تشكيلية سورية: المدارس الفنية ضرورة نحو الحداثة والتقدّم

حاورتها: بسمة نجار
لوحة ناطقة

لوحات ناطقة، نظمتها الفنانة بحركات بهلوانية، كأبيات شعرية وعناوين وحكايات، كوّنت منها خيولا وعناصر ومساجد وبيوتا قديمة، بريشة لا تخلو من الجرأة بتكوينات وتلوينات تشكيلية وألوان تعبيرية استطاعت أن تصوغ بأسلوب (تعبيري واقعي) متميز وراق، حيث حاولت أن تخرج المكنونات التي بداخلها لترصف منها العديد من اللوحات التشكيلية التي تميزت بأوضاع مختلفة لجسد الحصان البض.
على ضفاف نهر العاصي المتربع وسط المدينة السورية حماة، استطعنا أن نأخذ استراحة مع الفنانة التشكيلية سهام منصور ببعض الأسئلة: • لدى زيارتنا إلى محترفك الفنّي، لاحظنا العديد من اللوحات والتي هي رصيدك الفنّي عبر سنين مضت، فهل لك أن تحدثينا عن بداياتك الفنّية وعن سرّ هذا الإبداع بمراحله كافّة؟
قْْدر الشمعة أن تعطينا ضوءا، وقدر الزهرة أن تعطينا عطرا، وقدر اللوحة أن تعزز الجمال لمن ينظر إليها. وقدري أن أتسلّق السلّم الحريري لأعانق الآخرين بهذا الفن الراقي. فمنذ طفولتي جذبت أنظار الأهل والإخوة لموهبتي المبكرة، فما كان منهم إلا أن هيأوا لي الظروف الماديّة والمعنوية لأنشط بحرّية ولأبسط أفكاري على (الورق والخشب والقماش) وبقياسات كبيرة وبألوان باهظة الثمن آنذاك، كنت وقتها يتيمة الأب، فقد كان إخوتي الكبار يوجهونني لأرسم الآلام فرحا، وأجسّد الماضي والحاضر، منطلقة نحو الأفق الواسع متمسّكة بقواعد الرسم الأكاديمي، خاصة وأني نلت الدرجة الأولى في مسابقة القبول لكلية الفنون الجميلة وبقيت متميزة بين إخوتي وجميع أقراني في هذا المجال حتى سنوات التخرّج، بالعمل الدؤوب وبالمحاولات الجادّة.
وكان التميّز الثاني هو قبولي أول منتسبة لدبلوم التربية العامّة، وكذلك لدبلوم الدراسات العليا في قسم التصوير، أما التميّز الأكبر والذي أعتزّ به أنني فخورة في تدريسي للمادّة ذاتها في معهد أعداد المعلّمين ومعهد إعداد المدرّسين. كما أنني شاركت في تأليف كتب أصدرتها وزارة التربية مثل "كتاب التربية الفنية"، "كتاب دليل المعلّم لتدريس مادة الرسم"، "كتاب الثقافة الفنيّة". كما فزت بالجائزة الأولى في مهرجان القطن ولعدة أعوام في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.
اعتمدت في أوّل حياتي في أسلوبي الفنّي على الواقعيّة ثم التعبيريّة المشوبة بروح الانطباعيّة متأثرة بجمال البيئة بمدينتي، وريفها وأحيائها القديمة، وكنت أعيد صياغة العمل من جديد بالحبر الصيني وبأداة بسيطة جدا مثل أعواد الكبريت مؤكدة على الرؤية الحياتية التي تشكل الأساس المتين لتكوين العمل الفني مصيغة إحساسي المفعم بالصدق، وهكذا تتالت المراحل التي عملت بها فمنها:
مرحلة التكوين – مرحلة الخصب – مرحلة البحث والصياغة الشكلية -مرحلة التحديث، وحاليا مرحلة الارتجال والتي تميزت باستحضار صور من الذاكرة ضمن حوار ذاتي يتسم بالانفعال بحيث تتداخل الأشكال المستحضرة مع هارموني لوني مدروس، وأحيانا تخضع لمزاج شخصي انفعالي برموز تعبيرية ولمسات جريئة بوجود فسحات بصرية وصخب موسيقي للوصول إلى تجربة إبداعية جديدة. • هل هناك حدث سياسي أو اجتماعي أوعاطفي مرّ بحياتك جعل من ريشتك تطلق ألوانا بقوة الرصاص مثلا؟ وهل يمكنك ذكر ذلك الحدث واسم اللوحة الخاصة به؟ ـ يقال إن الفنان يلون بدمه معبرا بصورة صادقة عن حياته الإنسانية في المجتمع فيعكس أفكاره وتقاليده ومعتقداته ومشاعره المتفجرة من الحياة، وفي عالمنا اليوم في كل لحظة حدث مفجع يؤثر بعواطفي فأعبّر عنه بشحنات حسية انفعالية عاطفية، فأرسم الأصالة واللامبالاة، ولو أنني رسمت الفرح لحلّت ألوان الحزن، بأداء تعبيري عنيف مفتوح على مخاض الآلام والتوترات، وأعكس الكثير من المشاعر، كالإحساس بكوارث الحروب المتجزرة في حياتنا وخاصة (فلسطين والعراق) معتمدة على الرسم والتصوير المنضبط المتوازن والمحكم الأداء.
