إشكالية الممانعة العربية والنهج الإيراني

بقلم: د. علاء الدين شمَاع

أخذت المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة تفرض نفسها من خلال "سبيل ثالث" يسهل سلوكه في التعاون بين الأمم مع الحفاظ على خصوصية الذات والثوابت بعيداً عن تلونات المعطى والتحيزات التي تهمل المصالح العليا لكل أمة على حدة في التعامل مع تلك المتغيرات وفق ما يضمن لها ولأفرادها العيش الكريم، وأمة العرب فيما يبدو لم تبد حتى الآن ردة فعل تساوي أفعال ما أبدته دول جوارها الإقليمي؛ على الأقل في الاستجابة السريعة لقراءة الحدث الدرامي وتصاعد وتيرته، لما يلف مستقبل منطقة الشرق الأوسط من ضبابية معتمة.
وتناقض الصورة يظهر على جليته في العلاقات العربية-الإيرانية، ذلك أن الشطط الإيراني في التبجح ضد العرب بلغ حداً لا يمكن احتماله أو السكوت عنه، وهو يعكس فيما يعكس مقدار الحقد والضغينة اللذين تكنهما القيادة الإيرانية وتخبط الملالي الذين يقودون دفة الحكم في إيران وفقدانهم الاتزان والتعامل الجاد القائم على المصلحة المتبادلة والتاريخ المشترك مع الجار العربي.
ولعل الانطباع الخاطئ الذي توفر لدى القادة الإيرانيين من خلال العلاقة الاستثنائية القائمة مع سوريا جعلهم يمضون قدماً في كبرهم وصلفهم في التعامل بعنجهية مع العرب، وهو مفهوم يلزمه الكثير من التصويب، تتحمل سوريا عبء إصلاحه وتدارك تبعاته ونجاح تعاملها مع الحالة التركية خير مثال بعد أن أجادت سوريا احتواءها.
ليس هذا وحسب، ذلك أن سوريا عندما تجهد في أن تقدم نفسها دولة قومية علمانية "سوبر عروبية" يضيرها بل يضر بها ما تجتهد إيران على إشاعته من الانتساب لمفاهيم دينية ضيقة تنسب لها وهو ما لا يمكن لسوريا أن تنسبه لنفسها تحت أي ظرف أو مسمى.
وإن كانت سوريا حتى الآن ليست في وارد إعادة حساباتها بالتعاون الاستراتيجي مع إيران فأن حالة الأخيرة لا تخفي ما أخذت تمثله من خطر على الممانعة العربية لعدم نضجها الأخلاقي والسياسي في التعامل الجاد مع العرب وقضاياهم. والتي يرقب المتابعون جدية استمرار هذه العلاقة بحرص زائد.
إن ضيق ذات اليد السورية الممدودة للجانب العربي دفعها إلى حصر خياراتها الإستراتيجية (وهي سياسة صائبة حتى الآن) في التحالف مع إيران التي اتخذت من الساحة العربية والتشرذم العربي مطية في تحقيق ما تصبو إليه من سياسات إقليمية تُؤمن لها إمكانية السير قدماً في برنامجها النووي والذي في حال تحققه لن يضر إلا العرب لعدم امتلاكهم "توازن الرعب النووي" الذي تملكه إسرائيل على سبيل المثال.
وملالي إيران لم يكونوا ليقدموا مذهبيتهم إن لم تكن لتحفظ لهم استمرار حكمهم؛ وكذلك فارسيتهم قدر ما يكون الانتساب لها يُؤمن ديمومة تسلطهم على مقدرات الشعب الإيراني، حيث أن الانكفاء على النفس (التمذهب) والتطلع إلى الماضي (التفرس) على تناقضهما الأيديولوجي لا يمكن لهما أن يجتمعا إلا في عالم موارب يوفره معتقد التقية. حداً أجادوا فيه ما أجادته أميركا وإسرائيل في التعامل مع العرب من خلال النحت في أركيولوجيا ورسوبيات الطائفية وتغذية المشاعر الاثنية والعمل على شرذمة الصف الوطني لبعض البلدان العربية (العراق مثلاً) من خلال تكريس حكم ثلة "ائتلاف المنفعة" بمرجعيته الإيرانية في إدارة الشأن العراقي.
