حكومات ومصارف ووكالات تصنيف.. مطلوبة للعدالة!

بقلم: محمد كركوتي

"ربما من الأفضل أن تكون غير مسؤول ومحق، بدلاً من أن تكون مسؤولاً ومخطئ"
رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل

في زحمة "التعري الاقتصادي"، تنتشر الاتهامات بين المشتبه بهم، وتعم أجواء المشبوهين محاولات الهروب مما ارتكبت أياديهم، سواء أولئك الذين تركوا بصمات في مسرح الجريمة، أم لم يتركوا. فهم على عكس سبارتاكوس Spartacus الثائر الاجتماعي ضد الرومان، الذي انتحل شخصيته كل فرد في مجتمعه، لحمايته من بطش الطاغية، أو لتضييع التهم ونشرها على الجميع، للحفاظ على روح سبارتاكوس النقية. "المشبوهون الاقتصاديون"، ينقلون أصابعهم بين "زملائهم" المشبوهين، ليس مهماً إلى من تشير، المهم أنها لا تشير إليهم، ولا تحدد شخصياتهم، لأن الجريمة كبيرة ودنيئة، وتبعاتها مُدمِرة. إنها من تلك الجرائم التي تجمع كل العناصر المشينة فيها. لقد استباحت كل شيء بما في ذلك المال والبنون والأخلاق والضمير، بل قتلت الإنسانية بخنقها المجتمع. كانت جريمة أكثر من عصر، لأن آثارها ممتدة إلى عدة أجيال، لا إلى جيل بعينه، ولا إلى مرحلة معروفة الزمن. إنهم يحاولون الهروب من محكمة الإنسانية، بكل ما تبقى لديهم من أدوات النفاذ ومعاول الاحتيال، لكنهم هل يستطيعون الفرار من محكمة التاريخ، الذي سيدخلونه من الباب الخلفي، المخصص للمجرمين وقطاع الطرق والأفاقين، وسارقي "الكحل من العين"، وبائعي البيضة بدون صفارها. سيدخلونه كما دخله شايلوك اليهودي، في مسرحية شكسبير "تاجر البندقية"!
هناك ثلاثة أنواع من المشبوهين المطلوبين للعدالة، الذين ارتكبوا جرائم اقتصادية أدت إلى أزمة تاريخية قاصمة، وهم على الشكل التالي: حكومات في المركز الأول، ومصارف وأسواق المال في المركز الثاني، وفي المركز الثالث تأتي وكالات التصنيف أو التقييم. إنهم "الفرسان" الثلاثة لأبشع سيرك في التاريخ الحديث. إنهم أولئك الذين قلبوا حياة الناس في كل مكان على طريقة "التسونامي". إنهم أولئك الذين حولوا أزمة اقتصادية، كان بالإمكان أن تمر ضمن نطاق الأزمات التي تقع عادة بين الحين والآخر، إلى أزمة دول كبرى وصغرى، إلى أزمة تكمن حلولها في المستقبل، أكثر مما تكمن فيها. لقد غيَروا مفهوم الأزمات، التي غالباً ما تحتوي على معاول حلِها!. وإذا كان هناك طمع أصيل في المصارف وأسواق المال، وحالة ارتزاقية متجذرة لدى وكالات التصنيف، فكيف يمكن أن نفهم وضعية وتوصيف الحكومات في هذا المجال؟ فالذي نعرفه، أن من واجب هذه الأخيرة القيام بمهمة الرقابة على المصارف والأسواق المالية، ومتابعة وكالات التصنيف التي انتشرت قبل اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، كانتشار المغنين (لا المطربين) في العالم العربي؟!. ولكن لمَ الاستغراب؟ فالهواء التلفزيوني والإذاعي الهائل والفارغ عند العرب يحتاج إلى من يملؤه، والساحة الاقتصادية العالمية التي كانت قائمة بأيدلوجية "دع الأسواق تصحح أخطائها"، تحتاج إلى من يُورِق الوهم، بل ويبيع الهواء بدون زجاجات.
يقول المُصلح الديني المسيحي الألماني مارتن لوثر، الذي يعتبر الأب الروحي للإصلاح البروتستانتي: "إنك لست مسؤولاً فقط عما تقوله، بل أنت مسؤول أيضاً على ما لم تقله". إن للمسؤولية قداسة، ومن أجل ذلك يتخلى عنها المجرمون، هذا إن وجدت عندهم أصلاً. ويرى وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، أن القادة ليسوا مسؤولين فقط عن نتائج استطلاعات الرأي بحقهم، بل على تبعات أفعالهم. فأين كانت الحكومات، عندما باعت المصارف الوهم، وعندما تركت للأسواق تحديد مصير البلاد؟ أين كانت هذه الحكومات، عندما كانت وكالات التصنيف تمنح درجاتها الأعلى لمؤسسات غارقة، لا تعرف إذا ما كان النهار سيمر عليها أم لا؟ أين كانت، عندما قيل لها (تحذيراً)، إن المؤسسات المالية لا تأكل فقط أموال الأفراد، بل تلعب بالمصير الاقتصادي للأمم؟ أين كانت، عندما شهدت الفقاعة تكبر وتكبر، حتى تحولت إلى "غلاف مقدس" أُجهضت كل المحاولات للنفاذ إليه؟
