بيريه الحكيم يتحدث

كتب ـ أحمد فضل شبلول
الحياة هي الحركة

عندما يكون البرد شديدًا، وبخاصة أثناء الليل، أذهب إلى سريري في ساعة مبكرة، وفي يدي أحد الكتب، لأستمتع بالدفء في السرير، وأيضا بالدفء بين صفحات الكتب التي يسبح فيها عقلي وخيالي، فأنسى أحيانا أن هناك بردا وزمهريرا في خارج المنزل.
وذات ليلة كان البرد شديد القسوة، لم تفلح معه أغطية السرير من اللحاف والبطاطين، فطرحت الكتاب الذي كنت أقرأه جانبا، وذهبت إلى خزانة الملابس، لأستخرج المزيد من الملابس الشتوية، فلمحت على أحد الرفوف بيريهًا أزرقَ مصنوعًا من الصوف، كان أحد القراء أهداني إياه إعجابا بمقالاتي ومسرحياتي وكتبي، فمددتُ للبيريه يدي، ونفضتُه من تراب ربما يكون عالقًا به، ووضعته على رأسي، فسرى دفء لذيذ في ذلك الرأس الذي كان يشكو من البرد القارس، وليلتها استطعت أن أنعم بقراءة جميلة، ونوم دافئ لذيذ. وأخذت أفكر عن معنى اسم "بيريه" فتذكرت أن هناك مدينة يونانية اسمها بيريه بُنيت عام 450 قبل الميلاد، وربما كانت هذه المدينة تُشتهر بصناعة أغطية الرأس التي سُميت باسمها، وانتشرت هذه الأغطية في مصر عندما دخلها اليونانيون، واستقروا فيها بعض الوقت.
***
منذ ذلك الوقت وأنا لم أستطع الاستغناء عن ذلك البيريه الأزرق، حتى في فصل الصيف، وكما أصبحت العصا ابنةً من الخشب بالنسبة لي، فهي تلازمني كأنها جزء من ذراعي، تنتقل معي، وتسير معي، ولا تغضب مني، ولا تملُّ من صحبتي، أصبح البيريه كذلك صديقا لي، لا يفارقني شتاءً وصيفا، فهو يلازمني كأنه أصبح جزءًا من رأسي، بل جزءًا من تفكيري، وهو كثيرا ما كان يناقشني في أفكاري وكتاباتي ومقالاتي ومسرحياتي، وكثيرا ما كان يعرض عليَّ أفكاره هو لأناقشها وأدوِّنها.
***
لقد أحب البيريه أعمالي القريبة إلى الشعر، وكثيرا ما كان يردد في وقت خلوتي هذه الكلمات التي كتبتها في مقدمة مسرحية "يا طالع الشجرة" التي أقول فيها:
يا طالع الشجرة
هات لي معاك بقرة
تحلب وتسقيني
بالمعلقة الصيني .."
والشيء الذي أدهشني أن كثيرا من الأطفال والصبية قد رددوا هذا الكلام وما زالوا يرددونه في بلادنا إلى هذا الوقت.
وذات صباح سمعته ينشد كلمات يقول فيها:
عروق ذهب في جبل
جبل يسير على قدم
فدونت هذه الكلمات، لأستكملها فيما بعد.
***
وذات مرة شاهد البيريه في أحد محلات لعب الأطفال دمية مصنوعة من الخشب، أعجب بها، وبالملابس التي ترتديها تلك الدمية، وتوقف كثيرا عندها، ثم أخذ يدق على رأسي لأكتب له تلك الكلمات التي أملاها عليَّ:
دمية من خشب
ثيابها دمقس
ضفائرها أشعة شمس
أهدابها مطر
تغمض وتفتح
فتغضب الشمس وتفرح
دمية خشبية
حياتها أبدية
لأن ما تصنع
أن تغمض وتفتح
***
غير أن البيريه كان يناقشني في مسرحياتي التي أكتبها، كأنه ناقد مسرحي ذكي، درس تاريخ المسرح العالمي منذ كتَّاب المسرح القدماء ببلاد اليونان، وحتى أصدقائي الذين يكتبون الآن للمسرح، وقد كان البيريه كثير الإعجاب بمسرحية عنوانها "رحلة قطار" وهي مسرحية تدور معظم أحداثها في أحد القطارات، فقد اختلف سائق القطار ومساعده، على لون إشارة المرور، هل هي خضراء فتكون السكة مفتوحة أمام القطار فيعبر الطريق، أم أنها حمراء فيقف القطار ولا يعبر الطريق، حتى لا يقع تصادم أو ترتكب حوادث.
قال مساعد السائق: الإشارة حمراء ..
قال السائق: الإشارة خضراء ..
المساعد: حمراء .. ؟!
السائق: مثل البرسيم الأخضر .. والسكة مفتوحة على ما يرام ..
المساعد (يعيد النظر): شيء عجيب .. ولكنها أمامي حمراء .. حمراء مثل شعلة النار ..
السائق: الإشارة خضراء .. افتح عينك جيدا وانظر ..
المساعد (ينظر مدققا): سبحان الله ! نظري سليم .. ستة على ستة .. حمراء .. والله العظيم حمراء ..
السائق (يعيد النظر): ها هي أمامي .. خضراء ..
المساعد (يدقق النظر): وها هي أمامي .. حمراء ..
السائق: أتريد مني أن أعتمد على نظرك أنتَ ..!
المساعد: لا طبعا .. أنت السائق المسئول .. لكن إذا اتضح أنها حمراء فعلا .. وأن السكة مقفولة فعلا .. وسرت أنت في الطريق لأصبحنا في خطر حقيقي .. فأنت مسئول عن أرواح خمسمائة راكب موجودين في عربات القطار. لذا أرى أن توقف القطار في الحال ..