• يقال إن "الفن هو سمة الحياة"، بتصورك لوأنّ العشوائية تملكت هذه الحياة، وغابت الشمس في النهار؟ ومرّت الكواكب من أمامنا جهرا، وهذا لا يمكن أبدا لأنها بالطبع ستكون نهاية الحياة، والفن يجب أن يأخذ سمة الحياة وإلا فقد قيمته وجديته، ولا بد أن يكون هناك قدر من التنظيم؟ أم لك رأي آخر حول هذا الموضوع؟
ـ حقا الفن سمة الحياة، وعندما تتملك العشوائية تلك الحياة، وتغيب الشمس ويطغى الليل على هذه الحياة، ويمتد السّواد بعيدا عن القمر، والكواكب تغدو وتروح في ظلمة الليل، عندها مافائدة الفن؟ ومن الذي سيفكر بتلك الحياة أو يتحسسها؟ بل يلجأ إلى الواحد الأحد ويفكر بلقائه، وينطلق باحثا عن طريقه مناسبة ليرى الله وحده تاركا الفرح المنطبع في ألوان الروابي والحقول والتلال ويتجاوز الإنسان وقتها كل المعطيات الحياتية، وتطغى فوضى النهاية بلا تنظيم. • الفن لا بد وأن يكون صادرا من النفس، فهو فكر وثقافة ووجدان وليس فنا محفوظا ومعلبا أومعزولا؟ ما هو رأيك بالنسبة لهذا الموضوع؟ ـ الفن لا يزال، وسيبقى، من أهم وسائل التعبير عن مختلف النشاطات الحياتية، هذه هي القاعدة الأساسية في الفن التشكيلي التي لازمت الإنسان منذ نشأته الأولى ورافقته عبر مختلف العصور والحضارات وسيبقى كذلك له الدور الفعّال في تطوير المجتمع وتثقيف أبنائه، فكريا وجماليا وخلقيا وروحيا، من أجل رفع مستوى الإدراك العقلي والحس الجمالي والخلقي عند أفراد المجتمع، وكل عمل معلب أو معزول أو محفوظ أو مزيّف أو هو إحياء للفن العبثي الأوروبي أو الأميركي سينتهي بسرعة لأنه بعيد عن الأصالة، وإن معظم المنجرفين وراء التيارات الغربية والوافدة لا يدركون مخاطر تبنيهم لمثل هذه الطرق المشوبة والبعيدة عن التقاليد الفنية الأصيلة والمتمثلة في حب الوطن والأرض والإنسان.
يقول الكسندرليوت: "إن الخيال قوة يحتفي فيها الإنسان دون غيره". وفي وطننا أناس كثير لهم الفكر والثقافة والوجدان لذلك ليس هناك فن محفوظ ومعلب أو معزول عن المجتمع والناس والأمة، إلا عند القلة من الفنانين المنعزلين بأنفسهم وفنهم، يعملون لأنفسهم متمتعين بمشاهدة أعمالهم بعيدا عن الناس وهم قلّة قليلة جدا أمثال الفنان السوري ناظم الجعفري الذي رسم مئات الآلاف من الأحياء الشعبية الدمشقية وحفظها في محترفه إلى أن جاء من أظهرها إلى عامة الناس في نهاية حياته. • في بعض لوحاتك غموض لأشياء كثيرة، وبعض تكويناتك اللونية يصعب ترجمتها على البعض، فهل هي أسرار موجودة ولا تريدين الإفصاح عنها كما في بعض لوحاتك في (مرحلة التحديث)، أم هي مجرد علاقات وتشكيلات على مساحة اللوحة؟
