البطيخة الثملة

قصة: حسن آل حمادة
هل سمع أحدكم عن بطيخة كهذه؟

اكتملت سطور قصتي الجديدة، وتراءت لي الكثير من العناوين حولها، غير أني لم أدرِ أيًّا منها الأفضل؛ ليُفصح عن محتواها. فهي كما يرى بعض النُقّاد متميزة عن سابقاتها: صياغة وأسلوبًا، فضلاً عن احتوائها للكثير من الدلالات والإيحاءات الرمزية، ولعلّ القارئ سيعيش الحيرة وهو يلتقط روحها الحقيقية؛ فالقارئ المبتدئ قد يشعر أنها تحكي اللهاث وراء المادة، والقارئ المتوسط سيقفز لمُخيّلته أنها تشجب الحالة الترفية عند الإنسان، ومن يحسب نفسه قارئًا نخبويًّا سينظر لها؛ كقصة تدعو للوقوف بوجه الحاكم المستبد ومؤسساته القمعية. وقد لا يعلم القارئ النخبوي هذا؛ أنني أُصفِّقُ فرحًا للتفسير الأول، ولا أتردد أبدًا في قبول الثاني، بينما يستحيل أن يخطر في بالي ما ذهب إليه؛ فمالي وللحاكم.. أوليس "الوقوف على التل أسلم"؟ يكفي أنني عندما أرى في المنام، حاكمًا يحكم ولو بلدة صغيرة في أقاصي الدنيا، فأنا لا أذهب صباح ذلك اليوم لعملي، حتى لو حلمت به وهو يبتسم فرحًا مسرورًا، فرؤيتي لأسنانه، تدخل في روعي أنه سيُقطِّعني بها لمجرد التسلية!
فأنا وبكل أريحيةٍ رضعت الخوف من السُلُطَات، حتى آخر قطرة؛ إذ تربيت على أن السُّلْطة جبل، ومن يصارعها خبل!
قال لي معلمي ذات صباح: هل يمكن لفيل أن يزحزح الجبل عن مكانه؟ وعندما أومأتُ له بالسلب، قال لي: إذًا، لا حاجة لأن أسألك عن الإنسان، فأنت ذكي ولست بحاجة لمزيد من الشرح والبيان.
لا أُخفيكم أنني، من شدة خوفي وهلعي من السين في السُّلْطة، لم أعُد أرغب في أكل السَلَطة؛ لأنها تذكرني بالسُّلْطة، وبسوط الجلاد في آن!
أوه.. ماذا جرى لي؟ فحديثي عن السُّلْطة أنساني قصة البطيخة الثملة. وهل سمع أحدكم عن بطيخة كهذه، قبل هذا اليوم؟
أنا مثلكم، لم أسمع أنَّ بطيخة تثمل! ولكن، عندما ترددت في وضع العنوان المناسب لقصتي قال لي صديقي القاص، ضع لها عنوان "البطيخة الثملة"، فأخبرته أنني لم أذكر مفردة البطيخة في القصة، كما أنني لم أستوعب كيف تثمل البطيخة، وهو مع ذلك مُصِّرٌ على عنوانه المُثير، البعيد عن الرتابة كما يقول.
ولكي لا أعيش الحيرة مع نفسي، والخديعة مع القارئ؛ اضطررت لحقن البطيخة بمادة مُخدِّرة، لأجعلها بصدق: البطيخة الثملة. حسن آل حمادة hahqa@yahoo.com