روثمان يقرأ جماليات الفيلم في 'عين الكاميرا'

كتب ـ محمد الحمامصي
الأثر الخالد من أفلام هيتشكوك

في عام 1982 أصدر الناقد السينمائي الشهير وليم روثمان كتابه "هيتشكوك ـ النظرة القاتلة"، حاول فيه من خلال قراءاته لخمسة أفلام مميزة لهيتشكوك الوصول إلى فهم إبداعه ومكانته في السينما، في نفس الوقت كان الكتاب بحثا لشروط إبداع الفيلم، ونقدا بحس كانطي للفيلم من حيث كونه وسيطا للإبداع، وبرغم الزعم بموت المؤلف على نحو متواصل، إلا أنه في الحقيقية يوجد مبدعون للفيلم.
لكن ماذا يعني أن تكون مبدعا في وسيط الفيلم؟ ما هو الإبداع، ما هو الوسيط، ما هو الفيلم؟
يحاول روثمان في كتابه "عين الكاميرا ـ مقالات في تاريخ السينما ونقدها وجمالياتها" ـ الذي ترجمه وقدم له محسن ويفي، وصدر أخيرا عن المركز القومي للترجمة بمصر ـ الإجابة على ذلك من خلال قراءات في عدد من الأفلام ومخرجيها وأنواعها السينمائية.
هو يشتمل على مقالات عن فيلمين لهيتشكوك "دوار: المرأة المجهولة عند هيتشكوك"، و"شمال عن طريق شمال غرب": الأثر الخالد من أفلام هيتشكوك"، وهو ما يعتبر تتمة وامتدادا لرؤيته في كتابه عن هيتشكوك.
يقول روثمان "يبدو من المستحيل أن نعرف هيتشكوك من خلال أفلامه، لكن ذلك ليس بأكثر من استحالة الكائنات الإنسانية للتعبير عن أنفسهم بأي وسيط آخر، في قدرتهم التعبير عن أنفسهم إطلاقا، إنها حقيقة أن للكائنات الإنسانية قدرة على إظهار وإعلان وخلق أنفسهم، حتى هذه الحقيقة تبدو غامضة، يتناول عين الكاميرا هذا الغموض كي يكون ، تاريخيا، أحد الثيمات المركزية للفيلم".
يدرس روثمان تطور أفلام هيتشكوك والآخرين من أمثال دي. دبليو. جريفيت، وهوارد هوكس، وجان رينوار، تلك الثيمة بواسطة خلق علاقة حميمة غامضة بين الكاميرا وأشخاص الكاميرا، الكائنات الإنسانية التي تسكن داخل عالم الفيلم "إنهم أيضا النجوم التي تقدم نفسها للكاميرا وتوضح عن طريقها"، وعلامات حميمة متساوية وغامضة بين الكاميرا والمبدع ذلك الذي تمثله عين الكاميرا "تمثل الكاميرا أيضا المشاهد ألا تخدم من ثم دائما سيدين".
يعد الإبداع واحدا فقط من الاهتمامات الرئيسية لـ "عين الكاميرا" تدرس مقالتان: "الطهر والشرف في مواجهة الكاميرا"، و"الرثاء وتغيير المظهر في مواجهة الكاميرا: قراءة في ستيلا دالاس"، في الطرق التي تغير بها الكاميرا الميلودراما المسرحية، وما يظهره هذا التغيير للفيلم، وانقطاعه الصادم عن المسرح، يمثل "الرمل الأحمر صورة الشهواني" تأملا في البعد الشهواني لقوة الفيلم الرهيبة "تفسر مشاهد لبورتريه عائلي لإلفريد جيوزببتي، دور الكاميرا في سينما الحقيقة والعلاقة بين التسجيلي والخيالي".
أما مقال "إعادة تقييم هوليود: تأملات في السينما الأميركية الكلاسيكية" الذي يستهل به الكتاب مع إطلالة على تاريخ الفيلم، يحدد السؤال بين أسئلة أخرى ما الذي يعتبر أميركيا داخل الفيلم الأميركي؟
يعترف روثمان "إن تجربة أميركا عن الأفلام، إدراكها للسينما هي دائما ولا تزال غير مبينة بوضوح وغير واعية، كي نكون قادرين على إدراك تأثير السينما على المجتمع، فيجب أن يصل هذا الإدراك إلى الضمير (الوعي) وهنا يجب أن يؤدي النقد دوره".
روثمان الناقد المتخصص في السينما لا يقدم هنا تأريخا على الرغم من أن مقالات الكتاب تحتضن السينما منذ ولادتها إلى ستينيات القرن العشرين، ولكن يقدم رؤية جمالية، إنسانية، يستطيع أي قارئ للكتاب التواصل معها، "ما يحدث في ظلام دور العرض، مثل ما يحدث خلف الأبواب المغلقة للفصل، مباح لكل ما هو حاضر، يتمتع في نفس الوقت بخصوصية وبحميمية، بشكل عادي، حتى بعد ما ينتهي الفيلم، وتضاء الأنوار ونستعيد حياتنا العادية وحواراتنا العادية، فإننا لا نقطع الصمت الذي لفنا أمام الفيلم، تتحدث الأفلام إلينا بلغة حميمة ملؤها اللامباشرة والصمت، كي نتحدث جديا عن الفيلم، فلا بد أن نتحدث عن ذلك الصمت، حوافزه وأعماقه، فيجب أن نتحدث عن ذلك حيث يفيض الصمت بالصوت ويجب أن نفيض بالصوت إلى ذلك الصمت، يجب أن ندع ذلك الصمت يتحدث عن نفسه".
يذكر أن روثمان حصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد بدراسة عنوانها "ثلاث مقالات في الجماليات" وذلك عام 1973، ودرس في هارفارد وجامعة نيويورك تاريخ ونقد ونظرية الفيلم من عام 1976 حتى 1984، وله قبل "عين الكاميرا" كتاب "هيتشكوك: النظرة القاتلة".