نقاد مغربيون يتطلعون إلى رؤى جديدة

إعداد: نادية شفيق/ كريمة رضواني
الكشف عن النظم والأنساق

في تجربة من تجارب الباحثين في ماستر الدراسات الأدبية والثقافية بالمغرب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء والتي تنصبُّ أساسا على قضايا وموضوعات أدبية نقدية من خلال مؤلفات يحركها الهاجس المعرفي والجدية في البحث عن آفاق ورؤى جديدة تتسم وتوجهات الباحث المغربي الذي يسعى إلى خلق روح حوارية مفتوحة مع كل التجارب المغذية للسؤال النقدي المجدد.
وتتمة لهذا الأفق النقدي الجامعي، نظم ماستر الدراسات الأدبية والثقافية بالمغرب وبتنسيق مع مختبر السرديات، الجمعة 28 مايو/آيار 2010 بقاعة المحاضرات في موضوع "النقد والسرد رؤى جديدة".
في بداية الجلسة تحدث شعيب حليفي شاكرا الباحثين واللجنة المنظمة التي سهرت على إنجاح هذا اللقاء، كما تطرق إلى أهميته من خلال النصوص النقدية المقروءة، وأولها المؤلف الأخير لحميد لحميداني الذي يُعتبر مرجعا أساسيا في السجل النقدي العربي باجتهاداته المنهجية والتحليلية المتوجه اليوم بهذا المؤلف القيم؛ ونفس الشيء بالنسبة لمعجب العدواني وهو ناقد طموح له قدرة على الحفر وراء الدلالات البعيدة والمستعصية برؤية الباحث الأكاديمي وانشغال الناقد الممتلك لأدواته المرنة.
وحول باقي النصوص، أضاف شعيب حليفي أن تجربة إبراهيم الحجري جعلت منه باحثا يشق طريقه بخطوات واعدة تعزز مشهدنا النقدي؛ ونفس الشيء بالنسبة للباحث سعيد العمري الذي أعد بحثا مهما عن التلقي بين التنظير والممارسة ضمن مجموعة بحث جدية وبرنامج عملي يسهر على إخراج البحوث الهامة.
وفي الأخير تحدث عن أهمية الترجمة العربية لمؤلف "ما فوق البنيوية، فلسفة البنيوية وما بعدها" باعتبار النقاش المتقدم الذي يطرحه الكتاب حول البنيوية، وباعتبار المترجم الناقد لحسن حمامة الذي يجتهد دائما في اختباراته ذات الفاعلية النقدية، وهو المبدع والناقد والمساهم في حقلنا الثقافي بترجمات رصينة.
وفي كلمة عبداللطيف محفوظ الذي سير أشغال هذا اللقاء، تحدث عن أهمية هذه الحلقات النقدية في تكوين الباحثين وتعويدهم على القراءة النقدية للإصدارات الجديدة والجادة، وتجنيبهم ظاهرة التعويل على الآخرين في التعرف على محتويات الكتب والأسماء والعناوين عوض المحتويات.
ولاحظ أن أغلب المداخلات حاولت أن تكون أمينة في عرض مضامين الكتب وتقديم أهم أطروحاتها بخصوص مفاهيم بعينها وطريقة توظيفها لها، واختيارات موضوعاتها المعرفية وآليات تحليلها. ولذلك عمل عبداللطيف محفوظ في تعقيبه على كل متدخل إلى توضيح بعض المفاهيم ومناقشة بعض الآراء، وهكذا توقف بالنسبة لعرض ونمير عند مفهوم التفكيكية حيث عمل على توضيح خلفياته وشروط وجوده التاريخية والمعرفية معتبرا أن الموقف منه هو موقف إيديولوجي بالأساس ما دامت تفترض في النهاية غياب مركز ما. وتوقف عند وسم التفكيكية بالعبثية.
كما تساءل بخصوص ورقة فاطمة الزهراء خلدون عن المصوغ المعرفي الذي يسمح بإدماج نص دون كيشوت ضمن الأدب الأندلسي، وأيضا عن الناظم المعرفي الذي يسمح بالتوليف بين هذه الرواية التي تعتبر انعكاسا لتحول طال الإبستيمي المتحكم في التشخيص الأدبي للعالم، ونص حي بن يقظان الذي يعبر عن موقف فلسفي عن طريق الحكاية، وأيضا عن إمكانية الوجود والتواصل مع الذات، ولو ضمن سديم مشاكل لشكل الوجود السابق على ابتكار اللغة.
وركز على مفهوم التناص تعقيبا على مداخلة عبدالعزيز الظيف، الذي حاول توضيح سياق تشكله، وأشكال تطويره وتفريعه إلى مفاهيم جزئية دقيقة، ومنوها بتوظيف العدواني له نظرا لمواءمته لنصوص رجاء عالم، ومنتهيا بنقد المفهوم مستندا إلى مفهوم الموسوعة عند إيكو والذي يؤكد أن البحث عن التناص في أي نص يقتضي بالضرورة امتلاك معرفة موسوعية شاملة تتعرف موضوعات نفس الدليل في كل الثقافات والأزمنة، وذلك ما يقتضي عقلا يقترب من عقل مطلق، ومنتهيا إلى أن تتبع آثار التناص إذا لم يكن مؤطرا يشكل قصدي وواع يهدد بطمر نوايا النص والمؤلف.
