موسيقارعراقي يشهد بأنه أول من ألف سيمفونية عربية

لندن- من كرم نعمة
سالم عبد الكريم يقود أوركسترا قطـر الفلهارمونية في قاعة (رويال البرت هول)

عندما خطى الموسيقار العراقي سالم عبد الكريم في قاعة "رويال البرت هول" المدججة بالفخامة، كان خشب الرواقات يؤرخ لحدث سيمفوني بامتياز نادر، ثمة سيمفونية عربية تحلق في فضاءات القاعة اللندنية الأهم على مستوى العالم! هي تدرك "رويال البرت هول" من مر عليها خلال عشرات السنين وأي الكمانات أرخت لحلم أو دمع انساني أو عشق أو وله، لكن هذه المرة الموسيقى مختلفة تماماً أنها من بلاد الشواطىء الدافئة، أو بحسية سالم عبد الكريم أنها من بلاد "جي مالي والي.. بوية أسم الله"!
يا للبراعة كان الجمهور المتعدد الاعراق والثقافات ولهاً بلمسة موسيقية عربية وبادوات غربية، قدم سالم عبد الكريم "السيمفونية القطرية" وهو يقود فرقة أوركسترا قطـر الفلهارمونية المكونة من أكثر من 80 عازفا من مختلف بلدان العالم في لندن، بعد جولات في اسبانيا وايطاليا.
وهي مناسبة لاطلاق الاسئلة المؤجلة عليه واسئلة اليوم كذلك سألته عن مواصفات السيمفونية العربية أولاً؟

= إن سؤالك يحمل إجابته ولتوضيح ذلك اقول ان السيمفونية العربية يجب ان تكون أولا "سيمفونية" أي على وفق قالب السيمفونية الذي إستقرت خصائصه منذ العصر الكلاسيكي وتحددت بأربع حركات حيث يكون لكل حركه بناء وشكل ومحتوى خاص بها وتقوم بأدائها أوركسترا متكونه من مجموعه من الأقسام تغطى طبقات صوتيه متعددة، وثانياً يجب أن تكون عربية أى تتمتع بخصائص الموسيقى العربية من حيث المقامات والأنغام والأجناس والسلالم والإيقاعات والأهم من كل ذلك الروح النغمية والجوهر، وما لم يتوفر هذين العنصرين فلا يمكن ان نطلق تسمية سيمفونية عربية، والشيء نفسه ينطبق على الكونشيرتو وغيره من القوالب.
وعلى وفق هذا التعريف فأن "السيمفونية القطرية" هى بحق أول سيمفونية عربية، وهذه احدى نقاط اهميتها التاريخية والثقافية وعليه هى واحدة من أهم الأحداث الثقافية فى التاريخ العربي الحديث وستتبلور وستترسخ أهميتها يوم بعد يوم بعد أن يتعرف عليها الجمهور ويتذوقها وهذه شهادتي للتاريخ. حسناً، لكن ماذا عن التجارب العربية السابقة في هذا المجال منذر جميل حافظ ووليد غلمية...؟

= كما وسبق أن بينت أن اي عمل سيمفوني عربي يجب ان يحمل صفتين: أولا ً التطابق أو التناسق مع القالب الذي يكتب عليه وثانيا ً التعبير الواضح عن الهوية التي يمثلها، ومع كل تقديري وإحترامي لكل تجارب الكتابة للأوركسترا السيمفوني السابقة إلا إنها جميعا ً لم تستطع تلبية الشرطين السابقين تلبية تامة كما حدث مع "السيمفونية القطرية" ويرجع ذلك لأسباب منها عدم الدراسة العميقة لخصائص الموسيقى العربية وأجناسها وسلالمها ومقاماتها وإيقاعاتها والأهم جوهرها النغمي، بالإضافة إلى إختلاف التمكن والتعاطي مع الأوركسترا السيمفوني ككيان موسيقي بنائي تنفيذي لأن كل معاهد الموسيقى العربية لاتدرّس مادة التأليف الموسيقي (composition) الأوربي بالإضافة إلى العلوم الأخرى المرتبطه به كالهارموني والكونتربوينت.
وبالمناسبة فإن الإستاذ منذر جميل حافظ "وهو احد أساتذتي الذين أعتز بهم وأحبهم وأقدرهم جداً وسبق لي وأن قدمت له كونشيرتو العود والأوركسترا الوتري في مقام ري الكبير وهو كونشيرتو للعود والأوركسترا قدمناه مع الفرقة السيمفونية العراقية عام 1978 في بغداد وكذلك قدمت له أيضا ً ثلاثي العود والكمان والجلو في بغداد 1980" لم يكتب أي سيمفونية بل أن مؤلفاته كانت ضمن قوالب أخرى.

