الشرق الأوسط الخالي من السلاح النووي!

بقلم: جواد البشيتي

189 دولة، وقَّعت من قبل معاهدة "حظر انتشار الأسلحة النووية" في خارج مجموعة القوى النووية "الشرعية" الخمس، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، اجتمعت، في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، للاتِّفاق (بالإجماع) على ما يمكنها، وينبغي لها، فعله، توصُّلاً إلى جَعْل دول العالم غير الأعضاء في تلك المجموعة، أي الغالبية العظمى من دول العالم، أكثر التزاماً للمعاهدة، أو لمبدأ "حظر انتشار السلاح النووي"، فمنذ سنة 1970 (تاريخ دخول المعاهدة حيِّز التنفيذ) والعالم يشهد مزيداً من الانتشار للسلاح النووي في خارج مجموعة "القوى النووية الخمس"؛ وهذه الظاهرة نراها في وضوح في دولتين لم توقِّعا "المعاهدة"، هما الهند وباكستان؛ ولكنهما تعترفان بامتلاكهما ترسانتين كبيرتين من الأسلحة النووية، وفي كوريا الشمالية التي أصبحت تملك قنابل نووية؛ وانسحبت سنة 2003 من "المعاهدة"، وفي إسرائيل التي لم تعترف بعد بامتلاكها المعروف عالمياً لترسانة نووية كبيرة، وترفض توقيع "المعاهدة"، وفي إيران المتَّهمة غربياً (في المقام الأوَّل) بالسعي إلى صنع أسلحة نووية، على الرغم من تأكيدها، غير مرَّة، أنَّها لن تملك السلاح النووي؛ لأنَّه "حرام دينياً".

وقبل نحو 15 سنة، تقرَّر دولياً، أنْ تُبْذَل الجهود والمساعي لجعل الشرق الأوسط كله منطقة خالية تماماً من الأسلحة النووية، ومن سائر أسلحة الدمار الشامل؛ ومع تزايد القلق الغربي من البرنامج النووي الإيراني، ومن "النيَّات النووية" لطهران، وبعد انتقال السلطة في الولايات المتحدة إلى إدارة الرئيس أوباما، بدت واشنطن أكثر اهتماماً بجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي؛ وكان اهتمامها هذا جزءاً من اهتمام (ظاهري) أوسع هو اهتمامها بجعل العالم كله خالياً من هذا السلاح.

وفي المؤتمر الأخير، الذي شاركت فيه الدول التي وقَّعت "المعاهدة"، تحقَّق تقدُّم "إجرائي"، فالمؤتمر دعا إلى عقد مؤتمر سنة 2012، في رعاية الأمم المتحدة، تحضره كل الدول في الشرق الأوسط، للبحث في كيفية جَعْل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، وللتوصُّل من ثمَّ إلى اتِّفاق في هذا الصدد.

وهذا "التقدُّم الإجرائي" اقترن بقرار أثار حفيظة إسرائيل والولايات المتحدة، فالمشاركون (189 دولة) في مؤتمر نيويورك دعوا، هذه المرَّة، إسرائيل إلى الانضمام إلى معاهدة "حظر انتشار السلاح النووي"، وإخضاع كل منشآتها النووية (وفي مقدَّمها مفاعل ديمونا) بالتالي لرقابة "الوكالة الدولية للطاقة الذرِّية"، التي تسعى للتحقُّق من أنَّ الدولة المنضمة إلى "المعاهدة" لا تملك من البرامج النووية إلاَّ ما يؤكِّد طابعها السلمي المدني.

وكانت مصر تصرُّ على أنْ تُدْعى إسرائيل إلى توقيع "المعاهدة" بصفة كونها "دولة غير نووية"؛ وهذا إنَّما يعني أن تتخلَّص إسرائيل من ترسانتها النووية قبل، ومن أجل، الانضمام إلى تلك المعاهدة الدولية، التي يجب ألاَّ تنضم إليها إلاَّ الدول غير المالكة للسلاح النووي (باستثناء الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا).

إنَّني أشكُّ، وأشكُّ كثيراً، في أنَّ الدول العربية لديها من الاهتمام الحقيقي بالأمن القومي العربي، وبمواجهة المخاطر المحدقة به، وفي مقدَّمها المخاطر الإسرائيلية، النووية وغير النووية، ما يَحْملها على بذل جهود جادة وحقيقية لجعل الشرق الأوسط منطقة خالية تماماً من الأسلحة النووية، أي خالية تماماً من الأسلحة النووية الإسرائيلية التي هي وحدها الموجودة فعلاً، وبكثرة، حتى الآن، مع أنَّ بعضاً من الدروس والعِبَر المستخلصة من تجارب الحروب بين إسرائيل والعرب ولا سيِّما تجربة حرب 1973، يُثْبِت ويؤكِّد أنَّ إسرائيل يمكن أن تلجأ إلى "الخيار النووي" حتى قبل أن يصبح وجودها مهدَّداً بخطر عسكري عربي حقيقي؛ كما يُثْبِت ويؤكِّد أنَّ اعتقاد العرب بوجود الترسانة النووية الإسرائيلية ردعهم، ويردعهم، عن خوض مواجهة عسكرية كبيرة وحقيقية ضدها، ولو بصفة كونها قوَّة احتلال لأراضٍ عربية.