الحكومات تقول، لقد ضللتنا المصارف والمؤسسات المالية، ولم نكن نعرف تفاصيل ما كان يجري على الساحة المالية! وتقول أيضاً، لقد غشتنا وكالات التصنيف، ولم نكن على دراية بدوافعها الارتزاقية!. وتقول أيضاً.. وأيضاً: "إننا ضحايا ولسنا مذنبين"! وانطلاقاً من هذا التبرير الغريب، يُعلن – على سبيل المثال – رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو أن بلاده ستحقق في دور بنوك استثمار أميركية في أزمة الديون اليونانية. ولكي يغطي على فشله كمسؤول عن مقدرات بلاده يقول: "لن أستبعد اتخاذ إجراءات قانونية ضد هذه البنوك، كخيار مطروح على الطاولة". لكن هذا المسؤول، لا يطرح السؤال الكبير على نفسه، وهو: لماذا لم أُجري تحقيقات في دور هذه البنوك، عندما بدأت الأمور تسير من سيء إلى أسوأ؟ وسؤال آخر هو: لماذا لم أستمع إلى أولئك الذين كانوا يحذرون، من انتشار "السرطان" المالي، ومن الألاعيب المصرفية التي كانت تتسيد الساحة بلا حدود؟. لقد أراد باباندريو أن يُبعد أصابع الاتهام عنه وعن حكومته، المتهالكة، تماماً كما يحاول المسؤولون الكبار، أن ينئوا بأنفسهم عن الجريمة الكبرى.
لقد كان رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر الذي تترأس بلاده مجموعة الدول السبع ومجموعة العشرين، أكثر المسؤولين المرعوبين نزاهة، عندما أعلن صراحة: أن الأزمة المالية تخص بعض الحكومات وليس القطاع المالي بمجمله. ومضى أبعد من ذلك، عندما قال: “إن الأزمة في الأساس ليست أزمة قطاع مالي، بل أزمة مالية للحكومات". وهذا يعني، أن الحكومات التي كان تعرف (قبل انفجار الأزمة) المستوى الحقيقي لملاءاتها المالية، قبِلت أن تنضم كلاعب في أكثر الفرق تدميراً للمجتمعات التي يفترض أنها الحامي الأكبر لها، بل الحامي الوحيد في بعض الدول. ارتضت أن تمارس "الوهم الاقتصادي"، من أجل مكسب هنا وآخر هناك، بصرف النظر عن مدى استدامتهن وبل وحتى شرعيته. وافقت على ترك وكالات التصنيف، ترفع من تشاء وتُسقط من تشاء، لأنها كانت توفر لها الغطاء اللازم لـ " اقتصاد الوهم". غضت الطرف عن الديون التي كانت تنزل على الأفراد كأمطار الأمازون، رغم علمها أن أحداً من هؤلاء ليس قادراً على الإيفاء بها. إنها حكومات ينبغي أن تكون أول الماثلين أمام العدالة، وبعدها يأتي من يأتي. فالمجرم الثاني والثالث والعاشر والمليون، ليس سوى ظل للمجرم الأول. وإذا كانت وكالات التصنيف، تُصِنف مؤسسات فاشلة بدرجة (إى إى إى)، فإن الحكومات تُصنَف كمرتكبة للجريمة من الدرجة الأولى.
إن المصيبة لن تنتهي بمحاكمة المشبوهين الأُول، الذين لا تزال أياديهم ملطخة بالدماء، ولا يزالون يحاولون التحايل على الحقيقة. فتكاليف الجريمة، سيدفعها الضحايا، حتى ولو أدى الأمر إلى سقوط هذه الحكومة أو تلك، أو طرد مدير هذا المصرف أو ذاك، أو إغلاق وكالة التصنيف هذه أو تلك. هؤلاء الضحايا يسددون فواتير المشبوهين – المجرمين، من مدخراتهم وتقاعدهم وساعات عملهم ومعيشتهم، ولا أقول رخائهم. فالرخاء تبخر مع أول شرارة للأزمة. إن الضحايا سيسددون الفواتير من أموال الأجيال القادمة التي لم تولد بعد!. وما على السياسيين ومعهم "المُلهَمين" الاقتصاديين والمصنفين "الفطاحل"، إلا أن يوجهوا الشكر إلى الأطفال الذين لا يزالون في بطون أمهاتهم. عليهم أن يضعوا الشكر كوديعة، شرط أن لا تكون بأيديهم.
(نشر في جريدة "الاقتصادية") محمد كركوتي m@karkouti.net