اياد علاوي ونهاية لعبة تسلل المالكي

بقلم: هادي والي الظالمي

مصادقة المحكمة الاتحادية على النتائج النهائية للانتخابات التشريعية العراقية، دون تغيير، وجه ضربة موجعة الى حظوظ السيد المالكي، المتراجعة اصلا، في ولاية وزارية ثانية، ليجعلها في حكم المستحيلة .
ويبدو ان عامل الوقت، الذي حاول المالكي بنفوذه كرئيس للوزراء، توظيفه في الفترة التي تلت الانتخابات، لم يعد كافيا لمنحه حالة اخرى من التسلل عبر خطوط تبدو اكثر تشابكا، مع تيقظ اللاعبين والحكام والجمهور، هذه المرة. فجهود المالكي الحثيثة، لاكتساب الشرعية، لم تفلح طيلة الفترة التي امتدت من السابع من اذار الماضي حتى اليوم، في سحب الصدارة عن قائمة الدكتور اياد علاوي التي جاءت متقدمة بواحد وتسعين مقعدا، كما لم تفلح في عقد تحالف مع الائتلاف الوطني العراقي بزعامة الحكيم والصدر. ففي الوقت الذي كان الائتلافان (القانون والوطني) يختبران خطوات للتقارب، لم يتورع المالكي، وبشكل ينم عن موقف مبيت، عن تقديم طعن بفوز نائب من قائمة مفاوضيه وحلفائه المحتملين لسحب احد مقاعدهم في البصرة الى قائمته. تلك المحاولة اعادت، الى اذهان محاوريه المترددين، سمة التنكر والخديعة التي طبعت مواقف المالكي وحزب الدعوة تجاه شركاءهم .
يبدو ان اسقاطات وظيفة القائد العام للقوات المسلحة لزعيم دولة القانون على سياساته كرئيس لكتلة انتخابية، هي التي تقف وراء افساد المواقف التفاوضية لائتلافه مع الاخرين. تلك السياسات التي تنزع الى التفرد والفوقية باتت تهدد بانفراط عقد ائتلاف دولة القانون ووحدة قيادة حزب الدعوة، وفي الوقت ذاته تنسف حلم المالكي في التصدي لرئاسة الحكومة لدورة لاحقة.
هذه التداعيات جعلت رئيس الوزراء العراقي الاسبق اياد علاوي يسجل نقاطا اضافية على خصمه المتراجع. فعلاوي الذي شكل ظاهرة متصاعدة في الحياة السياسية العراقية لم يولد من رحم الطائفية السياسية التي أنجبت المالكي. لذا فان التوجه نحو تشكيل حكومة لا طائفية لا تعطي المالكي اولوية في التصدي لتلك المهمة، سيما وان علاوي جاء معضدا دستوريا بالاستحقاق الانتخابي كرئيس ومرشح للكتلة الفائزة الاكثر عددا. وحتى مع ملاحظة التكوين الطائفي في تشكيل الحكومة القادمة واعتبار القائمة العراقية ذات اغلبية سنية، فان لا ائتلاف دولة القانون ولا حزب الدعوة يمثلان الزعامة السياسية للشيعة الذين توزعت مقاعدهم بين قوائم الائتلاف الوطني والعراقية ودولة القانون بشكل يجعل مجموعهم داخل الائتلاف الوطني والعراقية معا، اكثر منه داخل ائتلاف دولة القانون، هذا اذا لم نأخذ في الحسبان ان مكونات الائتلاف الوطني السياسية وقياداته تمثل زعامات تقليدية تاريخية محترمة وحاضرة باستمرار لدى المكون الشيعي.
علاوي، المتفائل دائما والذي لا تفارق الابتسامة محياه، يرتبط بعلاقات طيبة وممتدة مع تلك الزعامات، والرجل الذي يثق الخصوم بوعوده، لم يتوان عن ارسال اشارات مطمئنة لجميع الفرقاء، وهو على خلاف ما يوحي خصومه، يحظى باحترام المرجعيات الدينية، ومنها مرجعية السيد السيستاني في النجف الاشرف والتي اعلنت انها لا تضع خطا احمر على احد، في اشارة تعتبر دعما صريحا لعلاوي، بعد ان كانت حثت حكومة المالكي في مرات سابقة على تحسين الواقع المعاشي والخدماتي للمواطن، ونبهت الى ضرورة تعزيز اللحمة الوطنية وتغليب الوحدة على هويات الاختلاف والتنازع، دون ان تلقى اذانا صاغية.
ولا تبدو القائمة العراقية بعيدة عن التحالف مع الكتلة الكردية بعد ان استطاعتا حل قضية اقتسام السلطة في نينوى وتسوية مشاكل عالقة في مناطق متنازع عليها، وقد ظهر هذا التقارب في اكثر من تصريح للزعامات الكردية يدعم حق الدكتور علاوي في الشروع بتشكيل الحكومة، اهمها ما صدر عن السيدين جلال الطالباني ومسعود البارزاني بهذا الشأن.
ويتبنى السيد اياد علاوي منذ وقت مبكر سياسة انفتاح العراق على المحيط العربي والاسلامي كعمق استراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه، كما يرى ان خروج العراق من مأزقه التاريخي الحالي يرتبط بشكل اساس بطبيعة علاقاته مع دول الجوار التي لعبت دورا خطيرا في وصول العراق الى الوضع الراهن، مما يمنح السيد علاوي دعما اقليميا مهما يسهم في حل الملفات الامنية والسيادية المتعلقة باخراج العراق من طائلة البند السابع .
ان حظوظ الدكتور اياد علاوي وقائمته من الخبرات السياسية والمهنية توفر لهما زخما اضافيا في تشكيل حكومة شراكة وطنية تعتمد اسس المهنية والكفاءة لبناء دولة مدنية تتبنى قيم المواطنة والمساواة والعدل.
فحكومة علاوي الاولى، رغم قصر عهدها وضآلة امكاناتها، تركت شواخص لا تزال قائمة، مثلت مقدمات معتبرة، كان يمكن البناء عليها للارتقاء بالدولة المدنية في كل المجالات الاقتصادية والامنية والسياسية والخدمية، الا ان السياسات التي تبنتها الحكومات اللاحقة جعلت ارادة الدولة ومقدراتها ترتهن الى ارادات طائفية وحزبية وفئوية افرغت تلك المنجزات من محتواها، واشاعت الفساد المدعوم والذي بلغ وضعا مخيفا بتوصيف المنظمات الدولية والمحلية المتخصصة، وليس ادل على ذلك من الاف اوامر ومذكرات التوقيف والقبض التي لجأت هيئة النزاهة الى استصدارها، في نهاية ولاية الحكومة الحالية، بحق موظفين كبار.
ان هذه الرؤية الاستشرافية لمستقبل العملية السياسية لا تقوم على فرضية تغليب المثالية في بناء المشهد القادم للحكومة المنتظرة، اي انها لا تفترض تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية في شكل التحالف المكون للحكومة العتيدة، الا انها ترى ان الكتل الفائزة ستجد نفسها مضطرة الى سلوك مسارات مقاربة للسيناريو المذكور تلتقي فيه مصالحها الذاتية مع المصلحة الوطنية، او لا تتقاطعان على الاقل وذلك لا يتحقق بالشكل الذي يضمن هذا التوافق الا من خلال تكليف العراقية برئيسها الدكتور اياد علاوي بتشكيل حكومة يجد الجميع فيها تمثيلهم، ويأمنون تقلباتها غير المحسوبة. هادي والي الظالمي Hadi_whali@yahoo.com