول لو وَضَعْنا هذه التجربة في كفَّة، ووضعنا في الكفَّة الأخرى من الميزان كل التفاوض الفلسطيني والعربي مع إسرائيل، و"مبادرة السلام العربية"، والمقاوَمة بالقنابل البشرية والصواريخ "القسَّامية"، لَرَجَحَت الكفَّة الأولى بما ألحقته من أضرار وخسائر بإسرائيل، وبما عادت عليه من نفع وفائدة على القضية القومية للشعب الفلسطيني، التي كلَّما شُحِنَت بمزيد من الطاقة القومية العربية، وبمزيد من طاقة التضامن الأممي، كَبُرَت وعَظُمَت، وأتت بمزيدٍ من النار والنور. جواد البشيتي