أنت عراقي والسيمفونية قطريه

- ماذا عن الارث في التأليف الابداعي، أنت عراقي والسيمفونية قطريه، كيف لنا ان نفسر ذلك وفقا للحس بالمكان والتاريخ والمعايشة..؟

= الموسيقى لغة عالمية لا تحدها حدود وعلى هذا الأساس استطاع رمسكي كورساكوف الروسي ان يعبر عن الأجواء العباسيه وبغداد وألف ليله وليله في المتتالية الاوركسترالية شهرزاد أكثر من أي عربي أو عراقي، أخر على الرغم من انه لم يز أو ير بغداد أو العراق... وتشياكوفيسكي الروسي أيضا كتب الكابريس الإيطالية، وجورج بيزيه الفرنسي عبر عن الأجواء الأسبانيه فى أوبرا كارمن أكثر بكثير من العديد من المؤلفين الأسبان، ومندلسون الألماني كتب السيمفونية الأسكتلندية والسيمفونية الإيطالية. وهنالك طبعا نماذج أخرى، وعليه أقول اننى ومنذ أن أتخذت من الموسيقى وسيلة للتعبير والتعريف والتعارف بين الشعوب والأمم كرسالة إنسانية أصبحت لغتي عالمية بمعنى يفهمها ويتذوقها كل العالم مع الحفاظ على الخصائص المحلية والأصالة، وفى رأيي إن أي عمل لكي ينجح "فنياً على الأقل" يجب أن يكون صادقاً ومبني بحرفيه عالية وتَمكـُـن. وهذا هو المهم بغض النظر عن القومية أو الأمور الأخرى، وفى "السيمفونية القطرية" أردتُ أن أصف كفاح الإنسان وهو واحد من حيث كونه إنسان فى كل العالم يبدأ ويحلم ويتحدى وينجز ومن ثَم ينطلق إلى الأمام والمستقبل وهى المعادلة العالمية وراء كل نجاح، وهذه التسميات هي عنوان الحركات الأربعة "للسيمفونية القطرية".
- لكن كيف تسنى لك ان تستوحي الاجواء القطرية والتاريخ القطري خلال فترة زمنية قصرية، انك لم تعش في قطر ولم تمتزج كثيرا في تكوينها الاجتماعي والثقافي؟

= إستيحاء الأجواء والتفاعل اللازم لأجل البناء الفكري والتكويني للسيمفونية ليس عملية وقت فقط بل عملية تفاعل وبحث ونظام تفكير وتنفيذ وعمل... ولقد قمت بكل ذلك حيث وضعت خطة دقيقة لآليات البحث والتقصي وجمع المواد الأساسية وأجريت العديد من اللقاءات، ولاتنسى أنني أقيم في منطقة الخليج منذ إثني عشر عاما ً وأنا على تماس مع مجريات الحياة والتاريخ في هذه المنطقة وكذلك لاتنسى كوني من العراق، فأن الكثير من الملامح والإسس المقامية والإيقاعية الخليجية متأثرة بشكل أو بآخر بالفلكلور والتراث العراقي العريق بالإضافة إلى أن إسلوب عملي يعتمد كثيرا ً على التنسيق والتبويب والخبرة والتكنولوجيا مما يوفر لي الكثير من الوقت والجهد بالإضافة إلى إستعدادي الشخصي وخبرتي وتمكني من أدوات عملي.

- هل وثقت أو "اعترفت" المعاهد الموسيقية العربية بهذه السيمفونية وهل تحتاج الى ذلك أصلا؟

= بالطبع لاتحتاج السيمفونية إلى توثيق او "إعتراف" من قبل معاهد الموسيقى العربية لعدة أسباب لا أود الخوض فيها حالياً ولكن "السيمفونية القطرية" نالت من التقدير والإعجاب من قبل كل من إستمع إليها وهم بالآلاف من قطر إلى تركيا إلى إسبانيا إلى ألمانيا إلى بريطانيا وغيرها. وقد كتب عنها وأثارت من الإعجاب والتحية والتقدير والقبول والتصفيق الكثير الكثير إلى الحد الذي قوبلت فيه كل حركة من حركاتها الأربعة بالتصفيق المدوي على خلاف العادة حيث لايتم التصفيق إلا في نهاية تقديم الأعمال السيمفونية كما جرت العادة ولكن سحر "السيمفونية القطرية" وقوتها وجمالها كانت تدفع الجمهور إلى التفاعل مع كل حركة من حركاتها.

- هل ثمة مخاض اشبه بالشعري مثلا في جُهد التأليف السيمفونى ؟

= إن التأليف السيمفوني يشتمل على مفهومين أو موضوعين أولهما التأليف وهو يستند على الموهبة أولا ومن ثم الدراسة والعلم والبحث والتقصي والمثابرة، وثانياً السيمفوني ويشتمل على الأوركسترا المسماة السيمفونية وهى الشكل البنائي الذى استقرت أُسسه وملامحه منذ القرن الثامن عشر، والتأليف السيمفوني يعتبر أعلى مراحل التأليف التى وضعها الفكر البشري مثلما يعتبر الأوركسترا السيمفوني أعلى مراحل الوسائل التنفيذية الموسيقية التى وصل إليها الفكر الإنساني عبر قرون من التجريب والإضافة و التطوير والتحديث.