السائق: أوقف القطار ..؟!
المساعد: نعم .. أوقفه دقيقة واحدة .. لنتأكد من لون الإشارة ..
السائق: لا مانع ..
(يقوم السائق بوقف القطار .. ثم ينزل مع مساعده من القاطرة .. وينظران إلى الإشارة بإمعان).
المساعد: مرة أخرى أراها حمراء ..
السائق: يا أخي النور الأخضر في أعلى السيمافور يتألق بشدة ..
المساعد: بل هو الأحمر .. والله ..
السائق: يا ناس ! .. أهذا أحمر ؟ إني لم أفقد بصري .. هذا أخضر .. هذا لون أخضر ..
(وهنا يبدأ بعض الركاب في النزول من القطار ليعرفوا لماذا توقف بهم السائق في هذا المكان. ومن بين الركاب كان هناك موسيقي شاب، ورجل أعمال، وبعض الآنسات والسيدات).
الموسيقي: لماذا توقف القطار ؟
مساعد السائق: السكة مقفولة ..
الموسيقي: يا للعطلة ! .. أسنقف هنا طويلا ؟! ..
المساعد: علمي علمك ..
السائق: اسمع يا أخي سؤال بسيط من فضلك .. هل تستطيع أن ترى سيمافور الإشارات .. هناك ..
الموسيقي: هناك . ؟
السائق (يشير له): نعم هناك .. أمامك .. في أعلاه نور ..
الموسيقي (ناظرا إلى مكان الإشارة): نعم .. نعم .. هذا نور حقا .. يضيء هناك ..
السائق: ما هو لون هذا النور ..؟
الموسيقي: لونه .. أخضر ..
السائق (في فرحة): أخضر .. لونه أخضر .. قل لهذا الرجل (مشيرا لمساعده).
المساعد (للموسيقي): أهو أخضر أم أحمر ..؟!
السائق: سبق أن قال يا أخي .. ألم تسمع ..؟
المساعد: لم أسمع جيدا.
الموسيقي: أخضر.
السائق: أسمعت ؟
المساعد (للموسيقي): أأنت تراه بعينك أخضر .؟
السائق: طبعا رآه بعينه .. بماذا تريد أن يراه إذن .؟
المساعد: هل أنت متأكد ؟
الموسيقي: بالطبع متأكد ..
السائق: بالطبع هو متأكد .. لأنه رجل مبصر ..
(وهنا يجيء رجل المال والأعمال إليهم ويسأل ..)
رجل المال والأعمال: لماذا وقف القطار ؟
الموسيقي: جئت منذ دقائق لأسأل نفس السؤال ..
الرجل المالي: حقا .. أنا لاحظت اختفاءك من المقعد أمامي .. إذن قل لي: لماذا وقف القطار هنا ..
الموسيقي: لأن ..
السائق: لأني أنا الغلطان .. سنسير حالا .. هيا إلى مقاعدكم. (ولمساعده): وأنت هيا بنا .. أنا غلطان أني استمعت إلى كلامك .. وأوقفت القطار دقائق لنتأكد مما أنا متأكد منه .. تفضل أمامي .. هيا ..
المساعد: لحظة واحدة .. نسأل هذا السيد .. بالمرة ..
السائق: نسأله في ماذا ..؟
المساعد: في مسألة النور ..
السائق: هذه المسألة انتهينا منها .. هيا بنا ..!
المساعد: زيادة الخير .. نسأله لأكون مطمئنا ..
السائق: فليكن .. (للرجل المالي): تسمح يا أستاذ ..
الرجل المالي: أفندم ..
السائق: النور في سيمافور الإشارات هناك .. هل حضرتك تراه ..؟
الرجل (مشيرا بإصبعه): هناك ..
السائق: بالضبط .. هناك يوجد نور في أعلاه ..
الرجل: حقا .. يوجد نور ..
السائق: حسنا .. ما لون هذا النور ..؟
الرجل: لونه .. أحمر ..
المساعد: أحمر .. ؟! أحمر .. أحمر .. يحيا العدل ..!
السائق (باستغراب): أحمر ؟!
الموسيقي (للرجل): تقول أحمر ؟!
الرجل: بالطبع أحمر .. هذا واضح مثل الشمس ..!
السائق: انظر جيدا يا حضرة المحترم .. يوجد هناك لون أخضر .. ولون أحمر .. ألا تراه أخضر ..؟!
الرجل: لا .. أبدا إنه أحمر ..
السائق: هل أنت متأكد أنه اللون الأحمر ..؟
الرجل: متأكد جدا ..
المساعد: سيادته يؤكد أن اللون أحمر .. وهو بالفعل أحمر ..
السائق: في نظرك ..
المساعد: ونظر سيادته ..
السائق: مع الأسف، ولكني أؤكد أنه أخضر .. وحضرة الموسيقي يؤكد معي أنه أخضر ..
الموسيقي: حقا .. إنه أخضر ..
الرجل (للموسيقي): كيف تقول ذلك . إنه أمامك أحمر .. أحمر ..!
الموسيقي: أكذب على نفسي.. إنه أخضر .. أخضر ..
السائق: المسألة الآن تعقدت ..
المساعد: الحمد لله أني لم أصبح وحدي في رأيي ..
السائق: اسكت .. سد فمك ..
الرجل: والحل الآن ..؟
الموسيقي: حقا .. لا يجوز وقوف القطار هكذا طويلا ..
الرجل: مصالحي ستتعطل ..