أمَّا الدليل القوي على أنَّ الدول العربية لا تملك شيئاً من ذاك الاهتمام فيتمثَّل في الموقف السلبي الذي يقفه بعضها من البرنامج النووي الإيراني، ومن "السلاح النووي الإيراني" الذي لم يغدُ بعد حقيقة واقعة، وفي "عجزها"، الذي يضرب جذوره عميقاً في المصالح الفئوية الضيِّقة لأنظمة الحكم فيها، عن الإفادة من التجربة القتالية لـ "حزب الله" اللبناني في تطوير وسائل وأساليب مواجهتها لنقاط القوَّة في آلة الحرب الإسرائيلية التقليدية، التي يتأكَّد، في استمرار، أنَّها تستطيع، مع استمرار ذاك "العجز"، أن تُلْحق، وحدها، هزيمة سهلة وسريعة وكبيرة بأيِّ جيش عربي يحاربها منفرداً.

لو كان "الأمن القومي العربي"، الذي لن نفهمه على أنَّه "أمن قومي عربي حقيقي" إلاَّ إذا كان ضدَّ المخاطر الإسرائيلية التي تتهدَّده، يحظى بما يحظى به "الأمن الداخلي" لأنظمة الحكم العربية من اهتمام حقيقي وجاد، لقرَّرت الدول العربية جميعاً الانسحاب من معاهدة "حظر انتشار السلاح النووي" إلى أن تقرِّر إسرائيل الانضمام إلى هذه المعاهدة، وتستوفي شروط الانضمام، وفي مقدَّمها أن تصبح دولة خالية تماماً من السلاح النووي؛ فَلِمَ يحق لإسرائيل المسلَّحة بالقنابل النووية من رأسها حتى أخمص قدمها أن تظل في خارج "المعاهدة" ولا يحقُّ، في المقابل، للدول العربية التي لا تملك من السلاح النووي حتى نيَّة امتلاكه أن تنسحب منها، ولو في سبيل الضغط على إسرائيل للانضمام إليها؟!

إذا استصعبت الدول العربية أن تقرِّر ذلك، وأنْ تجعل هذا الخيار خياراً إستراتيجياً ثانياً لها بعد خيار السلام مع إسرائيل، فَلِمَ لا تقرِّر أنَّها تفهم التزامها "المعاهدة" على أنَّه التزام لا يتعارض مع سعيها إلى تطوير برنامج نووي قومي من النمط الذي يسمح لها مستقبلاً بامتلاك القدرة على صنع القنبلة النووية في أيِّ وقت تشاء؛ ولكن من غير أن تصنعها فعلاً؟!

وأحسب أنَّ هذا الخيار يتَّفِق مع ميل نووي عالمي جديد هو ميل كثير من الدول إلى تطوير برامج نووية تكتسب من خلالها القدرة على صنع السلاح النووي؛ ولكن من غير أن تتورَّط في صنعه وحيازته.

إنَّ إبداء الدول العربية لاهتمام حقيقي بـ "تعريب" البرنامج النووي الإيراني بخواصه الجوهرية، أي "استنساخه" عربياً، هو خير عمل يمكنها القيام به لإظهار وتأكيد عزمها على تحقيق مزيدٍ من الاستقلال القومي، الذي ما زال حتى الآن أقرب إلى العدم منه إلى الوجود.

وأحسب أنَّ سلوكاً نووياً عربياً كهذا، مع تَرْك إيران تمضي قُدُماً في تطوير برنامجها النووي في الطريقة التي تشاء، هو خير مساهمة عربية في الجهود والمساعي الدولية لجعل الشرق الأوسط منطقة خالية تماماً من السلاح النووي، ومن مخاطر السعي إلى حيازته، فإنَّ من الواقعية السياسية بمكان أن يتصرَّف العرب وفق حقيقة إستراتيجية مؤدَّاها أنَّهم يجب أن يتسلَّحوا بما يكفي لجعل إسرائيل تقتنع بأنَّ لها مصلحة حقيقية في التخلُّص من ترسانتها النووية، فالدولة العبرية تسلَّحت، وتسلَّحت نووياً في المقام الأوَّل، بما سمح لها بنزع الرغبة في التسلُّح النووي من نفوس قادة وحرَّاس "الأمن القومي العربي"، وبإلزام كثير من الدول العربية أن "تقتصد" حتى في تسلُّحها بأسلحة تقليدية متطوِّرة.

أمَّا إذا ظلُّوا على ما هم عليه من نزعة نووية تهبط بهم من "السياسة" إلى "الكهانة" فإنَّ الجهود والمساعي الدولية لجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي لن تتمخَّض إلاَّ عن جعل الشرق الأوسط منطقة خالية تماماً من كل سلاح نووي غير إسرائيلي، وعن قيام "نظام أمن إقليمي"، تحتفظ فيه إسرائيل بترسانتها النووية، مع "تعهدها"، في الوقت نفسه، بألاَّ تستخدم السلاح النووي ضدَّ كل دولة عربية وقَّعت معها معاهدة سلام، والتزمت عدم حيازة أسلحة نووية، فالدولة العبرية إنْ انضمت إلى معاهدة "حظر انتشار السلاح النووي" فلن تنضم إليها إلاَّ كانضمام الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا.

وقد تقترن تلك الجهود والمساعي بجهود ومساعي السلام، فتتغيَّر "معادلة السلام" بما يجعل احتفاظ إسرائيل بسيطرتها على القدس الشرقية، وعلى جزء آخر من أراضي الضفة الغربية، واحتفاظها، أيضاً، بترسانتها النووية التي لا تتحدَّاها أي ترسانة نووية عربية، هما الطريق إلى السلام! جواد البشيتي