حكومات مرعوبة.. ووكالات تصنيف معطوبة!

بقلم: محمد كركوتي

"يستحيل نفي الخوف. لكن يمكن تهدئته من دون ذعر، ويمكن تخفيفه بالأسباب والتقييم"
العالِم الأميركي فانيفار بوش

تستطيع الدول الخاضعة لتصنيفات متدنية والمذعورة من وكالات التصنيف، ، أن تلجأ إلى التاريخ السيئ والسمعة الأسوأ، للغالبية العظمى من هذه الوكالات، التي ساهمت بصورة مباشرة في ارتكاب الأزمة الاقتصادية العالمية، عندما طبقت المثل المصري الشهير "عملوا البحر طحينة" بحذافيره!. فقد صنفت مؤسسات وشركات (لاسيما المالية منها)، كان حراكها أدنى من أن يُصنف أصلاً، وكانت وسط أمواج هائلة متلاطمة، تركها القائمون عليها لمصيرها!. وتستطيع الدول نفسها، أن تقول: "مهلاً.. أليست هذه الوكالات هي من رفع– على سبيل المثال - مصرف ليمان برازرز الأميركي إلى أعلى قمة، بينما كان في الواقع يقبع في أبعد نقطة من القاع المالي؟!". ويمكنها أن تقول أيضاً: "أليست هذه الوكالات هي نفسها، التي لم تضع إشارة سلبية واحدة، على الأعمال الاحتيالية التاريخية للمحتال العالمي برنارد مادوف، الذي سرق 65 مليار دولار أميركي، وأوقع ضحايا مالية يُعَدون بعشرات الآلاف من البشر؟!". وأيضاً أليست هي من صنف مصرف جولدمان ساكس، على أنه المؤسسة المالية التي لا يرقى إليها الشكوك، بينما يستحق هذا المصرف كل الشكوك؟!. أليست هي من قيَم مصارف انهارت بعد قليل من حصولها على تصنيف جيد؟! أليست هي من منح مؤسسات أصدرت سندات عالية المخاطر مطروحة في سوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة، أفضل درجات التقييم "إي إي إي"، مما جعل المستثمرين يتسارعون للحصول على هذه السندات، لتتبخر بعد ذلك عشرات المليارات من الدولارات الأميركية، لا الزيمبابوية؟!.
تستطيع الدول المرعوبة من التصنيف، أن تعرض عشرات (بل مئات) البراهين، على أن وكالات التصنيف هذه، كانت ( ولا تزال) بحاجة إلى من يُصنفها، ويُخرج السيئ منها من السوق، لإبعاده عن اللعب بسمعة المؤسسات أو الجهات الخاضعة للتصنيف. لقد كانت وكالات تنفع لكل شيء، إلا التصنيف والتقييم!.
يقول الأديب الأميركي – البريطاني ريموند تشاندلير: "إن النقد (أو التصنيف) السليم يستند إلى مقاييس التوقع والتقييم للموضوع. والنقد المريض يُبقي المحترف خارج نطاق النقد". وينطبق هذا بصورة كبيرة على الوكالات المذكورة، التي رفعت من تريد، لأنها تريد، لا لأن "المرفوع" يستحق هذه الرفعة، بل لأن مصالحها الخاصة، كانت تستوجب ذلك. ولم تتذكر (وربما لم تسمع) ما قاله الأديب الأميركي الشهير مارك توين: "أن تستحق التقدير ولا تحصل عليه، خير من أن تحصل عليه دون استحقاق". وقد حصلت مؤسسات على تقديرات لا تستحق حتى على واحد في المائة منها، وصنعت أزمة (كارثة) تستحق أن تخضع للمحاكمة التاريخية عليها!
على الرغم من أن التاريخ المشين لوكالات التصنيف، يوفر مساحة للتشكيك بها وبسمعتها وسلوكياتها وعملياتها الاحتيالية، إلا أنه لا يعفي الدول من حقيقة أوضاعها الاقتصادية المريعة، ولا يمنح هذه الدول مساحة للالتفاف حول هذه الحقيقة. والواقع أن الأوضاع الاقتصادية لدول كانت تتبختر بأنها لا تقهر، ودول تُقهر سواء تبخترت أم لا، لا تحتاج إلى وكالات تصنيف أو تقييم، لكي تستعرض الحقائق، بل والمصائب. فالفرد الأكثر بساطة في هذه الدول، يستطيع أن يعي ويحدد مسار اقتصاد بلاده، ليس من خلال تحليلات (أو فذلكات) اقتصادية معقدة، بل عن طريق إلقاء نظرة واحدة فقط على حقيقة معيشته اليومية. و"غول" التصنيف الائتماني، سواء أتى من وكالة تصنيف، أو من فرد بسيط، ينشر الرعب في أوساط الحكومات، التي تعيش في خوف مستمر، ليس فقط على اقتصاداتها المتداعية أو المتعثرة أو الهشة، بل على وجودها في الحكم. ففي أوروبا، تعيش اليونان اليوم، ذعراً تاريخياً بمستوى عِتق عمرها. وتعيش البرتغال وأسبانيا، ذعراً أقل وطأة، لكنه متسارع الحركة نحو الأعلى. والمصيبة أن غول وكالات التصنيف، بات يستحوذ على الحكومات، أكثر مما يستحوذ عليها، هَم الفرد العادي في بلدانها!.