الموسيقي: وأنا .. خطيبتي في انتظاري .. إننا سنعقد زواجنا غدا إن شاء الله .. (للسائق): يا حضرة السائق .. إلى متى هذا الوقوف لا بد من السير ..
السائق: حقا .. لا بد من اتخاذ قرار ..
الموسيقي: وبسرعة ..
المساعد: ليس هذا الأمر سهلا .. مادام النور أحمر .. فمعنى هذا أن السكة مقفولة .. يعني أن الطريق أمامنا خطر ..
السائق: هذا إذا كان النور أحمر حقيقة .. أما إذا كان أخضر .. فوقوفنا هنا هو الخطر .. لأن قطار الإكسبريس التالي سيلحق بنا بعد قليل .. وسيصدمنا من خلفنا .. ويجرفنا جرفًا ..
الموسيقي: يا للكارثة ..!
الرجل: حقا .. ؟
المساعد: والكارثة أيضا إذا سرنا والسكة مقفولة .. الخطر أمامنا طبعا .. لكن هل السكة مفتوحة أم مقفولة ؟! هنا المسألة ..
(هنا تظهر سيدة وفتاة من ركاب القطار)
السيدة: لماذا توقف القطار ؟
الرجل: هذا هو موضوع بحثنا هذا .. لماذا توقف القطار ..؟
الآنسة: هل القطار سيسير قريبا ..؟
الموسيقي: السائق هو الذي يدري .. يظهر أن في الأمر مشكلة ..!
السائق (صائحا): لابد من اتخاذ قرار .. حالا ..
المساعد: فلنسأل السيدتين أيضا ..
السائق: ضروري .. وسنأخذ بأغلبية الأصوات.
المساعد: لك ذلك ..
السائق (للسيدة): من فضلك .. انظري هناك .. في هذا الاتجاه .. يوجد نور فوق السيمافور ..
السيدة (تنظر): نعم .. حقا ..
السائق: ترين هذا النور ..؟
السيدة: طبعا .. أراه جيدا ..
السائق: ما هو لونه ..؟
السيدة: لونه أحمر ..
المساعد: الحمد لله ..
السائق: اسكت أنتَ .. أحمر ..؟ أنتِ متأكدة ..؟
السيدة (وهي تنظر): متأكدة جدا.
السائق: عجيبة ..!
المساعد: ما رأيك الآن ..؟
السائق: نسأل الآنسة أيضا ..
المساعد: تفضل ..
السائق: اسمحي لنا يا آنسة .. النور العالي هناك .. ما لونه .. ؟
الآنسة (تنظر للنور): لونه أخضر ..
المساعد: متأكدة ..؟
الآنسة: كل التأكد .. أخضر .. أخضر ..
السائق: لم نتقدم خطوة واحدة ..
الموسيقي: والنتيجة ..؟
الرجل: هل القطار سيبيت هنا ..؟
السائق: مستحيل .. خطر الوقوف أشد من خطر السير ..
المساعد: وخطر السير أشد من خطر الوقوف ..
الآنسة: اسألوا أيضا غيرنا عن لون النور ..
الموسيقي: فعلا .. لابد أن تسألوا ركاب القطار الآخرين ..
السيدة: اسألوا القطار كله وخلصونا ..
السائق: ولم لا ..
الرجل: أسرع إذن .. أرجوك ..
السائق: فكرة طيبة .. نسأل جميع الركاب ..
المساعد: أذهب أنا وأجمع لك الآراء ..
السائق: لا يا سيدي .. لن تذهب وحدك .. أنا معك .. تعالَ معي .. وإياك والتعليق بحرف واحد على الإجابات ..
المساعد: لا منِّي .. ولا منك ..
السائق: هيا بنا نمر على كل العربات ونسأل .. (للواقفين): وابقوا هنا أنتم إذا شئتم .. لحراسة القطار ..
السائق (من الخارج): يا حضرات الركاب ؟ من فضلكم .. لحظة واحدة .. نريد من حضراتكم أن تقولوا لنا ما هو لون الإشارة .. إشارة السيمافور .. هناك!
أصوات (مختلطة صائحة في هرج ومرج): إشارة ..؟ سيمافور ..؟ أي إشارة..؟ أي سيمافور ..؟
المساعد: هس .. سمع .. سمع .. يا حضرات هذا لا يصح .. لا يليق .. الحكاية كلها مجرد سؤال .. نسأل ..؟
أصوات (صائحة في اختلاط): أنا أجاوب .. أنا أقول .. أنا الأول ..
السائق: حلمكم .. الصبر طيب .. واحد .. واحد .. نسمع إجابة هذا الأفندي..
الأفندي: نعم أرى لون الإشارة .. هذا لون .. أخضر ..
السائق: أخضر ..؟
صوت (ينطلق فجأة من بين الركاب): إنه أحمر ..
السائق: أرجوكم .. أرجوكم .. بالترتيب .. سيجيء دورك .. متأكد يا حضرة الأفندي .. أنه أخضر ..؟
الأفندي: متأكد ..
المساعد: وأنت يا عم يا صاحب المقطف هناك .. انظر وقل لنا ..
صاحب المقطف: أنا يا ابني نظري ضعيف ..
المساعد: آه لا مؤاخذة ..
السائق: وأنتِ يا ست ..؟
صوت: ردي يا ست أم حنفي ..
السائق: لا .. لا .. الست أم فستان لبني مشجر ..
المرأة: خدامتك ..
السائق: اللون .. من فضلك .. هناك .. انظري ..
المرأة: اللون .. أخضر ..
السائق: متأكدة يا ست ..؟
المرأة: أخضر مثل عود البقدونس ..
المساعد: وأنت يا أستاذ .. حضرتك ؟
الرجل: أنا مدرس محفوظات وخط عربي ..