الحنين الموسيقي - هل يمكن أن تتخلص من حنين حضارتك الشخصية في راغبة خاتون أو أجواء بغداد فى التأليف السيمفوني؟
=لا يوجد هناك أى تناقض بين حضارتي الشخصية وبين التأليف السيمفوني لأن الأنسان فى داخلي نما ونضج وتطور وتعرف على العالم بمعطياتة الفكرية والأدائية، ولقد بذلت جهودا ً كبيرة فى سبيل تثقيف نفسي وتطوير ما تسميه أنت "الحضارة الشخصية" وحيث أن التأليف السيمفوني يعتمد على عدة أشياء منها الفكر والتجربة والخبرة والدراية والمعرفة وهى نفس المقومات والأسس التى بنيت ُ "حضارتي الشخصية" عليها ولذا فكلاهما منسجم ومتوازن ومتناغم.

- دعنا نعود الى أغنية "جي مالى والي" كيف وضعتها فى عمل سيمفوني؟

= "جي مالي والي" هى العلامة الفارقة والمميزة والمعبرة عن العراق فى كل تاريخه، وأنا أردت بهذا العمل الذي كتبته للعود والأوركسترا وسجلته أيضا وقدمته أمام الجمهور مع أوركسترا سيمفوني ضخمة أن احكي قصتي وقصة بلدي من خلال صياغة وضعتها وأستخدمت فيها هذا اللحن البسيط والمعروف لأغنية "جي مالي والي" وهذا العمل يعبر عن أسلوبي فى الكتابة الفكرية، ولا تنسى أن تخصصي الأول هو الرياضيات التى تعتمد على المنطق وعلى الفكر، و هذه الاغنية العراقية الفلكلورية "جي مالي والي" كعمل موسيقي هي رسالة مني إليّ أنا وإلى أهلي وإلى وطني وإلى العالم كله، وهى صرخة أو نداء أو حكاية سمها ما شئت، وهى نموذج كبير لما يمكن للموسيقى الحقة أن تعبر عنه أو تقوله، كما أنها نموذج لما أستطيع أنا كمؤلف موسيقي ومؤدي على العود أن ابتكره وأكتبه وأُؤديه.

المأساة العراقية والاغريقية - حسنا الا تشكل المأساة العراقية اليومية وهي تتجاوز المأساة الاغريقية حافزا لك لعمل سيمفوني، ماذا تنتظر؟

= تأليف عمل سمفوني حقيقي وفاعل بالمطلق هو واحد من أصعب الأعمال الفكرية والتنفيذية وهو ليس شيئاً مزاجياً أو لحضوياً بحيث أحمل آلتي وأدواتي وأنفذه بشكل عشوائي أو مزاجي أو آني، وإنما هو عمل يحتاج إلى جهود عظيمة من التخطيط والتهيئة والمتابعة والإنجاز والتنفيذ بالإضافة إلى الامكانات المادية للبحث والتهيئة والتأليف والتسجيل والنشر والتقديم... ومن ناحية الإستعداد العاطفي والحسي والموسيقي أنا جاهز ولكن ينبغي توفير الأمور الأخرى قبل البدء، وكوني مؤلف موسيقي عراقي فأنا مؤمن أشد الإيمان أن الموسيقى تستطيع أن تعبر أفضل من أية لغة أخرى على ما مر أو يمر به العراق بلداً وشعباً وحضارة، وأتمنى بل وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني لكتابة عمل انا جازم ومـتأكد من أنه سيكون واحداً من الأعمال السيمفونية العظيمة على مر التاريخ وكتابة هذا العمل وتنفيذه هي واحدة من أعز الأمنيات على قلبي ومشاعري ووجداني كما إنها مسؤولية إنسانية وأخلاقية وحضارية وموسيقية بالنسبة لي.

- كيف لنا أن نُرسخ العمل السيمفوني بمواصفاته العربية ؟ = بأن نهتم كثيرأ بإتاحة المجال أمام الأعمال السيمفونية من خلال الدعم الحقيقي للفرق السيمفونية وتشجيع التأليف السيمفوني الحقيقى وليس "الإعلامي" وللمؤلفين الموسيقيين السمفونيين الحقيقيين وليس "الإعلاميين" وهنا أضع خطا َ كبيراً أحمراً تحت "الإعلامي" ومن خلال تشجيع ودعوة وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية وحثها على التعاطي مع الأعمال السيمفونية العربية وتشجيع إقامة الورش والندوات والمقابلات والمحاضرات والكونسيرتات واستثمار الصفحات الثقافية والبرامج لتسليط الضوء والمتابعة فى كل المراحل بدأ من رياض الأطفال وإلى الجامعات.
لو شجع العمل السيمفوني العربي ودُعم لساهم فى أن يكون للعرب صناعة وزراعة وبناء فكري حقيقي ولكان لهم أثراً ملموساً ومحسوساً ولجعل لهم دوراً كبيراً على خارطة العالم الإنسانية والثقافية و الحضارية.