أما بالنسبة لمداخلة محمد ولد بادي حول كتاب سعيد عمري، فقد توقف عند نظرية التلقي وخلفياتها الفلسفية حيث تحدث عن مفهومي الاختزال والتعليق عند الظاهراتيين، وعن مستوى وجود المعنى بالنسبة لهذه النظرية والذي يكمن في فضاء افتراضي بين النص والقارئ، وعن تاريخ تلقي نص من النصوص معتبرا أن حقبه لا تتمفصل بوضوح إلا بتحول واضح يسم الإبيستيمي المتحكم لدى قراء مرحلة معينة للنص، ملاحظا أن ذلك لم يتحقق مع رواية "أولاد حارتنا"، التي قرئت انطلاقا من نفس الإبيستيمي ولا تزال، منتهيا إلى اعتبار الاختلاف في قراءاتها يعود بالأساس إلى اختلافات إيديولوجية كما أشار أن كل المقاربات التي تناولها الكاتب لم تستند إلى نظرية التلقي مثلما استغرب لغياب الاهتمام بدراسات جورج طرابيشي وريتا عوض. وفي الأخير قدم تأطيرا لمداخلة عبدالله الكلخة عن كتاب ما فوق البنيوية.
***
في كلمات المتدخلين، تدخل الباحث محمد تغولت ونمير مقاربا المؤلف الأخير لحميد لحميداني (جامعة فاس) "الفكر النقدي والأدبي المعاصر" معنونا ورقته بـ "موضوعة النقد بين التراث والمناهج النقدية المعاصرة"، راصدا مختلف القضايا المركزية انطلاقا من إعادة النظر في تاريخ الفكر النقدي وضرورة ربطه بين الماضي والحاضر اعتمادا على منظور تطوري شامل لتاريخ النقد الأدبي وخلفياته المنهجية. فخصوصية الكتاب حسب الباحث تستكمل مشروع لحميداني الذي دشنه منذ ثمانينيات القرن الماضي، كما تكمن في كونه محاولة جادة فريدة من نوعها في رصد مناهج النقد الأدبي المعار وذكر جذور النقد الضاربة في فروع التاريخ (العرب واليونان) حيث زاوج فيه بين العرض والتحليل ونقد النقد.
بعد ذلك تناولت الباحثة فاطمة الزهراء خلدون ورقة حول كتاب "النص السردي الأندلسي" لإبراهيم الحجري (باحث –الرباط/ الجديدة) من خلال إبراز العلاقات المشتركة بين كل من كتاب "حي بن يقظان" لابن طفيل و"طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي و"دون كيخوتي" لسربانتس، وتجلياتها مع توضيح تمظهرات الفضاء السردي الذي يؤسس لبنى النص الدلالية والجمالية.
وحول كتاب "الكتابة والمحو - التناصية في أعمال الروائية السعودية رجاء عالم " للناقد معجب العدواني (جامعة الملك سعود بالرياض) للباحث عبدالعزيز الظيف الذي عمل على مقاربة رواياتها وجعلها منطلقا ومحفزا له في دراسة أعمالها الروائية من قبيل "سيدي وحدانة" ورواية "مسري يا رقيب" ورواية "موقد الطير" والرابط بين هذه الروايات من منظور الباحث كونها حققت تكاملا من حيث بنيتها وذلك بانفتاحها على نصوص كبرى من أهمها النص القرآني إضافة إلى كتب النثر العربي متمثلة في حكايات ألف ليلة وليلة وسيرتي عنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن وعيا من الناقد بتحقق هذا الانفتاح الذي عمل على تمثل منهج التناص.
وتدخل الباحث محمد ولد بادي بخصوص كتاب "الرواية من منظور نظرية التلقي" لسعيد عمري تحت عنوان نظرية التلقي بين التنظير والممارسة، ممهدا بالخلفيات الفلسفية والمفاهيم الإجرائية لنظرية التلقي محاولا بذلك رصد أفق القراء الأوائل واللاحقين لرواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ، قبل تحوله إلى دراسة الرواية في أفقها الراهن، وذلك من خلال نمطين من القراءة هما: السيميوزية والنقدية السيميائية اللتين حققهما في إنتاج المعرفة والتوصل إلى حقائق ذات فائدة.
أما المداخلة الأخيرة فجاءت من إعداد الباحث عبدالإله الكلخة الذي قارب كتاب "ما فوق البنيوية" لريتشارد هاردلند (ترجمة الناقد المغربي لحسن حمامة) من خلال التوجهات النقدية الكبرى التي عرفتها البنيوية بدءا من اللساني ف. دي. سوسير، وربطها بالسيميولوجيا واللاشعور والابستيمية، حيث أكد أن الغاية من هذه المقاربات هو الكشف عن النظم والأنساق التاوية لخلق الخطاب.