المساعد: جميل .. تفضل انظر إلى لون الإشارة ..
المدرس: اللون .. أصفر ..
المساعد: أصفر ..؟!
السائق: غير معقول ..!
المساعد: لا يوجد أصفر يا أستاذ .. إما أحمر وإما أخضر ..
المدرس: سبحان رب العزة .. أنا أراه أصفر .. وأنا حر يا أخي ..
السائق: أنت متأكد أنه أصفر ..
المدرس: متأكد جدا .. وأصر كل الإصرار .. إنه أصفر .. أصفر .. أصفر .. كأنه الكركم ..
المساعد: أمرك ..
السائق: وأنتِ يا ست يا شابة .. إذا سمحتِ .. انظري هناك وقولي لنا اللون ..
الشابة: أحمر .. في عين عدوك ..
السائق: متأكدة أنه أحمر ..
الشابة: عيب .. أغشك ..؟
المساعد: وأنت يا جدع هناك .. أبو جردل غازوزة .. انظر إلى اللون .. وقل لنا ..
البائع: أحمر .. أحمر .. كوكاكولا .. بيبسي ..
السائق: وأنت يا سيدنا الشيخ .. هناك ..
الشيخ: خضراء ..
المساعد: أنت واثق أنها خضراء ..
الشيخ: نعم خضراء .. ولله الحمد من قبل ومن بعد ..!
السائق: وأخرتها .. ؟!
المساعد: والنتيجة ..؟!
السائق: أظن أنه لا داعي للاستمرار ..
المساعد: أظن .. خصوصا وأنه مازالت أمامنا عربات كثيرة ..
السائق: من رأيي أن نمر عليها بسرعة .. نخلص ذمتنا ..
المساعد: نعم .. بسرعة .. ع الماشي !
السائق: من فضلكم .. جميع ركاب العربات .. انظروا هناك .. هذه الإشارة .. هناك .. عمود الإشارات .. السيمافور .. فوقه نور .. ما لون هذا النور ..؟
أصوات: أحمر .. أحمر .. أحمر ..
أصوات: أخضر . أخضر .. أخضر ..
السيدة (تسأل): وأخيرا ..؟!
الآنسة: أخيرا .. لاشيء !
السيدة: هل سنمضي الليل هنا ..؟
الآنسة: من يدري ..؟
السيدة: الحق أن المكان هنا جميل .. وهذا القمر المكتمل ..
الآنسة: لولا هذا البدر الطالع .. بكامل استدارته .. لبدا المكان موحشا ..
السيدة: كل شيء حولنا مضيء .. كما لو كنا في الفجر ..
الآنسة: نعم .. وهذه المزارع .. تحت السماء الصافية .. غسلتها الأمطار .. بعد العاصفة التي هبت بالأمس .. حقا كل شيء هنا جميل الآن .. حتى نقيق الضفادع ..
الموسيقي: فعلا .. ضوء القمر جميل .. ومفيد أيضا ..
(السائق ومساعده يعودان بدون نتيجة)
السائق: أما زلتم هنا منتظرين ..؟
الرجل المالي: ألم تقل لنا احرسوا القطار ..؟
الموسيقي: وقد حرسناه ..
المالي: بالذمة والأمانة .. وأنتما ماذا صنعتما..؟
المساعد: لاشيء .. النتيجة .. صفر ..
المالي: صفر .. !
السائق: لم نتقدم .. ولم نتأخر ..
السيدة: حقا هذا شيء عجيب ..!
الآنسة: فعلا عجيب .. !
السائق: هذا شيء محير .. أيمكن أن يصاب الناس كلهم هكذا بعمى الألوان في وقت واحد ..؟!
المساعد: نصف القطار فقط ..
السائق: نعم .. نصف القطار أصيب بعمى الألوان ..!
الموسيقي: أي نصف ..؟؟
السيدة: حقا .. أي نصف ..؟
المساعد: النصف الذي يقول الأخضر طبعا ..
السائق: ولماذا لا يكون هو النصف الذي يقول الأحمر ..؟
المالي: لا يهم أي نصف ..!
السائق: هذا صحيح .. لم يعد يهم أي نصف .. المهم الآن أننا لا يمكن أن نستمر في الوقوف .. هذا خطر .. خطر جدا .. قطار الإكسبريس خلفنا .. يجب أن نتصرف بسرعة ..
المالي: أنا لدي فكرة تحتاج إلى تعاون وقوة ..
السائق: ما هي هذه الفكرة ..؟
المالي: أن نقوم جميعا بإبعاد القطار عن القضبان والإلقاء به بعيدا..
الجميع (في صوت واحد): الإلقاء به بعيدا ..؟
المالي: بعيدا عن طريق الإكسبريس .. بعيدا عن الخطر ..
السائق: نلقي بالقطار بعيدا ..؟
المالي: وأنا مستعد أن أشتريه حديد خردة بالسعر المناسب ..
السائق: لا .. لا .. الطريقة الوحيدة هي أن نسير ..
المساعد: برغم أن السكة مقفولة ..؟
السائق: إنها مفتوحة ..؟
المساعد: هذا هو موضوع الخلاف .. ولم ننته إلى شيء ..
الآنسة: هل تسمحون لي بكلمة ..؟
السائق: تفضلي ..
الآنسة: أليس كشك الإشارات قريبا من هنا ..؟
السائق: على بعد كيلو متر ..
الآنسة: هل ممكن أن يذهب أحد إلى هناك ويسأل ويتأكد ..؟
الموسيقي: فكرة مدهشة ..
السائق (لمساعده): إذن هلم بنا .. ولنعد بسرعة ..