ـ الدخول في عالم التعبير والمضمون، لذلك جاءت لوحاتي أغلبها منفّذ بألوان والشكلي وإيجاد هارموني خاص بي مجسدة المختصر والمفيد، دون أسرار بل عبر تقنيات وإيقاعات بصرية لاأكثر، ومع الأسف أغلب جمهورنا مظهر ضيّق، من مظاهر الحياة هذه، إذ يعتبر جودة العمل وقيمته بمدى قربه من الواقع، وتجسيده لهذا الواقع بعين الكاميرا، وهذا كله يقع على عاتقنا نحن الفنانين بسبب عدم ترقية الذوق والوجدان بكثرة العرض وتنوعه أولا ثم بالمحاضرات التي تثقف المجتمع ثانية، وأخيرا بتوعية الطلبة وتوجيههم نحو الفن والفنانين وتعليمهم النقد البنّاء واطلاعهم على الاتجاهات الفنية باستمرار. • إذا أردنا أن نؤكّد على السؤال السابق فهل تلك العبارات إن وجدت في لوحاتك هي أبيات شعرية أم هي لفيلسوف أم حالة تعوّدت التعبير عنها؟ ـ هناك عدد من اللوحات جسدت بها أبياتا شعرية لشعراء كنت على مقربة منهم وأعجبت ببعض أبياتهم الشعرية فجاءت اللوحة صورة معبّرة عن معنى لتلك الأبيات مثل لوحة "مقدّمة اللمى"، ولوحة "الحسناء" وغيرها. • هل هناك أسماء عربية أو غربية تحبّين أن تذكريها، وكنت قد تأثرت بها وهل هناك أسماء تجعلينها مثلا لك ولأعمالك، وإن وجدت علّك تتحدثين عنها قليلا؟ ـ هناك فنانون كثر أعتزّ بهم على الصعيد العالمي أو العربي أو المحلّي، لكني عندما أعمل لا أتأثر بأحد منهم، إذ لكل منهم خصوصيته وطريقته في الأداء، وهي ميزة كل فنان. وعندما أبدأ بعمل لا يحضرني أي منهم بل يحضرني الحدث أو المشهد، دون إغراءات الآخرين، والفنان الحق هو المبدع وليس المقلّد.
ومن الفنانين الذين أحب أعمالهم: مايكل أنجلو بعظمته كنحات وطرق تجسيده اللوني، ومازاتشو بشاعريته، ورامبرنت بعقلانيته في توزيع ألوانه بين المظلم والمضيئ، وفان كوخ بعاطفته الجيّاشة القوية المندفعة من حس مرهف، وسلفادوردالي بذكائه وحنكته، ومن فناني مصر الروّاد محمود مختار، والمصور محمود سعيد بواقعيته الشعبية. ومن لبنان الشقيق وجيه نحلة، ومن سوريا محمود حماد، وفاتح المدرس. ونسيت أن أذكر موديلياني الفنان الإيطالي العبقري الصعلوك بأسلوبه الذي تفرّد به وأصبح علما من أعلام الفن الحديث. وهناك أسماء كثيرة جدا، لكل منها خصوصيتها، وأنا بعيدة عنهم كل البعد في طروحاتي، وأحب كل فن وكل عمل له خصوصيه غير متأثر بأساليب الآخرين. • للنقد أسس وقواعد وهناك الكثير من الفنانين يتقمّصون شخصية الناقد، وعندما يبدأ بنقد لوحة ما، يبدأ بتشهير الفنان وتشويه لوحاته باعتباره ينقد، ماذا تقولين لمثل هؤلاء؟ ـ الناقد هو فيلسوف مضافا إلى فنان، هو العين المثقفة الفنانة النزيهه التي تستطيع أن تتعرّف على أسس العمل الفني عامة، ويقدم للفنان المعونة والثقافة كي يطّلع على ما ليس بين يديه، معتمدا على ثقافته الفنّية أولا ، ومظهر االحياد والموضوعية ثانيا، فلا يتكلّم باتجاهه الخاص وآرائه فقط، بل عليه تحديد قوة الأثر الذي بين يديه معتمدا على المبادئ النظرية لعلم الجمال ومهتما بإظهار القوة والضعف دون تجريح، وجعل النقد بنائيا إنشائيا، وليس تخريبيا، مؤديا رسالة عظيمة بنقده وآرائه ممهدا السبل لتذوق العمل الفني وإعطائه قيمة اجتماعيه.
