معبر رفح.. تُغْلِقه مصر فتَعْبُر تركيا!

بقلم: جواد البشيتي

تفهم إسرائيل "الحصار"، أي ضَرْب حصارٍ على قطاع غزة، وتريد للعالم أن يفهمه، في طريقة تقود إلى استنتاج مؤدَّاه أنْ لا وجود له، وأنَّ سكَّان القطاع (أكثر من مليون ونصف المليون نسمة) ليسوا في معاناة إنسانية حقيقية، فإنَّ كل ما يحتاجون إليه من غذاء ودواء وغير ذلك من السلع الضرورية والأساسية يصل إليهم، يومياً، وفي انتظام، وأنَّ قسماً كبيراً منه يصل إليهم عبر المعابر الإسرائيلية مع قطاع غزة؛ والدليل على صِدْق زعمها هو أنَّ الناس، أو المدنيين، في القطاع ما زالوا على قيد الحياة، لا يموتون (جماعياً، ويومياً) من جوعٍ أو نقصٍ في الغذاء والدواء.

وإذا كان من "حصار" تعترف بوجوده إسرائيل، وتتحدَّث عن الحاجة إلى بقائه واستمراره إلى أنْ تنتفي الأسباب (الإسرائيلية) الموجبة له، فإنَّه الحصار الذي تضربه على القطاع برَّاً وبحرَّاً، مباشَرةً، أو بمساعدة مصر، لمنع وصول أسلحة وذخيرة، وكل مادة أو بضاعة يمكن أن تفيد عسكرياً وقتالياً، إلى أيدي "الإرهابيين" هناك.

وثمَّة مواد وسلع كثيرة، وكثيرة جدَّاً، تَصْلُح، أو يمكن جعلها صالحة، للاستعمال العسكري والقتالي، ولتزويد "الإرهابيين"، بالتالي، وعلى ما تزعم إسرائيل، وسائل وأدوات للعمل "الإرهابي".

والنتيجة النهائية (العملية والواقعية) المترتبة، أي التي ترتبت، على هذا النوع من الحصار المعترَف به، وبالحاجة إليه، إسرائيلياً، والتي يكمن فيها هدف إسرائيلي غير مُعْلَن، هي القضاء على مقوِّمات الحياة الاقتصادية العادية والطبيعية للقطاع وأهله، والحيلولة، بالتالي، بين معظم الناس القادرين على العمل وبين العمل بصفة كونه مَصْدَراً للدخل، وجَعْل "الإغاثة الخارجية" بالغذاء والدواء..، نمط العيش اليومي لسكانه على وجه العموم، وكأنَّهم ضحايا زلزال، أو كارثة طبيعية، ينبغي لهم أنْ يعتادوا العيش ضِمْن مخيَّم، وأنْ يستمروا على قيد الحياة بفضل ما تمدُّهم به منظمات الإغاثة الإنسانية الأجنبية من غذاء ودواء..!

والحياة الاقتصادية، مع بنيتها التحتية الأساسية، المسموح بها إسرائيلياً إنَّما هي التي تكفي لجعل "الإغاثة الإنسانية الأجنبية"، والتي يأتي معظمها عبر "الأنروا"، ممكنة عملياً؛ ولقد ولَّد هذا الحصار، بالضرورة، ظاهرة التهريب عبر الأنفاق بين رفح الفلسطينية ورفح المصرية، فإنَّ نحو 80 في المئة من الحاجات الأساسية لسكان القطاع يُلبَّى الآن من خلال هذه الأنفاق التي تتضافر الجهود العسكرية والأمنية الإسرائيلية والمصرية على ضربها وتعطيلها.

وهذا الحصار (مع أنظمته وقوانينه وقواعده الإسرائيلية) هو ما يشبه "البنية التحتية" للتضامن "الإنساني"، الغذائي والدوائي..، العربي مع "الأخوة والأشقاء" في قطاع غزة، وكأنْ ليس للعرب من عملٍ يؤدُّونه نصرةً لأشقائهم المحاصرين في القطاع سوى الإغاثة الإنسانية بالغذاء والدواء.. لـ "أشقَّاء" أرادت لهم إسرائيل أن يحيوا حياة تَسَوُّلٍ!

إنَّهم يستخذون لمنطق هذا الحصار الإسرائيلي، فلا يفعلون أي شيء لإنهائه وكسره، ولجعل أهل القطاع يستأنفون، بالتالي، حياتهم الاقتصادية الطبيعية، ويتَّخِذون من "العمل" وسيلة عيش، مكتفين، بعد لعنهم الحصار رسمياً وإعلامياً، أي لفظياً ليس إلاَّ، بـ "التضامن" مع "أشقَّائهم" من أهل القطاع، وكأنْ لا قدوة حسنة لهم إلاَّ "الأونروا"!