السيدة (بعد فترة صمت): أسمع صوت صفير ..؟
الرجل المالي: أظنه صفير الإكسبريس .. فلنبتعد قليلا ..
السيدة: الإكسبريس ..؟ يا للكارثة .. يحب أن ننبه جميع الركاب ..
(يظهر السائق ومساعده عائدين)
الجميع: خيرا ..؟
السائق: لا شيء ..
الجميع (في دهشة): لاشيء ..
المساعد: نعم لا شيء ..
الجميع: ماذا تقولان ..؟
السائق: لا يوجد شيء هناك .. الكشك .. والسيمافور .. والإشارات .. وعامل الإشارات .. والمصابيح .. وموظف الكشك .. غير موجودين ..
الجميع: ما هذا الكلام ..؟
المساعد: هذه هي الحقيقة ..
السائق: وجدنا بالطبع الكشك .. ولكنه مهجور .. ونوافذه مهشمة .. عاصفة الأمس حطمته .. إنه أنقاض .. مجرد بقايا .. مجرد أنقاض ..
الآنسة: إذن لم يكن هناك إشارات ..؟
السائق: مادام السيمافور لا يعمل ..
الموسيقي: لم تكن هناك ألوان إذن ..؟
المساعد: مادامت المصابيح مهشمة ..
السيدة: وكيف رأينا إذن اللون الأحمر ..؟
الموسيقي: الأخضر ..؟
الرجل: الأحمر ..؟
الآنسة: الأخضر .؟
السائق: اسألوا أنفسكم ..؟
الجميع (للسائق): وأنتَ ..؟
السائق: أنا أيضا اسأل نفسي من ساعتها ..
الجميع (للمساعد): وأنتَ ..؟
المساعد: مثلكم جميعا ..
السيدة: كيف رأينا تلك الألوان إذن ..؟
الموسيقي: هذا هو الشيء المحير ..
الرجل: والنتيجة الآن ..؟
السائق: النتيجة .. أنه مادامت لا توجد إشارات معينة فمعنى هذا أن السكة مفتوحة ..
المساعد: ولماذا لا نقول العكس .. إنه ما دامت لا توجد إشارات تفيد الأمان .. فالسكة مقفولة ..
السائق: يجب أن نتحرك في الحال ..
المساعد: في تحركنا مجازفة ..
السائق: وفي وقوفنا أيضا مجازفة ..
الرجل: لكن السير ..
الموسيقي: لكن الوقوف ..
***
عند هذه النقطة بالذات من مسرحية "رحلة القطار" كان البيريه يسألني: ماذا ستفعل أيها المؤلف العظيم ..؟ هل ستكون مع الواقفين أم مع السائرين .. هل ستكون مع السائق الذي يريد السير بالقطار، أم مع المساعد الذي يريد الوقوف..؟
قلت للبيريه الذي كان يفكر معي أثناء كتابة أحداث هذه المسرحية: أنا مع الحركة، وضد السكون، فالحركة بركة، والسكون يعني الخمول الذي يؤدي في النهاية إلى الموت، ولابد للأشياء أن تتحرك، ولا بد للإنسان أن يتحرك، لأن الأشياء إذا توقفت، والإنسان إذا ظل ساكنا، فمعنى ذلك أنه لا يوجد حياة، فالحياة هي الحركة، والحركة هي الحياة. هل رأيت أيها البيريه العزيز إنسانا يظل طوال حياته نائما، لا يأكل ولا يشرب، ولا يعمل ..ولا يتحرك ..؟ أو حتى نملة خامدة في الأرض لا تسعى إلى رزقها ..؟
البيريه: نعم رأيت ..؟
الحكيم: أين أيها البيريه ..؟
البيريه: في مسرحيتك "أهل الكهف" ..
الحكيم (ضاحكا): هذا موضوع آخر يا بيريهي العزيز .. إن مسرحية "أهل الكهف" تأثرت فيها بالقصة الواردة في القرآن الكريم في سورة "الكهف" التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: "إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، فضربنا على آذانهم في الكهف سنينَ عددا، ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا، نحن نقص عليك نبأهم بالحق، إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى " (صدق الله العظيم).
لقد أمات الله "أهل الكهف" 309 سنوات "ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا" ثم أحياهم أو بعثهم إلى الحياة مرة أخرى، لحكمة عظيمة من عند الله، أي إن سكونهم أو موتهم كان لحكمة من عند الله، وموعظة لقومهم، ولجميع الناس في كل مكان وزمان، أما السكون الذي نتحدث عنه في مسرحية "رحلة القطار" فهو غير سكون أهل الكهف طبعا أيها البيريه.
البيريه: نعود إلى المسرحية، وأسألك مرة أخرى: هل ستكون مع الواقفين أم مع السائرين .. هل ستكون مع السائق الذي يريد السير بالقطار، أم مع المساعد الذي يريد الوقوف..؟
الحكيم: أعتقد أنك عرفت إجابتي من خلال الكلام السابق، سأكون طبعا مع السائق الذي يريد السير بالقطار، لأن هذا يعني الحركة. وسأضع نهاية المسرحية على الوجه التالي:
السائق (فجأة يصرخ ويصفر ويحرك ذراعيه كالقاطرة السائرة): تريك تراك تريك تراك تريك تراك تريك تريك تريك ..
الجميع (ملتفتين إليه): انظروا !! انظروا!! ماذا يفعل ؟؟
(السائق يقفز إلى القاطرة ويطلق صفارتها طويلا .. إيذانا بالسير .. وعندئذ يهرع الجميع بحركة غريزية يتسلقون القطار ..).