ولأن الوضع هكذا، أصبحت الوكالات الائتمانية العالمية تُحدث صدمة تلو الأخرى في أسواق المال، وقد أدى تقييم الوكالات الائتماني السلبي للدول الغارقة في بحار من الديون، في إثارة المزيد من الذعر في أسواق المال المتوترة أصلاً، من فرط سيطرة فكي الأزمة الاقتصادية العالمية على الحالة العامة. الأوضاع الاقتصادية المتردية، التي تعتمرها الديون، أعادت وكالات التصنيف إلى الساحة، لتستعرض عضلاتها مرة أخرى، وذلك من خلال موجات الذعر التي تدفع بها في جميع أنحاء العالم. المنتقدون يوجهون اللوم، وأحياناً يقومون بالهجوم ضد هذه الوكالات، لأن تقييمها السلبي لدول بعينها، جاء في توقيت سيء. فتقييمها لليونان – مثلاً- أتى وسط سباق مع الزمن من أجل توفير مساعدات بالمليارات من اليورو لهذا البلد، الأمر الذين يعتبره المنتقدون بمثابة صب الزيت في النار. بماذا ترد الوكالات المعنية؟ تقول: "إنه لا يجوز حجب الأخبار السيئة لاعتبارات سياسية". وعلى الفور يطالب المنتقدون بضرورة "كسر نفوذ الجهات المصنِفة لقدرة الدول المَدينة على الوفاء بالتزاماتها المالية".
والحقيقة أن الشيء الوحيد الذي يُحسب لوكالات التصنيف، أنها أعلنت – ربما للمرة الأولى – بعدم جواز حجب المعلومات التي تحمل "أخباراً سيئة"، لأسباب سياسية. والشيء الطبيعي الذي تعودنا عليه، أن تنفي الحكومات (بل وتسعى) المعلومات التي لا تخدم مصالحها السياسية، أو تقلل من زخم الفواجع التي تتضمنها هذه المعلومات. ويكفي التذكير هنا، بأن صندوق النقد الدولي، أعلن مطلع العام الجاري صراحة، أن موظفيه تعرضوا مع الأزمة الاقتصادية، إلى مزيد من الضغوط من قبل الدول الأعضاء (يبلغ عدد أعضاء الصندوق 186 دولة)، لتصحيح أو شطب فقرات من تقاريره حول اقتصادات هذه البلدان. ومضى الصندوق أبعد من ذلك حين أعلن أيضاً "أن الأزمة سببت مؤخراً صعوبات إضافية في تطبيق سياسة الشفافية"!. وهذا يعني ببساطة، أن السياسيين لا يردون سماع الحقائق. لكن المشكلة التي تواجههم، هي أن الحقائق واضحة المعالم، ومعروضة للعيان، سواء حاولوا حجبها أو التقليل من آثارها السلبية الخطيرة، حتى في ظل الاتهامات الموجهة لوكالات التصنيف، بأنها لا تفرق كثيراً بين ما تراه رأياً وما تسوقه على أنه تقديرات حسابية لا تحتمل الخطأ.
من الواضح أن دور هذه الوكالات، لم يعد يمثل أساساً لتحرك المؤسسات الدولية، أو بعض الدول، لإنقاذ اقتصادات دول أخرى. وقد تجلى ذلك في كلام المدير العام لصندوق النقد الدولي دومنيك ستراوس. فهو يرى في مفاوضاته مع المسؤولين اليونانيين، من أجل قيام صندوقه تقديم حزمة من مساعدات مالية لليونان، ضرورة ألا تؤخذ آراء وتصنيفات الوكالات على محمل الجد. الأمر الذي يُحمِل المسؤولين في اليونان اليوم، وفي دول أخرى قد تواجه نفس المصير غداً، مسؤولية عمليات التمويه التي قد يقومون بها، حفاظاً على ما تبقى من استقرارهم السياسي. فلا يمكن أن تُحل أزمة ديون الدول بالنفي أو بتكذيب من يقول الحقيقة، حتى لو كانت وكالات التصنيف نفسها.
إن الصدق هو أساس الحلول، بصرف النظر عن مستقبل الحكومات.
(نشر في جريدة " الاقتصادية") محمد كركوتي m@karkouti.net