وأقول، مُقْسِماً بالله، لو كان لإسرائيل من مصلحة في أن تحاصر قطاع غزة بما يؤدِّي إلى موت العشرات، والمئات، والآلاف، من أبنائه، كل يوم، جوعاً ومرضاً..، لَمَا رأيْنا شيئاً من هذا "التضامن العربي الإنساني الإغاثي"!

"الحصار" يجب أن يُكْسَر ويُرْفَع ويُنْهى فوراً، وبقرار "عربي (وفلسطيني)"، تتشرَّف مصر بتنفيذه (بدعم سياسي ومالي واقتصادي عربي).

ولقد حان لمصر، إذا ما أراد لها نظام الحكم فيها أن تكون متصالحة مع مصالحها الحقيقية، أن تُدْرِك، وأنْ تُدْرِك قبل فوات الأوان، أنَّ إغلاقها لبوَّابتها في معبر رفح، أو فتحها لها؛ ولكن بما يتوافق مع منطق الحصار الإسرائيلي للقطاع، إنَّما يفتح الباب على مصراعيه في وجه النفوذ التركي، إقليمياً وإسلامياً وعربياً وفلسطينياً، مُغْلِقاً، في الوقت نفسه، الباب في وجه نفوذها هي، فإنَّ معبر رفح هو "المعبر التركي المفتوح"، و"المعبر المصري المسدود".

لِتُغْلِق إسرائيل كل معابرها البرِّية مع قطاع غزة، فإنَّ "الضَّارة النافعة" تكمن في فعلها هذا؛ وِلْتُغْلِق مع تلك المعابر "المعبر الآمن" بين الضفة والقطاع؛ وَلْتَقْطَع كل اتِّصال للقطاع مع العالم الخارجي، بحراً وجواً؛ على أنْ تَفْتَح مصر بوَّابتها (في معبر رفح) تماماً، ذهاباً وإياباً، فإمَّا أنْ تَقْبَل إسرائيل على مضض هذا الفعل التاريخي المصري (المدعوم عربياً وفلسطينياً) وإمَّا أنْ تعود إلى ممارسة سيطرتها العسكرية والأمنية المباشِرة على البوابة الفلسطينية من معبر رفح، وعلى سائر الجانب الفلسطيني من الحدود بين القطاع ومصر، فهذا الاحتلال المباشِر هو خير من بقاء معبر رفح في الحال التي هو عليها الآن.

وهذا الفعل التاريخي المصري، الذي يعيد إلى مصر كثيراً من ثقلها المفقود إقليمياً وعربياً وفلسطينياً وإسلامياً، يجب أن يكون حُرَّاً من كل قيود اللجنة الرباعية الدولية، ومن قيد الاتفاقية الخاصة بفتح وتشغيل معبر رفح، وتنظيم عمله.

التزام واحد فحسب يمكن أن تلتزمه مصر وهو مَنْع إدخال أسلحة أو ذخيرة إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، أو عبر حدودها مع القطاع، الذي، إنْ دخلت إليه أسلحة أو ذخيرة، بعد ذلك، فلن تدخل إلاَّ من الثغرات الإسرائيلية، برَّاً وبحراً.

وعلى إسرائيل، التي تحاصِر قطاع غزة، مُسْتَذْرِعةً بوجود "مخاطِر إرهابية"، أن تُحاصِر، إذا ما تجرَّأت على ذلك، أو استطاعت إليه سبيلا، جنوب لبنان، حيث "مخاطِر الإرهاب" تفوق مثيلاتها في قطاع غزة أضعافاً مضاعفة.

إنَّهما خياران، لا ثالث لهما إلاَّ الأسوأ من أوَّلهما الذي هو "الاحتلال الإسرائيلي المباشِر" لقطاع غزة، أو لمناطقه الحدودية مع مصر والتي تشمل الجانب الفلسطيني من معبر رفح؛ و"الخيار الثالث الأسوأ من هذا الأوَّل" هو بقاء معبر رفح على الحال التي هو عليها الآن، أي بقاء المساهمة المصرية الكبيرة في الحصار الإسرائيلي المضروب على القطاع.

أمَّا "الخيار الثاني" فهو أنْ تَفْتَح مصر (وبدعم عربي وفلسطيني) بوَّابتها في معبر رفح فتحاً تاماً ونهائياً، مُلْتَزِمَةً فحسب مَنْع إدخال الأسلحة والذخيره من أراضيها إلى القطاع. جواد البشيتي