البيريه (للحكيم): تقول بحركة غريزية يتسلقون القطار ..؟
الحكيم: نعم .. بحركة غريزية .. ماذا في هذا ..؟
البيريه: معنى هذا أن الحركة شيء غريزي في الإنسان .. فالإنسان لا يستطيع الوقوف ساكنا .. ولابد أن يتحرك .. فالحركة ـ كما قلت ـ حياة، والحياة ـ كما قلت ـ حركة ..
الحكيم: نعم أيها البيريه .. أما زلت تشك في ذلك ..؟
***
البيريه: إن هذا يذكرني بقصتك الرائعة "بعد مليون سنة" ..
الحكيم: "بعد مليون سنة" .. "بعد مليون سنة" .. نعم .. نعم .. أتذكرها ..
البيريه: أليست هذه القصة تتحدث أيضا عن السكون والحركة، ولكن بعد مليون سنة ..
الحكيم: هي قريبة من ذلك فعلا .. مع تغيير بسيط ..
البيريه: ما هو ..؟
الحكيم: هذه القصة تخيلت فيها ما يمكن أن يقود إليه العلم من كسل الإنسان، فمادام كل شيء موجودا وجاهزا عند الإنسان .. فلماذا يعمل إذن .. ولماذا يتزوج .. ولماذا ينجب .. فالمعامل أخذت تنتج النسل الآدمي .. إلى أن كف الناس عن الرغبة في أن يكون لهم أولاد وأحفاد .. خاصة أنه لا يوجد موت .. فقد توصل العلم إلى أن يجعل البشر باقين طوال الحياة .. فلا موت .. ولا مرض .. ولا حروب .. ولا حب .. ولا كره .. لقد أصبح البشر الموجودون شأنهم شأن عناصر الطبيعة الخالدة التي لا تتغير، إنها باقون دائما كتلك الشمس الباقية، وذلك القمر، وذلك البحر، وذلك الجبل .. وهو ما يخالف طبيعتهم كبشر .. من المفروض أنهم يتحركون .. ويعملون .. ويتعلمون .. ويروحون ويجيئون .. ويحبون .. ويكرهون .. ويتحدثون مع بعضهم البعض. إنهم وهم على هذه الحالة الجديدة التي أتاحها لهم العلم، لم يعرفوا شيئا عن ماضيهم ولاعن مستقبلهم، فقط يعيشون حاضرهم بكل ما فيه من كسل وتواكل على ما أتى به العلم من مخترعات. إن العلم الذي يعني التفكير والحركة، قاد الناس ـ بعد مليون سنة ـ إلى الكسل وعدم الحركة، فأصبح الإنسان خاملا لا يفكر في شيء، ولا يرغب في أن يتحرك ويتعلم شيئا جديدا، وبالتالي فقد تجمدت مشاعره، ولم يعد يضحك لشيء، أو يحزن لشيء، فأصبح بلا إنسانية، مادام أصبح بلا حركة.
***
ـ البيريه: إنه شيء عظيم أن تفكر في المستقبل بهذه الطريقة، وماذا إذن عن الماضي .. في أعمالك ..؟
ـ الحكيم: أي ماضٍ تقصد ..؟
ـ البيريه: ماضي البشرية، ماضي الإنسانية .. ؟
ـ الحكيم: حدد بالضبط ماذا تريد .. ؟
ـ البيريه: أريد أن تحدثني عن بعض الشخصيات التاريخية التي تحركت، أو تحدثت، فتحرك معها الناس، أوتحدث عنها التاريخ ..
ـ الحكيم: سأحدثك عن شخصيتين فقط، الأولى هي الملكة المصرية العظيمة كليوباترا التي كانت تحمل على جبينها تاج مصر، والتي أحبت أنطونيو الذي كان يحكم روما، والذي انتحر بعد أن بلغه ـ بالكذب ـ أن الملكة المصرية كليوباترا قد ماتت أثناء الموقعة الحربية التي عُرفت باسم موقعة "اكتيوم"، فصاح أنطونيو:
ـ وماذا تنتظر بعد الآن يا أنطونيو، لقد سلبك الموت من كانت تحبب إليك الحياة ..
ومات أنطونيو .. ولم يعلم أن كليوباترا كانت على قيد الحياة ..
ـ البيريه: وماذا فعلت كليوباترا بعد أن علمت أن حبيبها أنطونيو قد مات بهذه الطريقة .. ؟
ـ الحكيم: حزنت كليوباترا كثيرا على فراق حبيبها، وحاولت أن تتفاهم مع ملك روما الجديد المنتصر، لتظل تحكم مصر، ولكن لم يوافق ملك روما الجديد على ذلك، وأحست كليوباترا أن هذا الملك سيغدر بها، ويخلعها من على عرش مصر، ويقبض عليها وعلى أولادها،، ويرسلهم إلى روما، ويسجنهم هناك، فما كان منها إلا أن أمرت وصيفاتها بإعداد الحمام كي تستحم، ولبست ثيابها الملكية، وجلست على سريرها المصنوع من الذهب، وأمرت بإحضار حية لتلدغها، فتموت منتحرة بسم الحية ..
ـالبيريه: وأنت أيها المفكر .. ما رأيك في هذه الطريقة التي ماتت بها الملكة كليوباترا .. ؟
ـ الحكيم: رأيي أن كليوباترا كانت ملكة تحب شعبها، وامرأة تحب رجلها، وأمًّا تحب أولادها، وعندما أحست بالإهانة، وأن قلبها لم يعد يتحمل كل هذا الحب، بعد الهزيمة التي وقعت بها، فضلت الانتحار على هذه الطريقة ..
ـ البيريه: وجهة نظر مقبولة ..
ـ الحكيم: أعتقد ذلك ..