لذلك أقول لكل ناقد فني لا تنظر إلى موضوع العمل الفني مفصولا عن الكيفية التي أخرج بها، ولا تربط العمل الفني بارتباطك الشخصي للعارض بل أن يقيسه بموضوعية، وأن لا يفرض الناقد معايير خارجة عن النطاق الفني على الفن ذاته. وأن لا يقيس الناقد العمل الفني بالمقياس المادي السريع بل عليه أن ينظر إلى القيم التشكيلية التي يتضمنها العمل الفني ذاته سواء من ناحية بنيتها أوعناصرها التشكيلية. • يقول بيكاسو: إن العين عضو أساسي في جسمه وهو يستطيع أن يغزو جسم المرأة بتلك العين وقد جسّد ذلك في بعض لوحاته. فهل أنت توافقينه على هذا الرأي؟ وهل تجرؤين بالإجابة عن السؤال بشكل معكوس؟ ـ الحقيقة أن بيكاسو حلل وجه المرأة إلى أشكال هندسية أو حطم المرأة وأعاد صياغتها من جديد، أي أنه لم يتحسس جمال الأنوثة في جسم المرأة، وهذا ما فعله في رسمه لزوجاته السبع، وهذا ينطبق على فناني إيطاليا أمثال بوتيشللي في لوحتيه "الربيع وميلاد فينوس"، وينطبق على روبنز الفلمنكي الذي رسم الرفاهية والأبهة الأوربية، ورسم نساء مفعمات بالعافية يرفلن في نعيم القصور, وجوههن نضرة مشبعة بدماء العافية. رسم الوجوه والأفخاذ والأثداء والبطون والأرداف الخ. ورينوار الانطباعي الذي دخل إلى جسد المرأة ورسم نساءه العاريات المكتنزات المليئات بعصارة الجنس وبألوانه الوردية الشفافة مستخدما ضوء الشمس ونورها وما تتركه من ظلال على الأجسام الأنثوية العارية، مدركا أن للألوان قدرة سحرية في صنع الجمال، وتجسيد العواطف والانفعالات والتعبير عنها لاسيما الدافئة الحارّة.
أما عن الشق الثاني من السؤال والإجابة عنه بشكل عكسي، فأنا أنظر إلى الحياة بتفاعلاتها مع من يحيط بها، ولا أنظر بشكل عكسي، أجسّد الرجل في لوحاتي من خلال الكون، بشكل رمزي للحصان، دون أن أنظر له بعين ثاقبه لأن هذا لا يعنيني على الإطلاق.
• يقال إن سيزن أبا الفن الحديث، لأن أسلوبه كان بمثابة المرحلة الانتقالية لتغيير كبير في تاريخ الفن الحديث، فما رأيك بذلك؟
ـ حقا إن سيزن وفان كوخ وغوغان وسوارة وبيكاسو أسماء أحدثت انقلابا عظيما في تاريخ الفن، وهم الذين فتحوا المجال للتحولات العملاقة في الفن التشكيلي، بأفكارهم وتطبيقاتهم، وظهرت تحولات وإضافات لم تطل بنيتها إلا على يد بيكاسو وبراك، دون أن تشكّل نشازا أو تغيّرا من مهام الفن ووظيفته على صعيد الشكل والمضمون.
وفي غالب الأحيان أغنت الفن الحديث وطوّرته، لكن الخروقات الهائلة التي شهدها العصر الحديث فيما بعد، أي في القرن الحادي والعشرين على صعيد اللغة البصرية، طالت بنيتها وشكلها ووسائلها ومدارسها وخاماتها وصولا إلى أهداف وغايات تدفعنا اليوم للبحث وإعادة النظر في جملة مقومات ووظائف وأدوات جمالية ومعرفية وتوثيقية في هذا الفن التشكيلي الخارج عن المألوف، والمتّسم بنوع من الصرعة الغريبة غير المقنّعة، والبعيدة عن الديمومة. • من المعروف أن نشأة المدارس الفنّية والاتجاهات في الغرب، والبعد عن تصوير الواقع بأزهاره وأشجاره وجداوله وصخوره. ونحن نعلم أن الواقع هو الأساس الذي يدفع الفنان للإبداع ويحرّض أحاسيسه الكامنة. برأيك هل كثرة الحركات الفنّية والمدارس في كل عصر (جعل لكل عصر فنّه) كما يقال أم هي ضرورة مرتبطة ومتتالية نحو التقدّم؟ بعد الثورة الفرنسية عام 1789 ظهرت الكلاسيكية المحدّثة على يد جان لويس دافيد في فرنسا الذي أخضع الفن والفنانين بقواعده ومنطقه الصّرم، فازداد سأم الفنانين وتململوا وتاقوا إلى التحرر فجاءت الرومانسية، كردّة فعل خاصّة ساعدتها ظروف سقوط نابليون وإبعاد دافيد إلى بروكسل فجاءت الرومانسية بألوانها الزاهية وأشكالها المحوّرة، والتحريف على حساب الحركة الفنية، وجاءت الواقعية، بعد أن حمل أصحابها أمثال كورو - كوربييه- مييه، ألوانهم ولوحاتهم إلى الطبيعة الحيّة بعد أن هجروا مراسمهم وبدأ الناس يتفاعلون مع المكتشفات العلمية، والابتكارات الصناعية وتحديث الفن.
بسمة نجار ـ سوريا