فمثلاً رجل مثل عمار الحكيم يٌقدم على أنه سياسي لا ينطق عن الهوى! والتيار الصدري له أن يصادر منصب رئيس الوزراء من خلال استفتاء خاص يجريه ضمن التيار وهو معصوم عن الخطأ في تزكية من يريد من أسماء ضمن فتوى زعيمه! والمالكي له أن يزاود ما يشاء على الشعب العراقي من خلال ملف الأمن ولسان حاله يقول" إما أنا أو الطوفان"! والغاية النهائية الحفاظ على المكاسب الطائفية وما يتهددها من مخاطر حسب وجهة نظر إيرانية تعمل على إذكائها بنار الفتنة.
إن كل ما سبق يُفسر ما نشاهده من نزاعات داخلية طائفية واثنية في العالم العربي تعمل على تغذيتها دوائر إقليمية ودولية، اذ ليس إخفاق مسار السلام في المنطقة إلا مبرراً للتدخل الخارجي بين شد وجذب مصالح هذه الأطراف التي تعمل وفق سياسات تؤمن لها مصالحها في الدرجة الأولى وعلى حساب الطرف العربي.
ذلك أنه إمام تعطل العملية السلمية وإهدار الحقوق العربية وظهور خيار المقاومة خياراً أمثل في استرداد الأرض، ما يدفعنا إلى مقاربته ضمن إشكالية يمكن رصدها بين الخط العربي الممانع والنهج الإيراني المخاتل تجاه هذا الخيار.
إذ أن طرح خيار المقاومة الذي تتبناه الأطراف العربية الممانعة، سوريا حزب الله حركة حماس وبعض الفصائل الفلسطينية وفئات مختلفة من الشعب العربي، لا يمكن أن يتم بعيدا عن مرجعية الانتماء للعروبة مهما اصطبغت بعض الحركات العربية المقاومة بالصبغة الإسلامية الجهادية فان هذا لا ينزع عنها انتماءها لقضايا الأمة في التحرر. ذلك أن جزر الرؤى في انحسارها إلى ضيق النظر لفهم العلاقة بين القومي والإسلامي قد يجهد الكثيرين ومنهم أطرافاً مقاومة ذات وزن، ونخص بالذكر هنا قيادة حزب الله عندما قدمت نفسها حزباً لولاية الفقيه والسؤال الذي يطرح نفسه: هل في زوال ولاية الفقيه كما تطالب بعض التيارات الدينية الإصلاحية في النجف الأشرف زوال لحزب الله بالتداعي وإسرائيل لا تزال تحتل أجزاء من الأرض اللبنانية؟
وفي نصيحة للإدارة الأميركية أن لا تشمل سوريا في تشددها تجاه إيران نزولاً عند رغبة نتنياهو لأن ثقة هذا الأخير غير قابلة للكسب وهو يراوغ في إمكانية العودة للتفاوض مع الجانب الفلسطيني مستغلاً كذبة صواريخ سكود السورية لحزب الله؛ ذلك أن التقارب مع سوريا قد يعين في الحد من تآكل شبكة المصالح الأميركية في المنطقة وابتعاد سوريا عن إيران وارد في حال عودة الجولان المحتل إلى الوطن الأم حتى حدود الـ67 دون أن يفرض عليها التطبيع مع العدو الصهيوني قبل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس مع عودة اللاجئين وغير هذا قد لا ينفعه "سلام البراشوت" الذي يجتهد عليه أوباما وكأننا أمام حالة اغاثية يعمل نتنياهو أول من يعمل على تقويضها منذ الآن. د.علاء الدين شمَاع
كاتب عربي سوري