***
ـ البيريه: ومَنْ هي الشخصية الثانية التي ستحدثني عنها ..؟
ـ الحكيم: الشخصية الثانية، هي شخصية "جحا" ..
ـ البيريه: جحا .. !!؟
ـ الحكيم: نعم جحا .. صاحب النوادر والحكايات الغريبة والمضحكة ..
ـ البيريه: وأين ولِدَ هذا الجحا .. ؟
ـ الحكيم: ولد جحا في حارات القاهرة .. بمرحها الحلو .. ونكاتها الرائعة ..
ـ البيريه: كيف ذلك .. وأنا أسمع أن جحا هذا رومي ..؟ أي مولود في روما..
ـ الحكيم: المشكلة في جحا .. أنه كلما ذهب إلى بلد .. ينسبه الناس إلى ذلك البلد، فمرة هو رومي، ومرة هو شامي، ومرة هو أعجمي .. وهكذا ..
ـ البيريه: وماذا عن النوادر والنكات والحكايات الغريبة والمضحكة التي كان يؤلفها جحا .. ؟
ـ الحكيم: هذه النوادر والنكات والحكايات .. من تأليف الناس وصنعهم، وليست من تأليف جحا وصنعه .. ولو ألَّفَ جحا هذه النوادر والنكات لما أعجبت الناس، وضحكوا لها.. إنهم يضحكون عليها، لأنهم هم الذين يصنعونها ..
ـ البيريه: كيف ذلك ..؟
ـ الحكيم: الدليل على أن هذه الحكايات والنوادر والنكات من صنع الناس أنفسهم، وليست من صنع جحا، أن فيها الجيد والرديء، والظريف والسخيف، مثل الناس تماما، وكلها تعيش، ويتحدث بها الناس، ويتناقلونها من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، ومن بيئة إلى بيئة ..
ـ البيريه: أتريد أن تقنعني أن هذه النوادر والحكايات المضحكة لم تقع لجحا بالفعل ..؟
ـ الحكيم: وهل من الممكن أن يقع كل ما سمعناه لشخص واحد، لقد تزوَّج جحا في هذه النوادر مئات المرات، ومات مئات المرات، ودفن مئات المرات، وكان أحيانا الرجل الطيب، وأحيانا الرجل العبيط، وأحيانا اللص والمحتال، وأحيانا الكريم وأحيانا البخيل، والسمين والنحيل، والغني والفقير، والمنافق والصادق، والعاقل والمجنون .. إلى آخر هذه الصفات والعيوب والمزايا ..
ـ البيريه: ليس من المعقول أن تتحد هذه الصفات كلها .. في شخص واحد ..
ـ الحكيم: بالضبط .. لقد كان جحا مثل الحائط القائم في الطريق، وكل شخص وجد حكاية جميلة عنده أو قبيحة، كتبها وعلقها على هذا الحائط، وبالطبع فإن الحائط لا يستطيع أن يرضى أو يكره أو يمسك بكل من يكتب على صدره كلمة، أو يعلق على سطحه ورقة ..
ـ البيريه: وما الذي جعل جحا يرضى بأن يكون مثل الحائط للناس، دون بقية خلق الله ..؟
ـ الحكيم: اتساع صدره للنكتة الجيدة .. وتقبله لما يقوله الناس .. وحبه للمرح .. وتستره على أوَّل كاذب كذب على الناس .. وقال إن هذه النكات من صنع جحا .. فنسب إليه ما شاء .. كما أن ضحكه وقبوله للنكتة الرائقة الجيدة .. اضطره أن يقبل إلى جانبها مئات النكات السخيفة .. دون أن يلوم قائليها ..
البيريه: بمناسبة الكلام عن جحا .. ألا تتذكر نادرة من نوادره .. أو نكتة مما ينسب إليه من نكات ..؟
الحكيم: إليكَ هذه يا بيريهي العزيز ..
زعموا أن جحا ذهب إلى العالم الآخر .. عالم ما بعد الموت .. وأراد أن يغافل رضوان .. حارس بوابة الجنة .. ويدخل الجنة .. فتقدم إليه وقال له: اسمح لي يا سيد رضوان بأن ألقي نظرة من الباب على صديق لي في الجنة .. فسمح له أن يلقي نظرة على صديقه وهو على عتبة الباب، ثم صرفه .. فذهب جحا .. ثم عاد وقال له: نظرة أخرى على صاحب قديم آخر .. فإذن له رضوان ثم صرفه .. فذهب جحا .. ثم عاد يطلب مثل ما طلب .. وتكرر الأمر حتى ضاق به رضوان ذرعا .. فصاح به: لقد خيلتني يا هذا! كلما فتحت عيني وجدتك بالباب .. إما أن تدخل وإما أن تخرج ..! فسرعان ما قال جحا: أدخل .. وبادر بدخول الجنة ..!
***
البيريه: هذا عن نكات جحا ونوادره وحكاياته المضحكة .. غير أني أعرف أن لك أيضا حكايات وقصصا تبعث على الابتسام والضحك .. من تأليفك .. أليس كذلك ..؟
الحكيم: نعم .. أحيانا أحب أن أقدم للقارئ شيئا فكاهيا أو مضحكا .. يزرع الابتسامة على شفتيه ..
البيريه: أتذكر الآن قصتك "الأسطى عزرائيل" .. فهل حدثتنا عنها ..؟
الحكيم: سأحدثك عنها .. على أن تكون حكايتي الأخيرة لك في هذه الجلسة اللطيفة .. لأنني أريد أن أتفرغ لكتابة بعض أعمالي التي تدور في رأسي .. ورأسك أيضا أيها البيريه العزيز ..
البيريه: فليكن لك هذا يا صديقي ..
***
الحكيم: ذهبت في أوائل الصيف أحلق ذقني عند الحلاق .. وكان ذلك أوان ظهور فاكهة البطيخ في القاهرة .. وأسلمت رأسي للحلاق .. مستقبلا بوجهي النسيم الصناعي من المروحة الكهربائية .. ووضع الحلاق على ذقني الصابون الرطب، فشعرت بمتعة .. وراح يسن الموسى حتى لمع نصلها، وجاء فأخذ رأسي بين يديه .. ثم همس في أذني قائلا بلهجة غريبة:
ـ لا مؤاخذة .. لي عندك طلب بسيط ..
ورفع الموسى عن صدغي منتظرا كلامي .. فقلت له:
ـ تفضل ..
فأمسك برأسي، واستأنف الحلاقة، وهو يقول:
ـ هل تعرف حضرتك أحدا في مستشفى المجاذيب ..؟
فدهشت، ولكن قلت بهدوء:
ـ هل توهمت أنني كنت نزيل هذه المستشفى .. ؟
فأسرع يقول متأسفا:
ـ العفو .. العفو .. لم أقصد ذلك .. إنما أردت أن أقول إني أتوسم فيك حب الخير .. وأنك لابد تكون شخصية كبيرة، وتعرف أحدا من أطباء المستشفى ..
ـ لماذا .. ؟
ـ لي شقيق مجنون .. أريد أن أخرجه ..
ـ مجنون ..؟ وهل شفي ..؟
ـ إنه لم يكن مجنونا خطرا .. ولكنها دعوى باطلة من المستشفى .. كل ما في الأمر أنه أحيانا تتراءى له خيالات، ويتصور تصورات لا ضرر فيها ولا غبار عليها .. ولا تؤذي أحدا .. فلا هو هاج، ولا ماج، ولا صرخ، ولا صخب، ولا ضرب، ولا أحدث تلك الضوضاء التي يحدثها المجانين الذين يحبسون في مستشفى المجاذيب ..
ـ عجبا .. وماذا فعل إذن حتى استحق أن يحجز بالمستشفى ..؟
ـ لا شيء يا سيدي .. المسألة بسيطة: شقيقي هذا كان حلاقا مثلي .. وكان يعمل ذات صباح في أمان الله .. وكان الوقت صيفا، والحر شديدا، وكان في يد شقيقي رأس زبون لا يتخير على حضرتك .. فتخيل أن رأس هذا الزبون بطيخة .. وكانت في يده الموسى .. فأراد أن يشقها بالطول ..
فخفت .. وصحت في الحال:
ـ يشق ماذا .. ؟
ـ يشق البطيخة .. أعنى رأس الزبون ..!
فارتعدتُ .. وجمد الدم في عروقي .. وكان رأسي وقتها في يده .. والنصل الحاد البرَّاق يمر عند الحلق .. وأمسكت أنفاسي خوفا .. ولكني تجلدتُ وقلت له بوداعة ورفق لأدخل عليه الرضا، وأبعث لنفسي الاطمئنان:
ـ طبعا شقيقك هذا شاذ في العائلة ..؟
فقال الحلاق .. ونصله فوق حلقي:
ـ الحقيقة أن هذا شيء في العائلة كلها ..
ثم استطرد قائلا:
ـ أنا نفسي أحيانا تخطر لي تصورات عجيبة .. خصوصا في موسم البطيخ ..
ولمعت عين الحلاق ببريق عجيب مثل بريق النصل الذي فوق حلقي .. فأيقنت بقرب فتح رأسي .. وتشهدتُ على نفسي .. وترحمتُ .. وأغمضت عيني مستسلما لمجيء الموت .. وخروج الروح ..
مكثت على هذا الحال دقائق .. ولم أفتح عيني إلا على صوت رشاشة الكولونيا وهي تمطر وجهي .. وعلى صوت الحلاق وهو يقول لي: نعيما ..
انتفضت في الحال .. ونهضت من على كرسي الحلاق كمن ولد من جديد .. ودفعت حسابي .. والحلاق يوصيني بشقيقه والتوسط في إخراجه من مستشفى المجانين .. وما أن وضعت قدمي خارج صالون الحلاقة .. حتى تنفست بعمق .. وأقسمت أن أحلق ذقني بيدي .. أو على الأقل لا أدخل عند هذا الحلاق في موسم البطيخ ..
***
البيريه: الحمد لله أنك خرجت لنا سالما من تحت يد هذا الحلاق .. وإلا لأصيبت أنا أيضا في حياتي إصابة بالغة ..؟
الحكيم: كيف ذلك ..؟
البيريه: وهل عندما ـ لا سمح الله ـ تُصاب أنت في رأسك الذي سيصبح مثل البطيخة المفتوحة .. سأكون أنا سعيدا .. إنني سأفقد وظيفتي في حماية هذا الرأس المفكر .. وربما تغضب مني لأني لم أكن قادرا على أداء وظيفتي على الوجه اللائق .. فتقوم بطردي من فوق رأسك .. وإعادتي مرة أخرى إلى خزانة الملابس .. لا عمل لي .. ولا وظيفة أؤديها .. وسأكون غير قادر على الحركة وعلى الحياة معك .. والاستماع إلى أفكارك وهي تدور داخل رأسك .. قبل أن تخرج إلى الورق .. وإلى الناس ..
الحكيم: حقا أيها البيريه العزيز .. وشكرا على إخلاصك لي .. وعلى إيمانك بمبدئنا الذي تحدثنا عنه كثيرا هنا وهو "الحركة هي الحياة .. والحياة هي الحركة".. وإلى اللقاء في جلسة أخرى معك.

أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية